بين التضامن الحقيقي والتضامن الشكلي

  • الأحد 20, سبتمبر 2026 11:22 ص
  • بين التضامن الحقيقي والتضامن الشكلي
في أوقات الأزمات، تكثر الكلمات. إذ تنتشر عبارات التعاطف، وتُرفع الشعارات، وتُكتب الرسائل، ويعبّر الناس عن تضامنهم بطرق مختلفة.
بين التضامن الحقيقي والتضامن الشكلي
د. بلسم الجديلي
في أوقات الأزمات، تكثر الكلمات. إذ تنتشر عبارات التعاطف، وتُرفع الشعارات، وتُكتب الرسائل، ويعبّر الناس عن تضامنهم بطرق مختلفة.
وهذا أمر إنساني ومهم. فالإنسان حين يرى ألم الآخرين يشعر بالحاجة إلى أن يقول: "نحن معكم."
لكن السؤال الأعمق هو: هل كل تضامن يُحدث أثرًا، أم أن بعض أشكال التضامن تبقى مجرد مشاعر عابرة لا تغيّر شيئًا؟
التضامن حاجة إنسانية قبل أن يكون موقفًا
الإنسان في الأزمات لا يحتاج فقط إلى المساعدة المادية، بل يحتاج أيضًا إلى الشعور بأنه ليس منسيًا.
كلمة طيبة، اتصال للاطمئنان، رسالة اهتمام، أو حضور صادق..
كلها تحمل معنى نفسيًا مهمًا: "هناك من يراني، وهناك من يشعر بي."
وهذا الشعور قد يكون عامل حماية نفسيًا في أوقات الانهيار.
لكن التضامن ليس مجرد إعلان موقف
المشكلة تبدأ عندما يتحول التضامن إلى صورة فقط. حين يصبح الهدف أن نُظهر أننا متعاطفون، لا أن نخفف من معاناة من نتعاطف معهم.
قد نكتب عن الألم كثيرًا،
ونتحدث عنه باستمرار،
لكننا لا نسأل السؤال الأصعب: ماذا يحتاج هذا الإنسان فعلًا؟
فليس كل ما يريح ضمير المتضامن يخفف ألم المتألم.
التضامن الشكلي: حين يصبح الألم مادة للاستهلاك
أحيانًا تتحول معاناة الناس إلى أخبار وصور ومشاهد متداولة.
يتأثر الناس للحظة، يحزنون، ثم ينتقلون إلى حياتهم اليومية وكأن شيئًا لم يحدث.
المشكلة ليست في التأثر، بل في أن يبقى التأثر بلا مسؤولية.
فالتعاطف الذي لا يقود إلى فهم أو فعل قد يتحول مع الوقت إلى مجرد عادة عاطفية.
التضامن الحقيقي يبدأ من الإصغاء

أولى درجات التضامن ليست الكلام، بل الاستماع. أن نفهم قبل أن نحكم. أن نسأل قبل أن نفترض. أن نعرف احتياجات الناس قبل أن نقدم ما نراه مناسبًا.
فأحيانًا يحتاج الإنسان إلى أن يُسمع، لا أن يُشرح له ألمه.
في غزة: التضامن ليس فقط أن تتألم معنا
*أهل غزة لا يحتاجون فقط إلى من يحزن لأجلهم.الحزن وحده لا يعيد بيتًا، ولا يداوي جرحًا، ولا يعيد مفقودًا.*
التضامن الحقيقي هو أن يتحول التعاطف إلى: معرفة أعمق بالواقع. دعم حقيقي. حماية للإنسان وكرامته. رفض لتحويل معاناته إلى مجرد قصة عابرة.
لكن التضامن ليس محصورًا في المساعدة الكبيرة.
أحيانًا نعتقد أن التضامن يحتاج إلى إمكانات ضخمة. لكن كثيرًا من أشكاله تبدأ بأفعال صغيرة:
أن تحفظ كرامة شخص محتاج.
أن لا تنقل صورة إنسان مكسور دون احترام. أن تسأل شخصًا متعبًا: "كيف حالك؟" وتنتظر الإجابة فعلًا.
أن تساعد بما تستطيع بدل انتظار القدرة على فعل كل شيء.
التضامن مع النفس أيضًا
هناك جانب آخر مهم. في الأزمات الطويلة، قد ينسى الإنسان نفسه وهو يحاول دعم الآخرين.

لكن التضامن الحقيقي يشمل أيضًا الاعتناء بالذات. فالشخص المنهك لا يستطيع الاستمرار في العطاء.

ولهذا فإن السؤال: "كيف أساعد الآخرين؟" يجب أن يرافقه سؤال آخر: "كيف أحافظ على قدرتي على المساعدة؟"
الخاتمة:
التضامن الحقيقي ليس صوتًا أعلى، ولا كلمات أكثر، ولا حضورًا مؤقتًا عند اشتداد الأزمة.
التضامن الحقيقي هو علاقة إنسان بإنسان. أن ترى الألم دون أن تستغله، أن تشعر بالمعاناة دون أن تختزل صاحبها فيها،
أن تقدم ما تستطيع دون انتظار مقابل.
ففي النهاية:
التضامن الشكلي يقول: "نحن نشعر بكم."
أما التضامن الحقيقي فيقول:
"نحن معكم.. وسنحاول أن نخفف عنكم ما نستطيع."