غزة... حين يصبح الموت رحمة والحياة معجزة
بقلم: د. ضرار أبو سيسي
واقع لا تحتمله الكلمات
في غزة، لم تعد الأخبار تروى. صارت تنتزع من بين الأنقاض. تسحب من تحت الركام بأظافر نازفة، وقلوب مثقلة، وأصوات تخفت شيئًا فشيئا... حتى يصمت كل شيء، إلا وجع لا يموت.
اليوم، انهارت بناية مقصوفة، متهالكة، كانت تحتضن قرابة مئة إنسان. مئة روح، مئة حكاية، مئة حلم صغير كان ينام كل ليلة على وسادة من خوف ورجاء. انهارت فوق رؤوسهم. أكثر من أربعة عشر شهيدا حتى الآن... والعدد ليس رقما. العدد أبواب تطرق فلا يجاب. أصوات تنادى فلا تعود. عائلات كاملة محيت من سجل الحياة في لحظة واحدة. وتحت الركام، ما زال هناك من ينتظر... أنفاس أخيرة تقاوم، أو أجساد صامتة تنتظر أن تنتشل لعلها تجد كرامة الدفن.
لم يكف غزة أن تقصف، وأن تجوع، وأن تترك جرحا مفتوحا في جسد العالم. لم يكف أن يموت الناس في الشوارع، لا في المستشفيات. لم يكف أن تستهدف البيوت فوق ساكنيها، والمدارس فوق تلاميذها، والمستشفيات فوق مرضها. اليوم، ينهار ما تبقى من جدران... وينهار معه ما تبقى من قدرة على الاحتمال.
في غزة، تغيرت المعادلة. أصبح الناس يقولون جملة تهز الروح: "النجاة من الموت في غزة... هي النجاة من الحياة."
نعم. وصل الناس إلى حد يخافون فيه من النجاة. لأن النجاة تعني أن تفتح عينيك على مشهد لا يحتمل. أن تبحث عن أهلك فلا تجدهم. أن تقف على أنقاض بيتك، وتبحث عن قطعة قماش تعرفها، أو صورة، أو لعبة طفل... فلا تجد سوى الغبار. النجاة تعني أن تعيش، لكنك ميت من الداخل. أن تتنفس، لكن الهواء ثقيل برائحة الموت. أن تمشي، لكن خطواتك تبحث عن قبر لم يحفر بعد.
هذه ليست حياة. هذه مساحة انتظار طويلة... بين موت سبقك، وموتٍ يلاحقك.
ومع ذلك... مع كل هذا الظلام، هناك ضوء لا ينطفئ. هناك إيمان لا يهزم. هناك قلوب في غزة ما زالت ترفع يديها إلى السماء وتقول: "يا الله... لك الحمد على كل حال."
غزة لا تفقد الله. غزة تتشبث به. غزة تعرف أن الأرض قد تخون، والجدران قد تنهار، والعباد قد تتخلى... لكن الله لا يترك عباده. الله يرى. الله يسمع. الله يحصي. ولو طال الليل، فإن الفجر قادم. ولو اشتد الظلم، فإن العدل ميزان لا يسقط.
في غزة، الناس لا يموتون يأسا. يموتون وهم يرددون: "إنا لله وإنا إليه راجعون." يموتون وهم يوصون من بقي: "لا تتركوا الصلاة. لا تتركوا الدعاء. لا تفقدوا الأمل في الله."
هذا ليس استسلاما. هذه قوة. هذه أعظم مقاومة. أن تحاصر بالموت من كل جهة، ومع ذلك تبقى واقفا... لا لأنك قوي، بل لأن الله معك.
غزة تذبح كل يوم. لكن غزة لا تهزم. لأن الهزيمة الحقيقية هي أن تفقد الإيمان. وغزة... ما زالت تؤمن. ما زالت تصلي. ما زالت تدعو. ما زالت تقول: "حسبنا الله ونعم الوكيل."
اللهم كن لأهلنا في غزة. اللهم ارحم شهداءهم. اللهم اشف جرحاهم. اللهم فك أسراهم. اللهم أطعم جائعهم. اللهم اكفهم شر ما هم فيه. اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا. اللهم لا تكلهم إلى أنفسهم طرفة عين. اللهم إنا نستودعك غزة وأهلها. اللهم احفظهم بحفظك، وكن لهم ناصرا ومعينا.
غزة... يا وجع القلب... يا أرض الرباط... يا منارة الصبر... الله معك. والله لا يضيع أجر الصابرين.
