خمسون عاما على ذكرى يوم الأرض الخالد
موطني 48
توافق اليوم الاثنين، الثلاثون من آذار، الذكرى الـ50 ليوم الأرض، المناسبة التي أصبحت عيدا للأرض والدفاع عنها منذ عام 1976، إذ استُشهد في تلك الهبة 6 مواطنين، وجُرح 49 واعتُقل أكثر من 300 آخرين.
وتأتي هذه الذكرى، في أكثر المراحل دموية من تاريخ شعبنا، إذ يتعرض قطاع غزة لحرب إبادة جماعية منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وبهذه المناسبة، أصدرت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في البلاد إصدارا خاصا في الذكرى الخمسين ليوم الأرض.
تضمن الإصدار كلمة د. جمال زحالقة، رئيس لجنة المتابعة العليا:
“أهلنا الكرام، مضى نصف قرن على يوم الأرض الخالد 30 آذار 1976، يوم هبّت جماهير شعبنا دفاعا عن الأرض وللتصدي لمخططات المصادرة، التي لم تتوقّف منذ نكبة فلسطين. كانت تلك معركة عادلة بامتياز: أصحاب حقّ يذودون عن حقّهم ويحمونه من الذين يعتدون عليه ويريدون سلبه.
في الذكرى الخمسين ليوم الأرض نقف إجلالا وإكراما لشهدائنا الأبرار، وعهدٌ علينا أن نحفظ ذكراهم بالمضي في طريق النضال دفاعا عن الأرض، التي ضحّوا من أجلها، وعن حقّنا في العيش الحر الكريم فوق ترابها الغالي.
إنّنا نخوض معركة الأرض بعزّة وكبرياء أهل البلاد، وبعزيمة أصحاب الحقّ، وبقناعة راسخة أن هذه أرضنا وهذا وطننا ولا وطن لنا سواه.
يوحّد يوم الأرض الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده كافّة، وتأتي ذكراه الخمسون وشعبنا يتعرّض لعدوان إجرامي متواصل تجلّى بالإبادة الجماعية والتدمير الشامل في قطاع غزة، ومساع محمومة ومنفلتة لتهجيره عن وطنه. وإذ تمتد مشاريع الترحيل عن الأرض من غزة إلى الضفة ومن القدس إلى الداخل، فإنّ شعبنا يتمسك بالأرض وبروح يوم الأرض، روح الصمود والإصرار على البقاء ومواجهة التحديات مهما كانت الأثمان.
معركة الدفاع عن الأرض هي ذاتها معركة البقاء والكرامة. وفي قضية الأرض، نحن لا نواجه سياسة تمييز عنصري فحسب، بل أكثر من ذلك بكثير هي سياسة عداء سافر تتعامل فيه الدولة معنا كأعداء وتسعى لاحتلال أرضهم. ونحن متمسكون بأرضنا ونواصل الكفاح لحمايتها ونعتبر الدفاع عنها دفاعا عن أنفسنا وعن مستقبل بناتنا وأبنائنا.
عاش يوم الأرض الخالد!
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار!.
خلفية تاريخية
منذ قيامها، اتّبعت إسرائيل سياسةً ممنهجةً للاستيلاء على الأراضي العربيّة وسلبها من أصحابها لصالح المجتمع اليهوديّ. فبعد الاستيلاء على أراضي اللاجئين، شرعت في مصادرة ملايين الدونمات من أراضي الفلسطينيّين الذين بقوا داخل الخطّ الأخضر. وسنّت عشرات القوانين لمصادرة الأرض، واستعملتها لسلب مساحات واسعة من الأراضي في جميع البلدات العربيّة، واستولت على غالبيّة أراضي المواطنين العرب. وقد خلّفت هذه المصادرات جرحًا عميقًا في المجتمع العربيّ الفلسطينيّ في الداخل، وتراكُمًا للغضب الشعبيّ والجهوزيّة الكفاحية، وهو ما تجلّى في المشاركة الشعبيّة الواسعة في إضراب يوم الأرض وفي الحراك الذي مهّد له.
وبالتزامن مع الحراك الجماهيريّ ضد المصادرة عام 1976، قدّم متصرّف لواء الشّمال في وزارة الداخلية، يسرائيل كينيغ، توصيات فاشيّة لكسر المعنويات قبل يوم الأرض وبعده، وباتت هذه التوصيات تُعرف بـ”وثيقة كينيغ”. وشملت الوثيقة دعوةً لتكثيف مشاريع تهويد الجليل عبر مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات ونقل السكان اليهود لخلق أكثريّة يهوديّة في الجليل. وتضمّنت توصياتٍ بتشجيع الهجرة، ومحاصرة المدّ الوطنيّ للمواطنين العرب، والعمل على ضرب القيادات الشيوعية والقيادات التي أسماها قومية “متطرّفة”.
لجنة الدفاع عن الأراضي
أُقيمت لجنة الدفاع عن الأراضي للتصدّي لمخططات المصادرة التي أخذت بُعدًا تصعيديًّا خطيرًا. ففي 29.7.1975 عُقد اجتماع تشاوري في حيفا حضره عدد من المبادرين لحملة الاحتجاج على مصادرة الأراضي، وممثلون عن الحزب الشيوعي، ورؤساء وأعضاء سلطات محلية، وقيادات وطنية، ومحامون، وأطباء، ومثقفون، وأصحاب أراضٍ، وصحافيون، وتقرّر فيه إقامة “لجنة مبادرة للدفاع عن الأراضي”.
وتبعًا لقرارات اجتماع حيفا، عُقد في الناصرة يوم 15.8.1975 اجتماع شعبي موسّع انتخب لجنة تحضيرية مكوّنة من 40 شخصية، تأسست منها وعلى أساسها لجنة الدفاع عن الأراضي. واستنادًا إلى قرارات هذا الاجتماع، عُقد في الناصرة يوم 18.10.1975 مؤتمر شعبي كبير حضره الآلاف، وترأسه د. أنيس كردوش، وأقرّ المؤتمر “إعلان الإضراب العام.. إذا لم تتراجع الحكومة عن مخططات المصادرة وتهويد الأرض”. وفي 6.3.1976 أعلنت لجنة الدفاع عن الأراضي الإضراب العام في الثلاثين من آذار – يوم الأرض.
تشكلت لجنة الدفاع عن الأراضي العربية من ممثلين عن الحزب الشيوعي، وحركة أبناء البلد، وشخصيات وطنية، ورؤساء وأعضاء سلطات محلية، وممثلي هيئات ولجان شعبية، وترأسها القسّ شحادة شحادة. وضمّت سكرتاريتها، إضافةً إلى القس شحادة، كلًّا من: القيادي صليبا خميس، والمحامي حنا نقارة، والمحامي محمد ميعاري، والمحامي حبيب أبو حلو، ورؤساء السلطات المحلية: مسعد قسيس (معليا)، والحاج محمد مصطفى محاميد (أم الفحم)، وعبد الرحيم حاج يحيى (الطيبة)، ويوسف نسيب خير (البقيعة). والجدير بالذكر أن الدكتور أنيس كردوش كان عضوًا في سكرتارية اللجنة إلى أن وافته المنية.
الاستعدادات
لم يكن يوم الأرض وليد هبّة عفويّة فحسب، بل سبقته حالة من الاحتقان والجهوزية التنظيمية والشعبية. وقد أخذ التحضير ليوم الأرض زخمًا جديًّا بعد تكثيف مخططات التهويد والمصادرة في أواسط السبعينيات. ووُثّقت هذه الحالة في “الكتاب الأسود” الذي صدر عن لجنة الدفاع عن الأراضي في أيلول 1976.
في أعقاب الكشف عن خطّة حكومة إسرائيل ونيّتها بمصادرة أراضي “الملّ” (المعرّفة منطقة 9) تشكّـلت في البلدات المعنيّة، سخنين وعرّابة ودير حنّا وعرب السواعد وغيرها، لجان وهيئات شعبيّة للدفاع عن الأراضي. كما وتشكّلت لجنة الدفاع عن الأراضي تنظيما قطريّا جامعا، شارك في عضويّتها ممثّلون عن قطاعات وحركات مختلفة. والتفّت الجماهير حول هذه اللجان والتي بدأت تطالب بالإعلان عن إضراب عام وشامل لمواجهة خطّة المصادرة ومجمل سياسات الاضطهاد الحكومية.
وفي اجتماع موسّع للجنة الدفاع عن الأراضي عُقد في الناصرة يوم 6.3.1976، وبحضور العديد من رؤساء السلطات المحلية العربية، تقرّر الإضراب العام والشامل بتاريخ 30 آذار. وبعد هذا الإعلان، بُوشر العمل بشكل واسع لتنفيذ القرار.
وبالوقت نفسه، عملت السلطة بكلّ قوتها على إفشال الإضراب. وشملت هذه محاولاتها تفعيل ضغوط حكومية هائلة على رؤساء السلطات المحلية العربية، الذين اجتمعوا بتاريخ 25.3.1976 في بلدية شفاعمرو، وقدمت مجموعة منهم اقتراحًا بإلغاء الإضراب. وجوبه الاقتراح بمعارضة شديدة من عدد من الرؤساء، وأطلق رئيس بلدية الناصرة المرحوم توفيق زياد في الاجتماع هتافه الشهير: “الشعب قرر الإضراب”. وأكد الرؤساء الداعمون للإضراب على أن الرؤساء ليسوا مخوّلين بالقرار بشأن إضراب أعلنته لجنة الدفاع عن الأراضي.
واحتشدت جماهير غفيرة خارج قاعة الاجتماع في تظاهرة شعبية دعمًا للإضراب، واعتدت الشرطة على المحتشدين بالهراوات والغاز المسيل للدموع، واندلعت مواجهات عنيفة لعدة ساعات، وكانت تلك انطلاقة المواجهات التي تُوّجت في يوم الأرض.
وكان الرؤساء الذين دعموا الإضراب 11 رئيس سلطة محلية أو ممثلًا عنها، وهم: رئيس بلدية الناصرة توفيق زياد، ورئيس مجلس أم الفحم محمد مصطفى محاميد، ورئيس مجلس يافة الناصرة أسعد يوسف كنانة، ورئيس مجلس دبورية أحمد مصالحة، ورئيس مجلس سخنين جمال طربية، ورئيس مجلس الرامة حنا مويس، ورئيس مجلس عرابة محمود نعامنة، ورئيس مجلس طرعان يونس نصار، ورئيس مجلس كفر مندا محمد زيدان، ونائب رئيس مجلس الرينة حسن محمود خطبا، ونائب رئيس مجلس المغار أمين عساقلة.
وخلال الأيام التي تلت اجتماع الرؤساء في شفاعمرو، تصاعدت التحضيرات التنظيمية والتعبئة الجماهيرية للإضراب العام المقرّر في الثلاثين من آذار. وفي أجواء من الإصرار والحماس، شاركت في التجنيد لإنجاح الإضراب كوادر الحزب الشيوعي، وحركة أبناء البلد، واتحاد لجان الطلاب العرب، ولجنة الطلاب الثانويين، وأعضاء سابقون من حركة الأرض المحظورة، ورؤساء وأعضاء سلطات محلية، واللجان الشعبية المحلية، ولجنة المبادرة الدرزية، وهيئات جماهيرية، وأصحاب الأراضي، وأعداد غفيرة من النشطاء الذين جابوا البيوت، بيتا بيتا، للدعوة إلى الإضراب وعدم الخروج للعمل. وتجلّت في هذا العمل الجبّار الطاقات الهائلة للوحدة الوطنية الكفاحية التي صنعت يوم الأرض الخالد.
تفصيل الأحداث
في مساء التاسع والعشرين من آذار 1976، انطلقت أول مظاهرة في دير حنّا، أقام فيها المحتجّون المتاريس وأحرقوا الإطارات ورفعوا شعارات تندّد بالمصادرة وبسياسات القمع التي تمارسها دولة إسرائيل. وبعد قمع مظاهرة دير حنّا، انطلقت مظاهرة مسائية أخرى في بلدة عرّابة المجاورة، وتدخّلت قوات أكبر من الشرطة والجيش لقمعها مستخدمة الرصاص الحيّ إضافة إلى الغاز المسيل للدموع، فاستشهد الشاب خير ياسين من عرّابة في هذه المظاهرة، وكان أول شهيد في يوم الأرض.
ومع انطلاق فجر الثلاثين من آذار 1976، دخل الإضراب حيّز التنفيذ في جميع مرافق الحياة في المدن والقرى العربية في البلاد. وانتشر النشطاء مبكرًا في جميع أنحاء البلدات العربية للحث على إغلاق المحلات التجارية، وخروج الطلاب من المدارس، وإقناع العمال بعدم الخروج إلى العمل، وانطلقت عبر مكبّرات الصوت نداءات من المساجد للمشاركة في الإضراب. وكان هذا الإضراب هو الأول من نوعه، إذ امتد إلى جميع المناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون العرب في الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة)، وشمل إضرابًا عن العمل والتعليم وإغلاقًا للمحلات التجارية والمرافق الخدماتية. كما شاركت في الإضراب، بالتوازي، مدن فلسطينية في الضفة والقطاع، وشاركت به الحركة الأسيرة، حيث أعاد الأسرى وجبات الطعام التي قُدّمت لهم.
وتحرّكت في سخنين وعرّابة ودير حنّا سيارات شرطية وعسكرية محمّلة بمكبّرات صوت، داعية الأهالي إلى التزام بيوتهم وعدم الخروج منها، وكلّ من يفتح باب بيته أو نافذته يعرّض نفسه للخطر. وكان ذلك النداء بمثابة إعلان حظر تجوّل في البلدات الثلاث.
لكن حظر التجوّل لم يمنع الناس من التظاهر في الشوارع والساحات تعبيرًا عن غضبهم من سياسات الحكومة، والمطالبة بوقف خطة المصادرات وتحقيق العدالة الاجتماعية، وفي مقدمتها حفظ الحقوق التامة في الأرض والمسكن. إلا أنّ قوات الشرطة وحرس الحدود أطلقت النار على الأهالي العزّل، ونتيجة لذلك ارتقى ستة شهداء، وأُصيب 50 شخصًا بجروح وُصفت بعضُها بالخطيرة، واعتُقل نحو 300 شخص.
يوم وطني شامل
يُعدّ يوم الأرض محطّةً تاريخيّةً فارقة في مسيرة دفاع أصحاب الأرض عن أراضيهم، ويظلّ رمزًا نضاليًّا متجدّدًا في الذاكرة الفلسطينيّة، وقد بات يومًا كفاحيًّا تُرفع فيه جميع القضايا التي نواجهها ونناضل من أجلها. إذ كان يوم الإضراب العام الشامل، الأوّل بعد عام 1948، وحدثًا مفصليًّا في المسيرة النضاليّة لجماهير شعبنا في الداخل، كما شكّل ذروة الكفاح الذي تصاعد تدريجيًّا بعد النكبة. وكان لهذا اليوم المجيد أعظم الأثر في صياغة هويّتنا الوطنيّة كجزء لا يتجزّأ من الشعب العربي الفلسطيني.
ليس يوم الأرض مجرّد ذكرى تاريخيّة، بل يعكس واقعًا نضاليًّا مستمرًّا منذ نكبة شعبنا عام 1948، مرورًا بالمعركة ضد “الهويّات الحمراء”، وفضح مجزرة كفر قاسم وتخليد ذكراها، وبالمعارك ضد الحكم العسكري والقمع. وقد تواصلت المسيرة الكفاحية في هبّة أم السحالي، وهبّة الروحة، وهبّة القدس والأقصى، وهبّة الكرامة، وفي النضال دفاعًا عن أرضنا في النقب وضد مخطط “برافر”، وفي نضالات كثيرة ومتعدّدة لا تتوقّف ولن تتوقّف حتى تحصيل حقوقنا التامّة.
ولم تعد ذكراه السنوية تقتصر على المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، بل تحوّل إلى يوم وطنيّ شامل يحييه الفلسطينيون في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة والشتات، وذلك بقرار من المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ عام 1978، كما أصبح يومًا عربيًّا وعالميًّا للتضامن مع الشعب الفلسطيني. وقد أُطلقت تسمية “مثلث يوم الأرض” على البلدات الثلاث (سخنين، عرّابة، ودير حنّا) التي كانت بؤرة ذلك اليوم.
شهداء يوم الأرض
ارتقى في هذا اليوم ستّة شهداء دفاعًا عن الأرض، لتبقى ذكراهم خالدة في وجدان شعبنا. والشهداء هم:
خير ياسين: من عرّابة. في مساء التاسع والعشرين من آذار، عشية يوم الأرض، خرجت مسيرة احتجاجية في دير حنّا قمعتها قوات الشرطة بالقوة، وعلى إثرها انطلقت مظاهرة حاشدة في عرّابة، واعتدت عليها قوات أمنية بالأسلحة الناريّة، فأصيب الشهيد وفارق الحياة.
خديجة قاسم شواهنة: من سخنين. ابنة الثالثة والعشرين ربيعًا، كانت تحمي أخاها خالد، ابن التاسعة. خرج خالد صباحًا للعب في الحارة القريبة من البيت، فتبعته خديجة بطلب من أمّها لإعادته. فأُصيبت برصاصة قاتلة في ظهرها، أردتها شهيدة على بعد خمسين مترًا من بيتها.
خضر عبد محمود خلايلة: من سخنين. قام بمساعدة المعلّمة آمنة عمّار المصابة بعيار ناري من قبل الشرطة. وأثناء محاولته مع والده رفعها عن الأرض، أُصيب هو بعيار ناري في رأسه وآخر في كتفه، فاستشهد على الفور.
رجا حسين أبو ريا: من سخنين. كان يوم استشهاده في الثلاثين من عمره، متزوّجًا وله أربع بنات صغيرات. أُصيب بعيار ناريّ قرابة الساعة التاسعة صباحًا أثناء وقوفه عند مدخل بيته، وفارق الحياة.
محسن حسن سعيد طه: من كفر كنّا. اقتحمت قوات الشرطة البلدة وأطلقت النار في كلّ اتجاه، فأُصيب بعيار ناري وأُردي شهيدًا.
رأفت علي زهيري: من مخيم نور شمس في الضفّة الغربيّة المحتلّة، ومن عائلة هجّرت من قرية قنير في بلاد الروحة. كان يبلغ 21 عامًا يوم استشهاده. عمل في أحد المصانع في رمات غان، وكان يبيت في الطيبة. وخرج ظهيرة يوم الإضراب إلى الشارع العام في الطيبة، حيث كانت الشرطة تطلق النار وتعتدي على الأهالي، فأصابته رصاصة في رأسه وأردته شهيدًا.
الأبعاد السياسية والوطنية ليوم الأرض
يُعدّ يوم الأرض نقطة تحوّل مفصليّة في تاريخ الصمود الفلسطيني في الداخل؛ إذ لم يكن حدثا عاديا أو احتجاجا عابرا، بل إعلانًا عن فشل سياسات الاضطهاد والترهيب والاحتواء والصهر، الهادفة إلى خلق إنسان عربي مطيع وخانع، وجاء تأكيدًا على وحدة الأرض والهُويّة، محقّقًا ما يلي:
كسر حاجز الخوف: تحدّى المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، في يوم الأرض، تهديدات السلطة بالقمع وقطع الأرزاق، وخرجت الجماهير إلى الشوارع لتكسر حواجز الترويع التي دأبت السلطة على بنائها بعد النكبة. وقد أسهم ذلك في تصعيد النضال لرفض مخططات سلطوية عديدة، وفي إحباط بعضها أو الحدّ منها. كما شكّل كسر حاجز الخوف عاملًا مهمًّا في فتح الطريق أمام إقامة الحركات والأحزاب وتعزيز التعدّدية السياسية في مجتمعنا. وكان للصرخة المدوّية التي انطلقت في ذلك اليوم دور كبير في تراجع نسبة وحجم المصادرات في السنوات اللاحقة.
تعزيز مكانة القيادة الوطنية: عزّز يوم الأرض، وما تلاه من محطات نضالية، مكانة القيادات الوطنية التي تحدّت الزعامة التقليدية المنصاعة لإملاءات حزب العمل الحاكم. ولعبت هذه القيادة دورًا مهمًّا في تجذير وتقوية العمل الوطني لفلسطينيي الداخل، وفي تعزيز دور لجنة الدفاع عن الأراضي، ما أدى لاحقًا إلى إقامة لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية والعديد من الأطر التمثيلية الهامة
تعزيز الهوية الوطنية: عزّزت المشاركة الواسعة في النضال المشاعر الوطنية، وزادت الإحساس بالانتماء، وأسهمت في صقل الهُويّة الجمعيّة. وقد ترسّخ الوعي بأن القضية ليست شخصية فحسب ولا قضية بلدة بعينها، بل هي قضية جميع أفراد الشعب في الجليل والمثلث والنقب والمدن والقرى الساحلية. وكان يوم الأرض أول حدث وطني جامع يلتحم فيه الفلسطينيون في الداخل مع أبناء شعبهم في الضفة الغربية وغزة واللجوء والشتات. وقد أخرج هذا التلاحم فلسطينيي الداخل من دائرة العزل والحصار إلى صلب القضية الفلسطينية، كمحور رئيسي في الصراع على الأرض.
الذاكرة الجمعية: تحوّل يوم الأرض إلى شعلة ملهمة لذاكرة جمعيّة وحّدت الكلّ الفلسطيني. فهو مناسبة وطنية سنوية يحييها الفلسطينيون في أماكن وجودهم كافة، ويشكّل في ماهيّته مكوّنًا رئيسيًا يجمعهم حول قضية جوهرية ومصيرية، رغم اختلاف ساحات نضالهم.
فشل سياسات الترويض: أسهم يوم الأرض في إفشال سياسات ترويض وتهجين الفلسطيني، وفق المقاسات السياسية الإسرائيلية، الهادفة إلى تكويعه وتركيعه وجعله ينصهر ضمن مخططات تفكيك المجتمع والسيطرة عليه، وتسييره وفق مخططات أُعدّت ليكون “عربيًّا يتنكّر لفلسطينيته، وإسرائيليًّا بمواطنة منقوصة”.
● جدوى النضال: أدّت الهبّة الشعبية في يوم الأرض، والالتفاف حول الهيئات الشعبية والسياسية، ومنها لجنة الدفاع عن الأراضي، إلى عرقلة عمليات المصادرة وإجبار السلطات الإسرائيلية على وقف بعضها، ومن بينها “منطقة 9” في سخنين وعرّابة ودير حنّا وعرب السواعد، التي أصبحت لاحقًا منطقة عامرة بالمباني والمرافق. كما شكّلت هبّة أم السحالي عام 1997، والوقفة الشجاعة خلالها للمدافعين عن الحق في الأرض والمسكن، رادعا أمام مخططات الهدم وجعل السلطة تعيد حساباتها بعد ان كانت تنوي هدم مئات البيوت. وفي هبّة الروحة المجيدة عام 1998، تأكدت مجددا جدوى النضال فبعد أيام من المواجهات العنيفة، جرح خلالها ما يزيد عن 600 متظاهر، اضطرت السلطة إلى القبول بإجراء مفاوضات، أدت إلى استرجاع آلاف الدونمات في وادي عارة والروحة. كما تأكدت جدوى النضال مجددا حين قام الحراك الشبابي وجماهير غفيرة من شعبنا بالتصدي لمخطط الاقتلاع والمصادرة في النقب في سلسلة من المظاهرات والمواجهات تحت شعار “برافر لن يمر”، ما أرغم الحكومة على التراجع عن مشروعها. وهناك الكثير من الحالات، التي أجبر فيها النضال المثابر السلطة على التراجع عن مخططات المصادرة والهدم.
المصادرة واقع مستمر
في عام 2026، وبعد مرور نصف قرن على يوم الأرض ما زالت قضية الأرض تشكّل صراعًا وجوديّا ملموسًا في الحياة اليوميّة وفي وجدان شعبنا. وما تزال المعركة على الأرض والمسكن تمثّل جبهة المواجهة الأكثر احتدامًا مع السلطة. وتقوم السلطات الإسرائيلية بمساع محمومة لسلب الأراضي من أصحابها الشرعيين باستعمال القوانين الجائرة والأساليب التعسّفية، وتقوم بالاستحواذ عليها عبر أخطبوط مجالس إقليمية مثل مسجاف وماطيه آشير ومناشيه وغيرها وإقامة بلدات جديدة مثل “حاريش”، وكذلك للاستيلاء على ما تبقى من أراضي الأوقاف الإسلامية. وبعد مرور نصف قرن على يوم الأرض، ما زلنا نواجه تحديات كثيرة في ساحات الدفاع عن أراضينا.
ساحة النقب: أصبحت منطقة النقب، في السنوات الأخيرة، ساحة المواجهة الأكبر في قضية الأرض والمسكن. وقد صعّدت الحكومة الحالية عمليات الهدم، ودمّرت قرى بأكملها، وتواصل تنفيذ مشاريع المصادرة والاقتلاع والتهجير، مستهدفة قرى تدّعي أنها “غير معترف بها”، رغم أنها قائمة قبل قيام دولة إسرائيل. ويترافق ذلك مع مخططات غير مسبوقة لتهويد النقب وبناء مستوطنات حصرية لليهود.
أزمة السكن و”قانون كمينتس”: بدلا من توفير حلول لأزمة السكن المتفاقمة في المجتمع العربيّ، تلجأ سلطات التخطيط الإسرائيليّة إلى تضييق الخناق على البلدات العربيّة وتواصل حرمانها من خرائط هيكليّة ملائمة تلبي احتياجات التنمية الطبيعيّة والنمو السكاني المتزايد. ويتصاعد معدّل عمليات الهدم التعسّفية، في ظلّ تطبيق قانون كمينتس، وتبعا لمخططات تستهدف محاصرة الوجود العربيّ الفلسطينيّ وتقييد توسّعه.
معاناة المدن الساحلية: تشهد معاناة متصاعدة للفلسطينيين فيها، من خلال تهجير صامت يتم تحت غطاء مشاريع “التحسين الحضري”، إلى جانب حرمانهم من مشاريع إسكان تتناسب مع احتياجاتهم، واستمرار سياسة هدم المنازل بحجّة البناء غير المرخّص.
مهجّرو الداخل: تحتفظ قضية العودة إلى القرى المهجرّة (إقرث، كفر برعم، الغابسية، البروة، صفوريّة، معلول، لوبيا، اللجون وغيرها الكثير) بوهجها في وجدان الأجيال المتعاقبة من فلسطينيي الداخل، حتّى الجيل الرابع والخامس بعد النكبة، وتقوم لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين بدور مهم في قيادة النضال من اجل حق العودة، وتشكّل المشاركة الواسعة في مسيرات العودة السنويّة، التي تدعو إليها اللجنة بالاشتراك مع لجنة المتابعة، تجسيدا حيّا للتمسّك الثابت بالحق في الأرض وبالعودة إليها.
مصادرة بحجة المشاريع القطرية: تتوالى المحاولات لمصادرة ما تبقّى لنا من أراض عربيّة بحجّة تنفيذ مشاريع تطوير قطريّة، مثل خطّ الغاز والشوارع وسكك الحديد، رغم إمكانيّة تنفيذ هذه المشاريع فوق الأراضي المسمّاة “أراضي دولة”. ومن ذلك مثلًا، مشروع مصادرة أراض من الجديدة المكر ويركا وطمرة وشفاعمرو وعبلين وجولس وكفر ياسيف وأبو سنان ودنون، بحجّة شقّ القسم الشمالي من شارع “عابر إسرائيل”. وكذلك مشروع مصادرة آلاف الدونمات من أراضي الطيبة، وقلنسوة، والطيرة لصالح شقّ شارع ومدّ سكّة حديد.
العلاقة بين العنف والجريمة وقضايا الأرض: برز في السنوات الأخيرة وعيٌّ شعبيّ متزايد يربط بين تضييق الخناق في قضيتي الأرض والمسكن وبين تفشّي الجريمة. فحرمان الشباب من فرص السكن، وضيق الأفق الاقتصاديّ وعدم توفير فرص عمل كريمة للشباب العرب، المرتبط بسياسات سلب الأراضي، يسهمان بشكل مباشر في التهميش والإقصاء وفي تفكّك النسيج الاجتماعيّ، وهذا ما يجعل من النضال من أجل الأرض نضالا من أجل الأمن الشخصيّ أيضا، في ترابط عضويّ بين شقيّ المعادلة.
سيبقى يوم الأرض الخالد حدثًا مفصليًّا للفلسطينيين في الداخل، كونه أعاد تشكيل ذاكرتهم وهويتهم المرتبطتين بوطنهم، وتحول إلى ركيزة أساسية في توحيد صفوفهم حول قضية الأرض التي تشكّل جوهر الصراع والبقاء”.
