"عنقاء غزة": ذاكرة لا تُمحى رغم حرب الإبادة

  • الإثنين 04, مايو 2026 10:15 ص
  • "عنقاء غزة": ذاكرة لا تُمحى رغم حرب الإبادة
بدأ نعيم أبو راضي يشعر بالحنين إلى الوطن في عام 2022، بعد مرور نحو سبع سنوات على آخر زيارة له إلى غزة. وبصفته طالب دراسات عليا في الإعلام، ومعزولاً عن العالم الخارجي بسبب الحصار الطويل المفروض على القطاع، تحوّل الوطن بالنسبة له إلى مجرد ذكرى.
"عنقاء غزة": ذاكرة لا تُمحى رغم حرب الإبادة
غزة- وكالة سند للأنباء (ترجمة خاصة)
بدأ نعيم أبو راضي يشعر بالحنين إلى الوطن في عام 2022، بعد مرور نحو سبع سنوات على آخر زيارة له إلى غزة. وبصفته طالب دراسات عليا في الإعلام، ومعزولاً عن العالم الخارجي بسبب الحصار الطويل المفروض على القطاع، تحوّل الوطن بالنسبة له إلى مجرد ذكرى.
اتجه أبو راضي، بصفته متابعاً لتقنيات الإعلام الجديدة، إلى البحث عن وسيلة بديلة للدخول إلى غزة، فعمل برفقة أحلام محتسب، أستاذة الدراسات الإعلامية في جامعة ولاية كاليفورنيا في سان برناردينو، وفريق الباحثين في مختبر X-Real، على إرسال كاميرا بزاوية 360 درجة إلى القطاع.
وقد قام صحفي محلي بنقل الكاميرا إلى عدة مواقع داخل غزة، شملت الأسواق والشوارع والساحات المزدحمة في مدينة غزة، إضافة إلى الحمام التركي الذي يعود تاريخه إلى 1000 عام، والبحر.
واستغرقت الكاميرا ستة أشهر للوصول، قبل أن تتيح لاحقاً تجربة افتراضية مكّنت أبو راضي من العودة إلى غزة بشكل غير مباشر.
وأظهرت اللقطات التي وصلت لاحقاً تأثيراً عاطفياً كبيراً عليه، فيما واصل الفريق عمله من خلال تكليف مصور الفيديو أحمد حسب الله بتصوير المزيد من المواد بين يوليو 2022 ويوليو 2023.
استخدام تقنيات الواقع الافتراضي
تطوّر المشروع لاحقاً ليهدف إلى تمكين الفلسطينيين في الضفة الغربية وخارجها من "تجربة" غزة باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، ضمن ما يُعرف بالواقع الممتد (XR). ويأتي ذلك في ظل حرمان أجيال من الفلسطينيين من العودة إلى القطاع منذ النكبة، واعتماد كثيرين على صور إعلامية وُصفت بأنها متحيزة.
وتغيّر مسار المشروع بعد بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في 7 أكتوبر 2023، حيث تابع أبو راضي تدمير المواقع التي جرى توثيقها سابقاً، بما فيها المساجد والشوارع والمباني السكنية والمؤسسات التعليمية، في ظل العمليات العسكرية الإسرائيلية.
واضطر المصور أحمد حسب الله إلى النزوح نحو جنوب غزة، فيما دُفنت كاميرا التصوير تحت الأنقاض بعد قصف منزله، كما استشهد والده خلال الأحداث.
وتأخر إطلاق المشروع حتى أوائل عام 2024، بعد أن أعاد الفريق تقييم المواد المصوّرة، ليتبيّن أنها تمثل أحد أكبر الأرشيفات المصوّرة بزاوية 360 درجة للحياة اليومية في غزة قبل الدمار.
وقال أبو راضي، وهو حالياً طالب دكتوراه في جامعة كولورادو بولدر، إن الهدف كان توثيق الثقافة والتاريخ، مضيفاً أن الفريق لم يكن يتوقع أن تتحول هذه المواد إلى سجل يوثق مرحلة انتهت.
وقد أُطلق على المشروع اسم "عنقاء غزة XR"، في إشارة إلى فكرة النهوض من تحت الأنقاض.