"ولا تحسبن اللَّهَ غافلا عما يعمل الظالمون إِنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأَبصار"
بقلم: د. ضرار أبو سيسي
واقع لا تحتمله الكلمات
في غزة، لم تعد الأخبار تروى. صارت تنتزع من بين الأنقاض. تسحب من تحت الركام بأظافر نازفة، وقلوب مثقلة، وأصوات تخفت شيئًا فشيئا... حتى يصمت كل شيء، إلا وجع لا يموت.
اليوم، انهارت بناية مقصوفة، متهالكة، كانت تحتضن قرابة مئة إنسان. مئة روح، مئة حكاية، مئة حلم صغير كان ينام كل ليلة على وسادة من خوف ورجاء. انهارت فوق رؤوسهم. أكثر من أربعة عشر شهيدا حتى الآن... والعدد ليس رقما. العدد أبواب تطرق فلا يجاب. أصوات تنادى فلا تعود. عائلات كاملة محيت من سجل الحياة في لحظة واحدة. وتحت الركام، ما زال هناك من ينتظر... أنفاس أخيرة تقاوم، أو أجساد صامتة تنتظر أن تنتشل لعلها تجد كرامة الدفن.
لم يكف غزة أن تقصف، وأن تجوع، وأن تترك جرحا مفتوحا في جسد العالم. لم يكف أن يموت الناس في الشوارع، لا في المستشفيات. لم يكف أن تستهدف البيوت فوق ساكنيها، والمدارس فوق تلاميذها، والمستشفيات فوق مرضها. اليوم، ينهار ما تبقى من جدران... وينهار معه ما تبقى من قدرة على الاحتمال.
في غزة، تغيرت المعادلة. أصبح الناس يقولون جملة تهز الروح: "النجاة من الموت في غزة... هي النجاة من الحياة."
نعم. وصل الناس إلى حد يخافون فيه من النجاة. لأن النجاة تعني أن تفتح عينيك على مشهد لا يحتمل. أن تبحث عن أهلك فلا تجدهم. أن تقف على أنقاض بيتك، وتبحث عن قطعة قماش تعرفها، أو صورة، أو لعبة طفل... فلا تجد سوى الغبار. النجاة تعني أن تعيش، لكنك ميت من الداخل. أن تتنفس، لكن الهواء ثقيل برائحة الموت. أن تمشي، لكن خطواتك تبحث عن قبر لم يحفر بعد.
هذه ليست حياة. هذه مساحة انتظار طويلة... بين موت سبقك، وموتٍ يلاحقك.
ومع ذلك... مع كل هذا الظلام، هناك ضوء لا ينطفئ. هناك إيمان لا يهزم. هناك قلوب في غزة ما زالت ترفع يديها إلى السماء وتقول: "يا الله... لك الحمد على كل حال."
غزة لا تفقد الله. غزة تتشبث به. غزة تعرف أن الأرض قد تخون، والجدران قد تنهار، والعباد قد تتخلى... لكن الله لا يترك عباده. الله يرى. الله يسمع. الله يحصي. ولو طال الليل، فإن الفجر قادم. ولو اشتد الظلم، فإن العدل ميزان لا يسقط.
في غزة، الناس لا يموتون يأسا. يموتون وهم يرددون: "إنا لله وإنا إليه راجعون." يموتون وهم يوصون من بقي: "لا تتركوا الصلاة. لا تتركوا الدعاء. لا تفقدوا الأمل في الله."
هذا ليس استسلاما. هذه قوة. هذه أعظم مقاومة. أن تحاصر بالموت من كل جهة، ومع ذلك تبقى واقفا... لا لأنك قوي، بل لأن الله معك.
غزة تذبح كل يوم. لكن غزة لا تهزم. لأن الهزيمة الحقيقية هي أن تفقد الإيمان. وغزة... ما زالت تؤمن. ما زالت تصلي. ما زالت تدعو. ما زالت تقول: "حسبنا الله ونعم الوكيل."
اللهم كن لأهلنا في غزة. اللهم ارحم شهداءهم. اللهم اشف جرحاهم. اللهم فك أسراهم. اللهم أطعم جائعهم. اللهم اكفهم شر ما هم فيه. اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا. اللهم لا تكلهم إلى أنفسهم طرفة عين. اللهم إنا نستودعك غزة وأهلها. اللهم احفظهم بحفظك، وكن لهم ناصرا ومعينا.
غزة... يا وجع القلب... يا أرض الرباط... يا منارة الصبر... الله معك. والله لا يضيع أجر الصابرين.
"ولا تحسبن اللَّهَ غافلا عما يعمل الظالمون إِنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأَبصار"