نافذة على القدس
انتصار الخشت
ليست القدس مدينةً تُرى من نافذة، بل هي نافذةٌ واسعةٌ نطلُّ منها على التاريخ، فنرى ما لا تراه العين، ونسمع ما لا تقوله الحجارة.
كلما مرَّ اسم القدس في القلب، انفتح فيه بابٌ قديم، كأن الذاكرة تعرف الطريق إليها قبل أن تعرفه الخطوات. هناك، حيث تتكئ القباب على كتف السماء، وتنام الأزقة في حضن الحكايات، يصبح الحجر أكثر من حجر، ويغدو الصمت لغةً تحفظ أسماء الذين مرّوا من هنا، وتركوا على الجدران شيئًا من أرواحهم.
في القدس، لا تبدو الشمس عابرةً في السماء؛ كأنها تستأذن القباب قبل أن تنثر ذهبها على المآذن والأسوار. والزيتونة لا تقف شجرةً وحسب، بل تشبه امرأةً فلسطينيةً عجوزًا، تحمل في جذورها ذاكرة الأرض، وفي أغصانها صبر السنين.
أطلُّ من نافذة الخيال، فلا أرى مدينةً محاصرةً فحسب، بل أرى قلبًا عربيًّا يرفض أن ينسى. أرى طفلًا يحمل مفتاحًا أكبر من كفّه، وامرأةً ترتّب شالها وتمضي، ورجلًا يمرُّ بجوار جدارٍ يعرفه أكثر مما يعرف ملامح وجهه.
هناك أشياء لا تستطيع الخرائط أن تختصرها؛ فالقدس ليست خطوطًا على ورق، ولا عنوانًا في كتاب، ولا صورةً معلّقةً على جدار. إنها معنى يسكن الوجدان، وكلما حاول الزمن أن يطوي صفحتها، أعاد القلب فتحها.
ولأن للأماكن أرواحًا، فإن القدس تبدو كأنها روحٌ تسكن بيننا؛ حين نذكرها يضيء شيءٌ خفيٌّ في الداخل، وحين نغيب عنها تظلُّ هي حاضرةً فينا.
قد تختلف الطرق، وتتبدّل الوجوه، وتتّسع المسافات، لكن بعض المدن لا تحتاج إلى أن نسافر إليها كي نصل. يكفي أن نغمض أعيننا، فنجد أبوابها مفتوحةً في الذاكرة.
لهذا أحبُّ أن أترك في جدار قلبي نافذةً لا تُغلق؛ نافذةً تطلُّ على القدس، وعلى غدٍ لا يشبه الأمس.
فالأمل، وإن بدا صغيرًا أمام اتساع الألم، قادرٌ على أن يكون بذرةً تشقُّ طريقها بين الصخور. وسيأتي يومٌ لا يكون فيه في القدس طفلٌ يعرف الخوف قبل أن يعرف الفرح، ولا أمٌّ تخفي دمعتها خلف ابتسامة، ولا بيتٌ ينتظر غائبًا لا يعود.
سيأتي يومٌ تُفتح فيه الأبواب بدل الحواجز، وتعلو أصوات الحياة فوق كل صوت، وتعود شوارع القدس لتحتضن خطى أهلها آمنةً مطمئنّةً.
وحينها، ستشرق الشمس على القباب كأنها لم تغب يومًا، وستزهر شجرة الزيتون من جديد؛ لا لأن الحزن انتهى من الذاكرة، بل لأن الإنسان تعلّم أن يحوّل ألمه إلى قوة، وذكرياته إلى وعد، وانتظاره إلى أمل.
وسأظلُّ أطلُّ من نافذتي…
لا لأرى القدس كما هي فقط، بل كما أتمنى أن تكون:
مدينةً حرّةً، آمنةً، عامرةً بالحياة، ينام أطفالها على صوت السلام، ويستيقظون على اتساع الحلم.
فما دام في القلب نبض، وفي السماء فجر، وفي الذاكرة مكانٌ اسمه القدس…
فإن للأمل نافذةً لا تُغلق، وللغد موعدًا لا بدَّ أن يأتي.
