إسرائيل ومعركة الرأي العام الأمريكي.. المليارات لا تشتري المصداقية
ألطاف موتي
إسرائيل ومعركة الرأي العام الأمريكي.. المليارات لا تشتري المصداقية
افتتحت إسرائيل جبهة جديدة في صراعها طويل الأمد على الشرعية الدولية: وهي الفضاء المعلوماتي الأمريكي. إن حجم هذا الجهد لافت للنظر. ففي يوليو/تموز 2026، أقر الكنيست الإسرائيلي أن الحكومة خصصت نحو 1.2 مليار شيكل (نحو 324 مليون دولار) لجهود الاتصالات والدبلوماسية العامة.
وأشارت اتفاقية ميزانية منفصلة لعام 2026 تم الإبلاغ عنها في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى أن الرقم المخصص لحملات المناصرة بلغ 2.35 مليار شيكل (نحو 635 مليون دولار). ولا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام على أنها ميزانيات متطابقة، لكنها تُظهر معا مدى التوسع الهائل في الإنفاق الإسرائيلي على ما يُطلق عليه “الهاسبرا” (Hasbara)، أو الدبلوماسية العامة.
غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بما إذا كان بإمكان إسرائيل الإنفاق بما يكفي للتأثير على الأمريكيين، بل يتعلق بما إذا كانت الأموال قادرة على تعويض الفجوة المتسعة في المصداقية بين الرواية الإسرائيلية وما يراه الأمريكيون يحدث في قطاع غزة والمنطقة الأوسع.
وتشير الأدلة إلى إجابة صعبة: فالأموال قادرة على تضخيم السردية، لكنها لا تستطيع بسهولة إصلاح الظروف السياسية التي تجعل تلك السردية غير مقنعة.
من الدبلوماسية العامة إلى البنية التحتية للتأثير
لم تعد حملة إسرائيل تقتصر على بيانات السفارات، والمقابلات التلفزيونية، والعلاقات العامة التقليدية. فقد وصف المسؤولون الإسرائيليون الدبلوماسية العامة بأنها جبهة إستراتيجية، بينما وسعت الوكالات الحكومية استخدامها للمؤثرين، ووسائل التواصل الاجتماعي، وعمليات الإعلام الخارجي.
ففي مارس/آذار 2025، تلقت وزارة الخارجية الإسرائيلية مبلغا غير مسبوق بلغ 545 مليون شيكل (نحو 147 مليون دولار) مخصصا للحملات الدولية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من أنشطة الدبلوماسية العامة. وقد دخل هذا الجهد أيضا إلى النظام البيئي الرقمي الأمريكي شديد التنافسية.
تُظهر المستندات المقدمة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة أن إسرائيل عملت من خلال شركات علاقات عامة ورقمية مقرها الولايات المتحدة. على سبيل المثال، تضمنت إحدى العقود مع شركة “كلوك تاور إكس” (Clock Tower X) حملة على مستوى الدولة تهدف إلى مكافحة معاداة السامية والوصول إلى الأمريكيين الأصغر سنا عبر المنصات الرقمية. وناقشت المستندات أيضا الذكاء الاصطناعي وتوزيع المحتوى عبر الإنترنت.
وهذا التطور مهم؛ لأن ساحة المعركة تتغير؛ فالحكومات لم تعد تتنافس فقط على نشر القصص في الصحف، بل تتنافس على تشكيل البيئة المعلوماتية التي يواجه فيها المواطنون، والمؤثرون، وحتى أنظمة الذكاء الاصطناعي الادعاءات السياسية. لكن الوصول لا يساوي الإقناع.
مشكلة المصداقية التي لا تستطيع الأموال حلها
إن أقوى دليل على مواجهة إسرائيل مشكلة هيكلية يأتي من استطلاعات الرأي الأمريكية.
فقد وجد استطلاع أجراه مركز “بيو للأبحاث” في يوليو/تموز 2026 أن 32% فقط من الأمريكيين لديهم نظرة إيجابية تجاه الحكومة الإسرائيلية، بينما نظر إليها 62% نظرة سلبية. كما تدهورت النظرة إلى الإسرائيليين أنفسهم: حيث ظلت نسبة 52% إيجابية، في حين بلغت النسبة السلبية 42%. وفي الوقت نفسه، نظر 50% من الأمريكيين نظرة إيجابية إلى الفلسطينيين.
والفجوة الجيلية أكثر أهمية بكثير؛ فبين الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما، أعرب 32% فقط عن نظرة إيجابية للإسرائيليين، مقارنة بـ58% تجاه الفلسطينيين. وبين الديمقراطيين الشباب، كانت الفجوة 26% مقابل 72%. ولا يُعد هذا مجرد فشل دعائي، بل يشير إلى تغيير في الافتراضات الأساسية للجمهور.
يمكن لإسرائيل أن تشرح مخاوفها الأمنية، ويمكنها تسليط الضوء على هجمات حماس والتهديد المستمر الذي تشكله الجماعات المسلحة. ولا تزال هذه الحجج مؤثرة، لا سيما بين الجمهوريين والأمريكيين الأكبر سنا. ففي عام 2026، ظلت نسبة 65% من الجمهوريين تنظر إلى الإسرائيليين نظرة إيجابية، بينما نظر 51% منهم بإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية.
ولذلك، فإن منتقدي تفسير فشل “الهاسبرا” لديهم وجهة نظر وجيهة: فإسرائيل لم تفقد الرأي العام الأمريكي ككل، إذ لا يزال دعمها كبيرا، وتحالفاتها السياسية في واشنطن قوية.
لكن هذا لا يبطل التحول الأكبر، بل يجعل هذا التحول أكثر تأثيرا وخطورة. الخطر الحقيقي لا يكمن في خسارة الجميع؛ إذ لا تحتاج إسرائيل إلى خسارة كل ناخب أمريكي لكي تصبح مشكلة تأثيرها ذات أهمية إستراتيجية.
إن التغيير الأكثر أهمية هو تآكل الدعم التلقائي بين المجموعات التي ستشكل الجيل القادم من السياسة الأمريكية. فقد أفادت مؤسسة “غالوب” في فبراير/شباط 2026 بأن 41% من الأمريكيين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، مقارنة بـ36% يتعاطفون مع الإسرائيليين. وبذلك اختفت الميزة الإسرائيلية التي استمرت لعقود.
وهذا التغيير يمكن أن يؤثر تدريجيا في الكونغرس، والجامعات، والمؤسسات الإعلامية، وشركات التكنولوجيا، ومناقشات السياسة الخارجية.
وهنا تظهر حدود حملة التأثير المكلفة؛ فالإقناع السياسي يعمل بشكل أفضل عندما يكون الجمهور غير متأكد من الحقائق، ولكنه يعمل بشكل أقل فاعلية عندما يعتقد الجمهور أنه قادر على مراقبة عواقب السياسة بشكل مباشر.
فبالنسبة للعديد من الأمريكيين الشباب، لم تعد غزة مسألة سياسة خارجية مجردة، بل يتم اختبارها من خلال مقاطع الفيديو، صور الأقمار الصناعية، التقارير الإنسانية، وسائل التواصل الاجتماعي، والمناقشات بين الأقران. وبالتالي، فإن حملة حكومية منتجة بعناية تتنافس مع تدفق مستمر من الأدلة التي يتم إنتاجها بشكل مستقل.
مفارقة الإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة
هنا مفارقة مهمة: فكلما تعاملت إسرائيل مع الرأي العام باعتباره ساحة معركة أخرى، خاطرت بتعزيز التصور القائل بأنها تحاول إدارة السردية بدلا من تغيير الواقع الكامن وراءها.
هذا لا يعني أن كل اتصال إسرائيلي هو دعاية، ولا أن انتقاد إسرائيل دقيق تلقائيا. فما زالت حماس تحظى بعدم شعبية عميقة في الولايات المتحدة، حيث أعرب 84% من الأمريكيين عن نظرة سلبية تجاه حماس في استطلاع “بيو” لعام 2026.
لذا، فإن المشكلة لا تكمن في أن الأمريكيين استبدلوا ببساطة رواية حزبية بأخرى، بل إن العديد من الأمريكيين أصبحوا قادرين بشكل متزايد على فصل رفضهم حماس عن تقييمهم لسلوك الحكومة الإسرائيلية. وهذا التمييز قد يصبح حاسما من الناحية الإستراتيجية.