جولات عالمية للمعرض
خلال الأسابيع الأخيرة، تنقّل المعرض بين جامعات في الولايات المتحدة، حيث أُتيح للزوار استخدام نظارات الواقع الافتراضي لمعايشة مشاهد من غزة قبل عام 2023، شملت مواقع دينية وتاريخية وأحياء سكنية وأسواقاً شعبية.
وأتاحت التجربة للزوار التفاعل مع مشاهد الحياة اليومية، مثل التنقل في الشوارع أو الوقوف على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، والاستماع إلى الأصوات المحيطة، في تجربة وُصفت بأنها حسية وغامرة.
غير أن العديد من المواقع التي تم توثيقها تعرّض للتدمير أو لأضرار كبيرة بعد أكتوبر 2023. ومن بين تلك المواقع كنيسة القديس بورفيريوس، التي تحوّلت إلى ملاذ للنازحين قبل أن تتعرض للقصف في 19 أكتوبر 2023، ما أدى إلى استشهاد 18 فلسطينياً.
وأشارت التقارير إلى أن مصير عدد من الأشخاص الذين ظهروا في المواد المصوّرة لا يزال مجهولاً.
وساهمت التجربة في دفع بعض الزوار إلى إعادة التفكير في واقع الحياة في غزة قبل الأحداث وبعدها، وفق ما نقل عن أحد الزوار الذين حضروا المعرض في كلية هانتر.
وقد واصل الفريق تطوير المشروع بعد ذلك، حيث تم استخراج الكاميرا من تحت الأنقاض، وتكليف الصحفي يحيى صبيح بإعادة تصوير مواقع سبق توثيقها، لإظهار التغير الذي طرأ عليها.
وانضم مختبر بيانات IDA B Wells في جامعة برينستون لدعم المشروع، الذي بات يتيح للزوار مقارنة المشاهد قبل وبعد الدمار.
وتشير تقديرات إلى أن أكثر من 200 ألف فلسطيني استشهدوا أو أُصيبوا خلال الأحداث، في حين تناولت تقارير دولية مسألة تدمير البنية الثقافية والاجتماعية في القطاع.
وذكرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيز، في تقرير صدر في أكتوبر 2024 بعنوان "الإبادة الجماعية كمحو استعماري"، أن حجم الدمار في غزة ترافق مع اتهامات بارتكاب جرائم متعددة، مضيفة أن القطاع أصبح غير صالح للحياة البشرية.
حفظ الذاكرة الفلسطينية
تأثرت أحلام محتسب عند حديثها عن استشهاد الصحفي يحيى صبيح، الذي وثّق جزءاً كبيراً من المشروع، حيث استشهد في 7 مايو 2025 أثناء وجوده في مطعم، وكان يبلغ من العمر 32 عاماً.
وانضمت زوجته أمل، وهي مصورة فوتوغرافية، إلى المشروع لاحقاً لمواصلة العمل.
يسعى المشروع إلى توظيف المواد المصوّرة في مجالات متعددة، تشمل دعم التحقيقات في جرائم الحرب، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار من خلال نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد.
أفاد الفريق بأن منظمة العفو الدولية تواصلت معه، فيما يجري العمل بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية، منها جامعة براون وجامعة بوسطن.
وصل المشروع منذ عام 2022 إلى جمهور في عدة دول، بينها أوغندا وإيطاليا وكندا وهولندا والنرويج، إضافة إلى أكثر من 50 جامعة ومجتمعاً محلياً في الولايات المتحدة.
شملت الجولة الأخيرة عدداً من المؤسسات الأكاديمية، من بينها كلية هانتر في نيويورك، وجامعة براون، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كما استضاف مرصد فيسك الفلكي في جامعة كولورادو بولدر عرضاً خاصاً في أبريل.
من المقرر أن ينتقل المعرض في يونيو إلى جنوب أفريقيا، ثم إلى اليابان وإسبانيا.
قال أبو راضي إن المشروع يهدف إلى حفظ الذاكرة الفلسطينية عبر وسائط رقمية تفاعلية، مشيراً إلى أن هذه المواد تبقى متاحة ويمكن الوصول إليها عالمياً.
وأضاف أن ما تم توثيقه يمثل سجلاً لا يمكن محوه، رغم تدمير المواقع واستشهاد عدد كبير من الأشخاص.