كاتبة مصرية/ سلطة عُمان
انتصار الخشت
ليست القدس مدينةً تُرى من نافذة، بل هي نافذةٌ واسعةٌ نطلُّ منها على التاريخ، فنرى ما لا تراه العين، ونسمع ما لا تقوله الحجارة.
كلما مرَّ اسم القدس في القلب، انفتح فيه بابٌ قديم، كأن الذاكرة تعرف الطريق إليها قبل أن تعرفه الخطوات. هناك، حيث تتكئ القباب على كتف السماء، وتنام الأزقة في حضن الحكايات، يصبح الحجر أكثر من حجر، ويغدو الصمت لغةً تحفظ أسماء الذين مرّوا من هنا، وتركوا على الجدران شيئًا من أرواحهم.
في القدس، لا تبدو الشمس عابرةً في السماء؛ كأنها تستأذن القباب قبل أن تنثر ذهبها على المآذن والأسوار. والزيتونة لا تقف شجرةً وحسب، بل تشبه امرأةً فلسطينيةً عجوزًا، تحمل في جذورها ذاكرة الأرض، وفي أغصانها صبر السنين.
أطلُّ من نافذة الخيال، فلا أرى مدينةً محاصرةً فحسب، بل أرى قلبًا عربيًّا يرفض أن ينسى. أرى طفلًا يحمل مفتاحًا أكبر من كفّه، وامرأةً ترتّب شالها وتمضي، ورجلًا يمرُّ بجوار جدارٍ يعرفه أكثر مما يعرف ملامح وجهه.
هناك أشياء لا تستطيع الخرائط أن تختصرها؛ فالقدس ليست خطوطًا على ورق، ولا عنوانًا في كتاب، ولا صورةً معلّقةً على جدار. إنها معنى يسكن الوجدان، وكلما حاول الزمن أن يطوي صفحتها، أعاد القلب فتحها.
ولأن للأماكن أرواحًا، فإن القدس تبدو كأنها روحٌ تسكن بيننا؛ حين نذكرها يضيء شيءٌ خفيٌّ في الداخل، وحين نغيب عنها تظلُّ هي حاضرةً فينا.
قد تختلف الطرق، وتتبدّل الوجوه، وتتّسع المسافات، لكن بعض المدن لا تحتاج إلى أن نسافر إليها كي نصل. يكفي أن نغمض أعيننا، فنجد أبوابها مفتوحةً في الذاكرة.
لهذا أحبُّ أن أترك في جدار قلبي نافذةً لا تُغلق؛ نافذةً تطلُّ على القدس، وعلى غدٍ لا يشبه الأمس.
فالأمل، وإن بدا صغيرًا أمام اتساع الألم، قادرٌ على أن يكون بذرةً تشقُّ طريقها بين الصخور. وسيأتي يومٌ لا يكون فيه في القدس طفلٌ يعرف الخوف قبل أن يعرف الفرح، ولا أمٌّ تخفي دمعتها خلف ابتسامة، ولا بيتٌ ينتظر غائبًا لا يعود.
سيأتي يومٌ تُفتح فيه الأبواب بدل الحواجز، وتعلو أصوات الحياة فوق كل صوت، وتعود شوارع القدس لتحتضن خطى أهلها آمنةً مطمئنّةً.
وحينها، ستشرق الشمس على القباب كأنها لم تغب يومًا، وستزهر شجرة الزيتون من جديد؛ لا لأن الحزن انتهى من الذاكرة، بل لأن الإنسان تعلّم أن يحوّل ألمه إلى قوة، وذكرياته إلى وعد، وانتظاره إلى أمل.
وسأظلُّ أطلُّ من نافذتي…
لا لأرى القدس كما هي فقط، بل كما أتمنى أن تكون:
مدينةً حرّةً، آمنةً، عامرةً بالحياة، ينام أطفالها على صوت السلام، ويستيقظون على اتساع الحلم.
فما دام في القلب نبض، وفي السماء فجر، وفي الذاكرة مكانٌ اسمه القدس…
فإن للأمل نافذةً لا تُغلق، وللغد موعدًا لا بدَّ أن يأتي.
كاتبة مصرية/ سلطة عُمان