ويوضح الخلاف الأخير بشأن غزة هذه المشكلة؛ ففي أغسطس/آب 2026، رفض بنيامين نتنياهو عناصر رئيسية من خطة غزة المكونة من 15 نقطة والتي تدعمها الولايات المتحدة، بينما واصلت واشنطن الضغط من أجل تهدئة التوتر وإرساء إطار سياسي. ولا تستطيع أي حملة اتصالات أن توفق بسهولة بين مثل هذه التوترات إذا ظلت السياسات الأساسية موضع نزاع.
عندما يصبح التواصل بديلا للسياسة وليس توضيحا لها، فقد يؤدي الإنفاق الإضافي إلى زيادة الظهور دون استعادة الثقة
المعركة القادمة هي معركة المصداقية
لذلك، لا ينبغي الحكم على جهاز التأثير المتنامي في إسرائيل ببساطة بناء على عدد الإعلانات التي تم شراؤها، أو مشاهدات وسائل التواصل الاجتماعي التي تم توليدها، أو المؤثرين الذين تم تجنيدهم.
إن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرته على الحفاظ على الائتلاف السياسي الذي حافظ على العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لعقود من الزمن.
وتشير الأدلة حتى الآن إلى مهمة أكثر صعوبة مما توقع صانعو السياسات في إسرائيل؛ فالحملة لا تزال قادرة على حشد المؤمنين، والدفاع عن موقف إسرائيل، والتأثير على النخب السياسية. لكنها لا تستطيع شراء الأصول الأهم في الدبلوماسية العامة ألا وهي: المصداقية.
وبالنسبة للجماهير في الشرق الأوسط، يمتد الدرس إلى ما هو أبعد من إسرائيل؛ فالمنطقة مقبلة على حقبة ستنفق فيها الدول مبالغ متزايدة الضخامة للتنافس على الانتباه، وتشكيل الخوارزميات، والتأثير على الجماهير الأجنبية. ومع ذلك، فإن تجربة إسرائيل تشير إلى أن القوة المعلوماتية لها حدود.
وعندما يصبح التواصل بديلا للسياسة وليس توضيحا لها، فقد يؤدي الإنفاق الإضافي إلى زيادة الظهور دون استعادة الثقة.
إذن، السؤال الحاسم ليس من يتحكم في الرسالة الأعلى صوتا، بل ما هي الأفعال التي يمكنها صمود الفحص والتدقيق بعد سماع الرسالة؟
ألطاف موتي
إسرائيل ومعركة الرأي العام الأمريكي.. المليارات لا تشتري المصداقية
افتتحت إسرائيل جبهة جديدة في صراعها طويل الأمد على الشرعية الدولية: وهي الفضاء المعلوماتي الأمريكي. إن حجم هذا الجهد لافت للنظر. ففي يوليو/تموز 2026، أقر الكنيست الإسرائيلي أن الحكومة خصصت نحو 1.2 مليار شيكل (نحو 324 مليون دولار) لجهود الاتصالات والدبلوماسية العامة.
وأشارت اتفاقية ميزانية منفصلة لعام 2026 تم الإبلاغ عنها في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى أن الرقم المخصص لحملات المناصرة بلغ 2.35 مليار شيكل (نحو 635 مليون دولار). ولا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام على أنها ميزانيات متطابقة، لكنها تُظهر معا مدى التوسع الهائل في الإنفاق الإسرائيلي على ما يُطلق عليه “الهاسبرا” (Hasbara)، أو الدبلوماسية العامة.
غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بما إذا كان بإمكان إسرائيل الإنفاق بما يكفي للتأثير على الأمريكيين، بل يتعلق بما إذا كانت الأموال قادرة على تعويض الفجوة المتسعة في المصداقية بين الرواية الإسرائيلية وما يراه الأمريكيون يحدث في قطاع غزة والمنطقة الأوسع.
وتشير الأدلة إلى إجابة صعبة: فالأموال قادرة على تضخيم السردية، لكنها لا تستطيع بسهولة إصلاح الظروف السياسية التي تجعل تلك السردية غير مقنعة.
من الدبلوماسية العامة إلى البنية التحتية للتأثير
لم تعد حملة إسرائيل تقتصر على بيانات السفارات، والمقابلات التلفزيونية، والعلاقات العامة التقليدية. فقد وصف المسؤولون الإسرائيليون الدبلوماسية العامة بأنها جبهة إستراتيجية، بينما وسعت الوكالات الحكومية استخدامها للمؤثرين، ووسائل التواصل الاجتماعي، وعمليات الإعلام الخارجي.
ففي مارس/آذار 2025، تلقت وزارة الخارجية الإسرائيلية مبلغا غير مسبوق بلغ 545 مليون شيكل (نحو 147 مليون دولار) مخصصا للحملات الدولية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من أنشطة الدبلوماسية العامة. وقد دخل هذا الجهد أيضا إلى النظام البيئي الرقمي الأمريكي شديد التنافسية.
تُظهر المستندات المقدمة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة أن إسرائيل عملت من خلال شركات علاقات عامة ورقمية مقرها الولايات المتحدة. على سبيل المثال، تضمنت إحدى العقود مع شركة “كلوك تاور إكس” (Clock Tower X) حملة على مستوى الدولة تهدف إلى مكافحة معاداة السامية والوصول إلى الأمريكيين الأصغر سنا عبر المنصات الرقمية. وناقشت المستندات أيضا الذكاء الاصطناعي وتوزيع المحتوى عبر الإنترنت.
وهذا التطور مهم؛ لأن ساحة المعركة تتغير؛ فالحكومات لم تعد تتنافس فقط على نشر القصص في الصحف، بل تتنافس على تشكيل البيئة المعلوماتية التي يواجه فيها المواطنون، والمؤثرون، وحتى أنظمة الذكاء الاصطناعي الادعاءات السياسية. لكن الوصول لا يساوي الإقناع.
مشكلة المصداقية التي لا تستطيع الأموال حلها
إن أقوى دليل على مواجهة إسرائيل مشكلة هيكلية يأتي من استطلاعات الرأي الأمريكية.
فقد وجد استطلاع أجراه مركز “بيو للأبحاث” في يوليو/تموز 2026 أن 32% فقط من الأمريكيين لديهم نظرة إيجابية تجاه الحكومة الإسرائيلية، بينما نظر إليها 62% نظرة سلبية. كما تدهورت النظرة إلى الإسرائيليين أنفسهم: حيث ظلت نسبة 52% إيجابية، في حين بلغت النسبة السلبية 42%. وفي الوقت نفسه، نظر 50% من الأمريكيين نظرة إيجابية إلى الفلسطينيين.
والفجوة الجيلية أكثر أهمية بكثير؛ فبين الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما، أعرب 32% فقط عن نظرة إيجابية للإسرائيليين، مقارنة بـ58% تجاه الفلسطينيين. وبين الديمقراطيين الشباب، كانت الفجوة 26% مقابل 72%. ولا يُعد هذا مجرد فشل دعائي، بل يشير إلى تغيير في الافتراضات الأساسية للجمهور.
يمكن لإسرائيل أن تشرح مخاوفها الأمنية، ويمكنها تسليط الضوء على هجمات حماس والتهديد المستمر الذي تشكله الجماعات المسلحة. ولا تزال هذه الحجج مؤثرة، لا سيما بين الجمهوريين والأمريكيين الأكبر سنا. ففي عام 2026، ظلت نسبة 65% من الجمهوريين تنظر إلى الإسرائيليين نظرة إيجابية، بينما نظر 51% منهم بإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية.
ولذلك، فإن منتقدي تفسير فشل “الهاسبرا” لديهم وجهة نظر وجيهة: فإسرائيل لم تفقد الرأي العام الأمريكي ككل، إذ لا يزال دعمها كبيرا، وتحالفاتها السياسية في واشنطن قوية.
لكن هذا لا يبطل التحول الأكبر، بل يجعل هذا التحول أكثر تأثيرا وخطورة. الخطر الحقيقي لا يكمن في خسارة الجميع؛ إذ لا تحتاج إسرائيل إلى خسارة كل ناخب أمريكي لكي تصبح مشكلة تأثيرها ذات أهمية إستراتيجية.
إن التغيير الأكثر أهمية هو تآكل الدعم التلقائي بين المجموعات التي ستشكل الجيل القادم من السياسة الأمريكية. فقد أفادت مؤسسة “غالوب” في فبراير/شباط 2026 بأن 41% من الأمريكيين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، مقارنة بـ36% يتعاطفون مع الإسرائيليين. وبذلك اختفت الميزة الإسرائيلية التي استمرت لعقود.
وهذا التغيير يمكن أن يؤثر تدريجيا في الكونغرس، والجامعات، والمؤسسات الإعلامية، وشركات التكنولوجيا، ومناقشات السياسة الخارجية.
وهنا تظهر حدود حملة التأثير المكلفة؛ فالإقناع السياسي يعمل بشكل أفضل عندما يكون الجمهور غير متأكد من الحقائق، ولكنه يعمل بشكل أقل فاعلية عندما يعتقد الجمهور أنه قادر على مراقبة عواقب السياسة بشكل مباشر.
فبالنسبة للعديد من الأمريكيين الشباب، لم تعد غزة مسألة سياسة خارجية مجردة، بل يتم اختبارها من خلال مقاطع الفيديو، صور الأقمار الصناعية، التقارير الإنسانية، وسائل التواصل الاجتماعي، والمناقشات بين الأقران. وبالتالي، فإن حملة حكومية منتجة بعناية تتنافس مع تدفق مستمر من الأدلة التي يتم إنتاجها بشكل مستقل.
مفارقة الإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة
هنا مفارقة مهمة: فكلما تعاملت إسرائيل مع الرأي العام باعتباره ساحة معركة أخرى، خاطرت بتعزيز التصور القائل بأنها تحاول إدارة السردية بدلا من تغيير الواقع الكامن وراءها.
هذا لا يعني أن كل اتصال إسرائيلي هو دعاية، ولا أن انتقاد إسرائيل دقيق تلقائيا. فما زالت حماس تحظى بعدم شعبية عميقة في الولايات المتحدة، حيث أعرب 84% من الأمريكيين عن نظرة سلبية تجاه حماس في استطلاع “بيو” لعام 2026.
لذا، فإن المشكلة لا تكمن في أن الأمريكيين استبدلوا ببساطة رواية حزبية بأخرى، بل إن العديد من الأمريكيين أصبحوا قادرين بشكل متزايد على فصل رفضهم حماس عن تقييمهم لسلوك الحكومة الإسرائيلية. وهذا التمييز قد يصبح حاسما من الناحية الإستراتيجية.
ويوضح الخلاف الأخير بشأن غزة هذه المشكلة؛ ففي أغسطس/آب 2026، رفض بنيامين نتنياهو عناصر رئيسية من خطة غزة المكونة من 15 نقطة والتي تدعمها الولايات المتحدة، بينما واصلت واشنطن الضغط من أجل تهدئة التوتر وإرساء إطار سياسي. ولا تستطيع أي حملة اتصالات أن توفق بسهولة بين مثل هذه التوترات إذا ظلت السياسات الأساسية موضع نزاع.
عندما يصبح التواصل بديلا للسياسة وليس توضيحا لها، فقد يؤدي الإنفاق الإضافي إلى زيادة الظهور دون استعادة الثقة
المعركة القادمة هي معركة المصداقية
لذلك، لا ينبغي الحكم على جهاز التأثير المتنامي في إسرائيل ببساطة بناء على عدد الإعلانات التي تم شراؤها، أو مشاهدات وسائل التواصل الاجتماعي التي تم توليدها، أو المؤثرين الذين تم تجنيدهم.
إن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرته على الحفاظ على الائتلاف السياسي الذي حافظ على العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لعقود من الزمن.
وتشير الأدلة حتى الآن إلى مهمة أكثر صعوبة مما توقع صانعو السياسات في إسرائيل؛ فالحملة لا تزال قادرة على حشد المؤمنين، والدفاع عن موقف إسرائيل، والتأثير على النخب السياسية. لكنها لا تستطيع شراء الأصول الأهم في الدبلوماسية العامة ألا وهي: المصداقية.
وبالنسبة للجماهير في الشرق الأوسط، يمتد الدرس إلى ما هو أبعد من إسرائيل؛ فالمنطقة مقبلة على حقبة ستنفق فيها الدول مبالغ متزايدة الضخامة للتنافس على الانتباه، وتشكيل الخوارزميات، والتأثير على الجماهير الأجنبية. ومع ذلك، فإن تجربة إسرائيل تشير إلى أن القوة المعلوماتية لها حدود.
وعندما يصبح التواصل بديلا للسياسة وليس توضيحا لها، فقد يؤدي الإنفاق الإضافي إلى زيادة الظهور دون استعادة الثقة.
إذن، السؤال الحاسم ليس من يتحكم في الرسالة الأعلى صوتا، بل ما هي الأفعال التي يمكنها صمود الفحص والتدقيق بعد سماع الرسالة؟