موطني 48
توافق اليوم الاثنين، الثلاثون من آذار، الذكرى الـ50 ليوم الأرض، المناسبة التي أصبحت عيدا للأرض والدفاع عنها منذ عام 1976، إذ استُشهد في تلك الهبة 6 مواطنين، وجُرح 49 واعتُقل أكثر من 300 آخرين.
وتأتي هذه الذكرى، في أكثر المراحل دموية من تاريخ شعبنا، إذ يتعرض قطاع غزة لحرب إبادة جماعية منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وبهذه المناسبة، أصدرت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في البلاد إصدارا خاصا في الذكرى الخمسين ليوم الأرض.
تضمن الإصدار كلمة د. جمال زحالقة، رئيس لجنة المتابعة العليا:
“أهلنا الكرام، مضى نصف قرن على يوم الأرض الخالد 30 آذار 1976، يوم هبّت جماهير شعبنا دفاعا عن الأرض وللتصدي لمخططات المصادرة، التي لم تتوقّف منذ نكبة فلسطين. كانت تلك معركة عادلة بامتياز: أصحاب حقّ يذودون عن حقّهم ويحمونه من الذين يعتدون عليه ويريدون سلبه.
في الذكرى الخمسين ليوم الأرض نقف إجلالا وإكراما لشهدائنا الأبرار، وعهدٌ علينا أن نحفظ ذكراهم بالمضي في طريق النضال دفاعا عن الأرض، التي ضحّوا من أجلها، وعن حقّنا في العيش الحر الكريم فوق ترابها الغالي.
إنّنا نخوض معركة الأرض بعزّة وكبرياء أهل البلاد، وبعزيمة أصحاب الحقّ، وبقناعة راسخة أن هذه أرضنا وهذا وطننا ولا وطن لنا سواه.
يوحّد يوم الأرض الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده كافّة، وتأتي ذكراه الخمسون وشعبنا يتعرّض لعدوان إجرامي متواصل تجلّى بالإبادة الجماعية والتدمير الشامل في قطاع غزة، ومساع محمومة ومنفلتة لتهجيره عن وطنه. وإذ تمتد مشاريع الترحيل عن الأرض من غزة إلى الضفة ومن القدس إلى الداخل، فإنّ شعبنا يتمسك بالأرض وبروح يوم الأرض، روح الصمود والإصرار على البقاء ومواجهة التحديات مهما كانت الأثمان.
معركة الدفاع عن الأرض هي ذاتها معركة البقاء والكرامة. وفي قضية الأرض، نحن لا نواجه سياسة تمييز عنصري فحسب، بل أكثر من ذلك بكثير هي سياسة عداء سافر تتعامل فيه الدولة معنا كأعداء وتسعى لاحتلال أرضهم. ونحن متمسكون بأرضنا ونواصل الكفاح لحمايتها ونعتبر الدفاع عنها دفاعا عن أنفسنا وعن مستقبل بناتنا وأبنائنا.
عاش يوم الأرض الخالد!
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار!.
خلفية تاريخية
منذ قيامها، اتّبعت إسرائيل سياسةً ممنهجةً للاستيلاء على الأراضي العربيّة وسلبها من أصحابها لصالح المجتمع اليهوديّ. فبعد الاستيلاء على أراضي اللاجئين، شرعت في مصادرة ملايين الدونمات من أراضي الفلسطينيّين الذين بقوا داخل الخطّ الأخضر. وسنّت عشرات القوانين لمصادرة الأرض، واستعملتها لسلب مساحات واسعة من الأراضي في جميع البلدات العربيّة، واستولت على غالبيّة أراضي المواطنين العرب. وقد خلّفت هذه المصادرات جرحًا عميقًا في المجتمع العربيّ الفلسطينيّ في الداخل، وتراكُمًا للغضب الشعبيّ والجهوزيّة الكفاحية، وهو ما تجلّى في المشاركة الشعبيّة الواسعة في إضراب يوم الأرض وفي الحراك الذي مهّد له.
وبالتزامن مع الحراك الجماهيريّ ضد المصادرة عام 1976، قدّم متصرّف لواء الشّمال في وزارة الداخلية، يسرائيل كينيغ، توصيات فاشيّة لكسر المعنويات قبل يوم الأرض وبعده، وباتت هذه التوصيات تُعرف بـ”وثيقة كينيغ”. وشملت الوثيقة دعوةً لتكثيف مشاريع تهويد الجليل عبر مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات ونقل السكان اليهود لخلق أكثريّة يهوديّة في الجليل. وتضمّنت توصياتٍ بتشجيع الهجرة، ومحاصرة المدّ الوطنيّ للمواطنين العرب، والعمل على ضرب القيادات الشيوعية والقيادات التي أسماها قومية “متطرّفة”.
لجنة الدفاع عن الأراضي
أُقيمت لجنة الدفاع عن الأراضي للتصدّي لمخططات المصادرة التي أخذت بُعدًا تصعيديًّا خطيرًا. ففي 29.7.1975 عُقد اجتماع تشاوري في حيفا حضره عدد من المبادرين لحملة الاحتجاج على مصادرة الأراضي، وممثلون عن الحزب الشيوعي، ورؤساء وأعضاء سلطات محلية، وقيادات وطنية، ومحامون، وأطباء، ومثقفون، وأصحاب أراضٍ، وصحافيون، وتقرّر فيه إقامة “لجنة مبادرة للدفاع عن الأراضي”.
وتبعًا لقرارات اجتماع حيفا، عُقد في الناصرة يوم 15.8.1975 اجتماع شعبي موسّع انتخب لجنة تحضيرية مكوّنة من 40 شخصية، تأسست منها وعلى أساسها لجنة الدفاع عن الأراضي. واستنادًا إلى قرارات هذا الاجتماع، عُقد في الناصرة يوم 18.10.1975 مؤتمر شعبي كبير حضره الآلاف، وترأسه د. أنيس كردوش، وأقرّ المؤتمر “إعلان الإضراب العام.. إذا لم تتراجع الحكومة عن مخططات المصادرة وتهويد الأرض”. وفي 6.3.1976 أعلنت لجنة الدفاع عن الأراضي الإضراب العام في الثلاثين من آذار – يوم الأرض.
تشكلت لجنة الدفاع عن الأراضي العربية من ممثلين عن الحزب الشيوعي، وحركة أبناء البلد، وشخصيات وطنية، ورؤساء وأعضاء سلطات محلية، وممثلي هيئات ولجان شعبية، وترأسها القسّ شحادة شحادة. وضمّت سكرتاريتها، إضافةً إلى القس شحادة، كلًّا من: القيادي صليبا خميس، والمحامي حنا نقارة، والمحامي محمد ميعاري، والمحامي حبيب أبو حلو، ورؤساء السلطات المحلية: مسعد قسيس (معليا)، والحاج محمد مصطفى محاميد (أم الفحم)، وعبد الرحيم حاج يحيى (الطيبة)، ويوسف نسيب خير (البقيعة). والجدير بالذكر أن الدكتور أنيس كردوش كان عضوًا في سكرتارية اللجنة إلى أن وافته المنية.
الاستعدادات
لم يكن يوم الأرض وليد هبّة عفويّة فحسب، بل سبقته حالة من الاحتقان والجهوزية التنظيمية والشعبية. وقد أخذ التحضير ليوم الأرض زخمًا جديًّا بعد تكثيف مخططات التهويد والمصادرة في أواسط السبعينيات. ووُثّقت هذه الحالة في “الكتاب الأسود” الذي صدر عن لجنة الدفاع عن الأراضي في أيلول 1976.
في أعقاب الكشف عن خطّة حكومة إسرائيل ونيّتها بمصادرة أراضي “الملّ” (المعرّفة منطقة 9) تشكّـلت في البلدات المعنيّة، سخنين وعرّابة ودير حنّا وعرب السواعد وغيرها، لجان وهيئات شعبيّة للدفاع عن الأراضي. كما وتشكّلت لجنة الدفاع عن الأراضي تنظيما قطريّا جامعا، شارك في عضويّتها ممثّلون عن قطاعات وحركات مختلفة. والتفّت الجماهير حول هذه اللجان والتي بدأت تطالب بالإعلان عن إضراب عام وشامل لمواجهة خطّة المصادرة ومجمل سياسات الاضطهاد الحكومية.
وفي اجتماع موسّع للجنة الدفاع عن الأراضي عُقد في الناصرة يوم 6.3.1976، وبحضور العديد من رؤساء السلطات المحلية العربية، تقرّر الإضراب العام والشامل بتاريخ 30 آذار. وبعد هذا الإعلان، بُوشر العمل بشكل واسع لتنفيذ القرار.
وبالوقت نفسه، عملت السلطة بكلّ قوتها على إفشال الإضراب. وشملت هذه محاولاتها تفعيل ضغوط حكومية هائلة على رؤساء السلطات المحلية العربية، الذين اجتمعوا بتاريخ 25.3.1976 في بلدية شفاعمرو، وقدمت مجموعة منهم اقتراحًا بإلغاء الإضراب. وجوبه الاقتراح بمعارضة شديدة من عدد من الرؤساء، وأطلق رئيس بلدية الناصرة المرحوم توفيق زياد في الاجتماع هتافه الشهير: “الشعب قرر الإضراب”. وأكد الرؤساء الداعمون للإضراب على أن الرؤساء ليسوا مخوّلين بالقرار بشأن إضراب أعلنته لجنة الدفاع عن الأراضي.
واحتشدت جماهير غفيرة خارج قاعة الاجتماع في تظاهرة شعبية دعمًا للإضراب، واعتدت الشرطة على المحتشدين بالهراوات والغاز المسيل للدموع، واندلعت مواجهات عنيفة لعدة ساعات، وكانت تلك انطلاقة المواجهات التي تُوّجت في يوم الأرض.
وكان الرؤساء الذين دعموا الإضراب 11 رئيس سلطة محلية أو ممثلًا عنها، وهم: رئيس بلدية الناصرة توفيق زياد، ورئيس مجلس أم الفحم محمد مصطفى محاميد، ورئيس مجلس يافة الناصرة أسعد يوسف كنانة، ورئيس مجلس دبورية أحمد مصالحة، ورئيس مجلس سخنين جمال طربية، ورئيس مجلس الرامة حنا مويس، ورئيس مجلس عرابة محمود نعامنة، ورئيس مجلس طرعان يونس نصار، ورئيس مجلس كفر مندا محمد زيدان، ونائب رئيس مجلس الرينة حسن محمود خطبا، ونائب رئيس مجلس المغار أمين عساقلة.
وخلال الأيام التي تلت اجتماع الرؤساء في شفاعمرو، تصاعدت التحضيرات التنظيمية والتعبئة الجماهيرية للإضراب العام المقرّر في الثلاثين من آذار. وفي أجواء من الإصرار والحماس، شاركت في التجنيد لإنجاح الإضراب كوادر الحزب الشيوعي، وحركة أبناء البلد، واتحاد لجان الطلاب العرب، ولجنة الطلاب الثانويين، وأعضاء سابقون من حركة الأرض المحظورة، ورؤساء وأعضاء سلطات محلية، واللجان الشعبية المحلية، ولجنة المبادرة الدرزية، وهيئات جماهيرية، وأصحاب الأراضي، وأعداد غفيرة من النشطاء الذين جابوا البيوت، بيتا بيتا، للدعوة إلى الإضراب وعدم الخروج للعمل. وتجلّت في هذا العمل الجبّار الطاقات الهائلة للوحدة الوطنية الكفاحية التي صنعت يوم الأرض الخالد.
تفصيل الأحداث
في مساء التاسع والعشرين من آذار 1976، انطلقت أول مظاهرة في دير حنّا، أقام فيها المحتجّون المتاريس وأحرقوا الإطارات ورفعوا شعارات تندّد بالمصادرة وبسياسات القمع التي تمارسها دولة إسرائيل. وبعد قمع مظاهرة دير حنّا، انطلقت مظاهرة مسائية أخرى في بلدة عرّابة المجاورة، وتدخّلت قوات أكبر من الشرطة والجيش لقمعها مستخدمة الرصاص الحيّ إضافة إلى الغاز المسيل للدموع، فاستشهد الشاب خير ياسين من عرّابة في هذه المظاهرة، وكان أول شهيد في يوم الأرض.
ومع انطلاق فجر الثلاثين من آذار 1976، دخل الإضراب حيّز التنفيذ في جميع مرافق الحياة في المدن والقرى العربية في البلاد. وانتشر النشطاء مبكرًا في جميع أنحاء البلدات العربية للحث على إغلاق المحلات التجارية، وخروج الطلاب من المدارس، وإقناع العمال بعدم الخروج إلى العمل، وانطلقت عبر مكبّرات الصوت نداءات من المساجد للمشاركة في الإضراب. وكان هذا الإضراب هو الأول من نوعه، إذ امتد إلى جميع المناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون العرب في الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة)، وشمل إضرابًا عن العمل والتعليم وإغلاقًا للمحلات التجارية والمرافق الخدماتية. كما شاركت في الإضراب، بالتوازي، مدن فلسطينية في الضفة والقطاع، وشاركت به الحركة الأسيرة، حيث أعاد الأسرى وجبات الطعام التي قُدّمت لهم.
وتحرّكت في سخنين وعرّابة ودير حنّا سيارات شرطية وعسكرية محمّلة بمكبّرات صوت، داعية الأهالي إلى التزام بيوتهم وعدم الخروج منها، وكلّ من يفتح باب بيته أو نافذته يعرّض نفسه للخطر. وكان ذلك النداء بمثابة إعلان حظر تجوّل في البلدات الثلاث.
لكن حظر التجوّل لم يمنع الناس من التظاهر في الشوارع والساحات تعبيرًا عن غضبهم من سياسات الحكومة، والمطالبة بوقف خطة المصادرات وتحقيق العدالة الاجتماعية، وفي مقدمتها حفظ الحقوق التامة في الأرض والمسكن. إلا أنّ قوات الشرطة وحرس الحدود أطلقت النار على الأهالي العزّل، ونتيجة لذلك ارتقى ستة شهداء، وأُصيب 50 شخصًا بجروح وُصفت بعضُها بالخطيرة، واعتُقل نحو 300 شخص.
يوم وطني شامل
يُعدّ يوم الأرض محطّةً تاريخيّةً فارقة في مسيرة دفاع أصحاب الأرض عن أراضيهم، ويظلّ رمزًا نضاليًّا متجدّدًا في الذاكرة الفلسطينيّة، وقد بات يومًا كفاحيًّا تُرفع فيه جميع القضايا التي نواجهها ونناضل من أجلها. إذ كان يوم الإضراب العام الشامل، الأوّل بعد عام 1948، وحدثًا مفصليًّا في المسيرة النضاليّة لجماهير شعبنا في الداخل، كما شكّل ذروة الكفاح الذي تصاعد تدريجيًّا بعد النكبة. وكان لهذا اليوم المجيد أعظم الأثر في صياغة هويّتنا الوطنيّة كجزء لا يتجزّأ من الشعب العربي الفلسطيني.
ليس يوم الأرض مجرّد ذكرى تاريخيّة، بل يعكس واقعًا نضاليًّا مستمرًّا منذ نكبة شعبنا عام 1948، مرورًا بالمعركة ضد “الهويّات الحمراء”، وفضح مجزرة كفر قاسم وتخليد ذكراها، وبالمعارك ضد الحكم العسكري والقمع. وقد تواصلت المسيرة الكفاحية في هبّة أم السحالي، وهبّة الروحة، وهبّة القدس والأقصى، وهبّة الكرامة، وفي النضال دفاعًا عن أرضنا في النقب وضد مخطط “برافر”، وفي نضالات كثيرة ومتعدّدة لا تتوقّف ولن تتوقّف حتى تحصيل حقوقنا التامّة.
ولم تعد ذكراه السنوية تقتصر على المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، بل تحوّل إلى يوم وطنيّ شامل يحييه الفلسطينيون في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة والشتات، وذلك بقرار من المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ عام 1978، كما أصبح يومًا عربيًّا وعالميًّا للتضامن مع الشعب الفلسطيني. وقد أُطلقت تسمية “مثلث يوم الأرض” على البلدات الثلاث (سخنين، عرّابة، ودير حنّا) التي كانت بؤرة ذلك اليوم.
شهداء يوم الأرض
ارتقى في هذا اليوم ستّة شهداء دفاعًا عن الأرض، لتبقى ذكراهم خالدة في وجدان شعبنا. والشهداء هم:
خير ياسين: من عرّابة. في مساء التاسع والعشرين من آذار، عشية يوم الأرض، خرجت مسيرة احتجاجية في دير حنّا قمعتها قوات الشرطة بالقوة، وعلى إثرها انطلقت مظاهرة حاشدة في عرّابة، واعتدت عليها قوات أمنية بالأسلحة الناريّة، فأصيب الشهيد وفارق الحياة.
خديجة قاسم شواهنة: من سخنين. ابنة الثالثة والعشرين ربيعًا، كانت تحمي أخاها خالد، ابن التاسعة. خرج خالد صباحًا للعب في الحارة القريبة من البيت، فتبعته خديجة بطلب من أمّها لإعادته. فأُصيبت برصاصة قاتلة في ظهرها، أردتها شهيدة على بعد خمسين مترًا من بيتها.
خضر عبد محمود خلايلة: من سخنين. قام بمساعدة المعلّمة آمنة عمّار المصابة بعيار ناري من قبل الشرطة. وأثناء محاولته مع والده رفعها عن الأرض، أُصيب هو بعيار ناري في رأسه وآخر في كتفه، فاستشهد على الفور.
رجا حسين أبو ريا: من سخنين. كان يوم استشهاده في الثلاثين من عمره، متزوّجًا وله أربع بنات صغيرات. أُصيب بعيار ناريّ قرابة الساعة التاسعة صباحًا أثناء وقوفه عند مدخل بيته، وفارق الحياة.
محسن حسن سعيد طه: من كفر كنّا. اقتحمت قوات الشرطة البلدة وأطلقت النار في كلّ اتجاه، فأُصيب بعيار ناري وأُردي شهيدًا.
رأفت علي زهيري: من مخيم نور شمس في الضفّة الغربيّة المحتلّة، ومن عائلة هجّرت من قرية قنير في بلاد الروحة. كان يبلغ 21 عامًا يوم استشهاده. عمل في أحد المصانع في رمات غان، وكان يبيت في الطيبة. وخرج ظهيرة يوم الإضراب إلى الشارع العام في الطيبة، حيث كانت الشرطة تطلق النار وتعتدي على الأهالي، فأصابته رصاصة في رأسه وأردته شهيدًا.
الأبعاد السياسية والوطنية ليوم الأرض
يُعدّ يوم الأرض نقطة تحوّل مفصليّة في تاريخ الصمود الفلسطيني في الداخل؛ إذ لم يكن حدثا عاديا أو احتجاجا عابرا، بل إعلانًا عن فشل سياسات الاضطهاد والترهيب والاحتواء والصهر، الهادفة إلى خلق إنسان عربي مطيع وخانع، وجاء تأكيدًا على وحدة الأرض والهُويّة، محقّقًا ما يلي:
كسر حاجز الخوف: تحدّى المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، في يوم الأرض، تهديدات السلطة بالقمع وقطع الأرزاق، وخرجت الجماهير إلى الشوارع لتكسر حواجز الترويع التي دأبت السلطة على بنائها بعد النكبة. وقد أسهم ذلك في تصعيد النضال لرفض مخططات سلطوية عديدة، وفي إحباط بعضها أو الحدّ منها. كما شكّل كسر حاجز الخوف عاملًا مهمًّا في فتح الطريق أمام إقامة الحركات والأحزاب وتعزيز التعدّدية السياسية في مجتمعنا. وكان للصرخة المدوّية التي انطلقت في ذلك اليوم دور كبير في تراجع نسبة وحجم المصادرات في السنوات اللاحقة.
تعزيز مكانة القيادة الوطنية: عزّز يوم الأرض، وما تلاه من محطات نضالية، مكانة القيادات الوطنية التي تحدّت الزعامة التقليدية المنصاعة لإملاءات حزب العمل الحاكم. ولعبت هذه القيادة دورًا مهمًّا في تجذير وتقوية العمل الوطني لفلسطينيي الداخل، وفي تعزيز دور لجنة الدفاع عن الأراضي، ما أدى لاحقًا إلى إقامة لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية والعديد من الأطر التمثيلية الهامة
تعزيز الهوية الوطنية: عزّزت المشاركة الواسعة في النضال المشاعر الوطنية، وزادت الإحساس بالانتماء، وأسهمت في صقل الهُويّة الجمعيّة. وقد ترسّخ الوعي بأن القضية ليست شخصية فحسب ولا قضية بلدة بعينها، بل هي قضية جميع أفراد الشعب في الجليل والمثلث والنقب والمدن والقرى الساحلية. وكان يوم الأرض أول حدث وطني جامع يلتحم فيه الفلسطينيون في الداخل مع أبناء شعبهم في الضفة الغربية وغزة واللجوء والشتات. وقد أخرج هذا التلاحم فلسطينيي الداخل من دائرة العزل والحصار إلى صلب القضية الفلسطينية، كمحور رئيسي في الصراع على الأرض.
الذاكرة الجمعية: تحوّل يوم الأرض إلى شعلة ملهمة لذاكرة جمعيّة وحّدت الكلّ الفلسطيني. فهو مناسبة وطنية سنوية يحييها الفلسطينيون في أماكن وجودهم كافة، ويشكّل في ماهيّته مكوّنًا رئيسيًا يجمعهم حول قضية جوهرية ومصيرية، رغم اختلاف ساحات نضالهم.
فشل سياسات الترويض: أسهم يوم الأرض في إفشال سياسات ترويض وتهجين الفلسطيني، وفق المقاسات السياسية الإسرائيلية، الهادفة إلى تكويعه وتركيعه وجعله ينصهر ضمن مخططات تفكيك المجتمع والسيطرة عليه، وتسييره وفق مخططات أُعدّت ليكون “عربيًّا يتنكّر لفلسطينيته، وإسرائيليًّا بمواطنة منقوصة”.
● جدوى النضال: أدّت الهبّة الشعبية في يوم الأرض، والالتفاف حول الهيئات الشعبية والسياسية، ومنها لجنة الدفاع عن الأراضي، إلى عرقلة عمليات المصادرة وإجبار السلطات الإسرائيلية على وقف بعضها، ومن بينها “منطقة 9” في سخنين وعرّابة ودير حنّا وعرب السواعد، التي أصبحت لاحقًا منطقة عامرة بالمباني والمرافق. كما شكّلت هبّة أم السحالي عام 1997، والوقفة الشجاعة خلالها للمدافعين عن الحق في الأرض والمسكن، رادعا أمام مخططات الهدم وجعل السلطة تعيد حساباتها بعد ان كانت تنوي هدم مئات البيوت. وفي هبّة الروحة المجيدة عام 1998، تأكدت مجددا جدوى النضال فبعد أيام من المواجهات العنيفة، جرح خلالها ما يزيد عن 600 متظاهر، اضطرت السلطة إلى القبول بإجراء مفاوضات، أدت إلى استرجاع آلاف الدونمات في وادي عارة والروحة. كما تأكدت جدوى النضال مجددا حين قام الحراك الشبابي وجماهير غفيرة من شعبنا بالتصدي لمخطط الاقتلاع والمصادرة في النقب في سلسلة من المظاهرات والمواجهات تحت شعار “برافر لن يمر”، ما أرغم الحكومة على التراجع عن مشروعها. وهناك الكثير من الحالات، التي أجبر فيها النضال المثابر السلطة على التراجع عن مخططات المصادرة والهدم.
المصادرة واقع مستمر
في عام 2026، وبعد مرور نصف قرن على يوم الأرض ما زالت قضية الأرض تشكّل صراعًا وجوديّا ملموسًا في الحياة اليوميّة وفي وجدان شعبنا. وما تزال المعركة على الأرض والمسكن تمثّل جبهة المواجهة الأكثر احتدامًا مع السلطة. وتقوم السلطات الإسرائيلية بمساع محمومة لسلب الأراضي من أصحابها الشرعيين باستعمال القوانين الجائرة والأساليب التعسّفية، وتقوم بالاستحواذ عليها عبر أخطبوط مجالس إقليمية مثل مسجاف وماطيه آشير ومناشيه وغيرها وإقامة بلدات جديدة مثل “حاريش”، وكذلك للاستيلاء على ما تبقى من أراضي الأوقاف الإسلامية. وبعد مرور نصف قرن على يوم الأرض، ما زلنا نواجه تحديات كثيرة في ساحات الدفاع عن أراضينا.
ساحة النقب: أصبحت منطقة النقب، في السنوات الأخيرة، ساحة المواجهة الأكبر في قضية الأرض والمسكن. وقد صعّدت الحكومة الحالية عمليات الهدم، ودمّرت قرى بأكملها، وتواصل تنفيذ مشاريع المصادرة والاقتلاع والتهجير، مستهدفة قرى تدّعي أنها “غير معترف بها”، رغم أنها قائمة قبل قيام دولة إسرائيل. ويترافق ذلك مع مخططات غير مسبوقة لتهويد النقب وبناء مستوطنات حصرية لليهود.
أزمة السكن و”قانون كمينتس”: بدلا من توفير حلول لأزمة السكن المتفاقمة في المجتمع العربيّ، تلجأ سلطات التخطيط الإسرائيليّة إلى تضييق الخناق على البلدات العربيّة وتواصل حرمانها من خرائط هيكليّة ملائمة تلبي احتياجات التنمية الطبيعيّة والنمو السكاني المتزايد. ويتصاعد معدّل عمليات الهدم التعسّفية، في ظلّ تطبيق قانون كمينتس، وتبعا لمخططات تستهدف محاصرة الوجود العربيّ الفلسطينيّ وتقييد توسّعه.
معاناة المدن الساحلية: تشهد معاناة متصاعدة للفلسطينيين فيها، من خلال تهجير صامت يتم تحت غطاء مشاريع “التحسين الحضري”، إلى جانب حرمانهم من مشاريع إسكان تتناسب مع احتياجاتهم، واستمرار سياسة هدم المنازل بحجّة البناء غير المرخّص.
مهجّرو الداخل: تحتفظ قضية العودة إلى القرى المهجرّة (إقرث، كفر برعم، الغابسية، البروة، صفوريّة، معلول، لوبيا، اللجون وغيرها الكثير) بوهجها في وجدان الأجيال المتعاقبة من فلسطينيي الداخل، حتّى الجيل الرابع والخامس بعد النكبة، وتقوم لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين بدور مهم في قيادة النضال من اجل حق العودة، وتشكّل المشاركة الواسعة في مسيرات العودة السنويّة، التي تدعو إليها اللجنة بالاشتراك مع لجنة المتابعة، تجسيدا حيّا للتمسّك الثابت بالحق في الأرض وبالعودة إليها.
مصادرة بحجة المشاريع القطرية: تتوالى المحاولات لمصادرة ما تبقّى لنا من أراض عربيّة بحجّة تنفيذ مشاريع تطوير قطريّة، مثل خطّ الغاز والشوارع وسكك الحديد، رغم إمكانيّة تنفيذ هذه المشاريع فوق الأراضي المسمّاة “أراضي دولة”. ومن ذلك مثلًا، مشروع مصادرة أراض من الجديدة المكر ويركا وطمرة وشفاعمرو وعبلين وجولس وكفر ياسيف وأبو سنان ودنون، بحجّة شقّ القسم الشمالي من شارع “عابر إسرائيل”. وكذلك مشروع مصادرة آلاف الدونمات من أراضي الطيبة، وقلنسوة، والطيرة لصالح شقّ شارع ومدّ سكّة حديد.
العلاقة بين العنف والجريمة وقضايا الأرض: برز في السنوات الأخيرة وعيٌّ شعبيّ متزايد يربط بين تضييق الخناق في قضيتي الأرض والمسكن وبين تفشّي الجريمة. فحرمان الشباب من فرص السكن، وضيق الأفق الاقتصاديّ وعدم توفير فرص عمل كريمة للشباب العرب، المرتبط بسياسات سلب الأراضي، يسهمان بشكل مباشر في التهميش والإقصاء وفي تفكّك النسيج الاجتماعيّ، وهذا ما يجعل من النضال من أجل الأرض نضالا من أجل الأمن الشخصيّ أيضا، في ترابط عضويّ بين شقيّ المعادلة.
سيبقى يوم الأرض الخالد حدثًا مفصليًّا للفلسطينيين في الداخل، كونه أعاد تشكيل ذاكرتهم وهويتهم المرتبطتين بوطنهم، وتحول إلى ركيزة أساسية في توحيد صفوفهم حول قضية الأرض التي تشكّل جوهر الصراع والبقاء”.