حريق الأقصى في زمن الغفلة

  • الجمعة 21, أغسطس 2026 10:10 ص
  • حريق الأقصى في زمن الغفلة
في الواحد والعشرين من شهر أغسطس من عام 1969، قام المجرم دينيس مايكل روهان بجريمته النكراء، إذ تسلل إلى المصلى القبلي، وأدخل معه، في غفلة من الحراس، مواد شديدة الاشتعال، وأحرق الجهة الشرقية من المصلى، وكل ما فيها من منبر صلاح الدين الذي يغيظهم، والقبة، والجدران، والسجاجيد، والزخرفة الأثرية.
حريق الأقصى في زمن الغفلة
د. مروان ابوراس
في الواحد والعشرين من شهر أغسطس من عام 1969، قام المجرم دينيس مايكل روهان بجريمته النكراء، إذ تسلل إلى المصلى القبلي، وأدخل معه، في غفلة من الحراس، مواد شديدة الاشتعال، وأحرق الجهة الشرقية من المصلى، وكل ما فيها من منبر صلاح الدين الذي يغيظهم، والقبة، والجدران، والسجاجيد، والزخرفة الأثرية.
هرع الحراس ومعهم لفيف من الناس إلى المكان، لكن الحريق كان أكبر من أن يطفئوه بأيديهم وملابسهم وبعض المياه من آبار الأقصى. امتنع الاحتلال، بقرار رسمي من أعلى قمة هرم العصابة المجرمة، عن إدخال سيارات الإطفاء، وبقي المنع خمس ساعات متواصلة، حتى أجهز الحريق على المنبر الصلاحي تمامًا.
أُلقي القبض على المجرم، وقُدِّم للمحاكمة، ولكن، وكالعادة التي اعتادها أهل فلسطين، فإن كل مجرم يقوم بجريمة ضد الشعب وممتلكاته ومقدساته هو في النهاية «مختل عقليًا».
خشيت جولدا مائير، التي كانت رئيسة وزراء الاحتلال آنذاك، من غضب أمة الإسلام؛ فهذا من أقدس مقدساتها، ومن أهم مساجدها، لا يُقدَّم عليه إلا المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة. لم تبت تلك الليلة، وهي تستعد لمواجهة الجيوش الجرارة والشعوب الغاضبة، ولم يخطر ببالها أن الغفلة تعدل الغيبوبة التي أصابت قلوب الأمة؛ رؤساء ومرؤوسين، حكامًا ومحكومين.
وأدركت جولدا مائير الصباح، وسكتت عن العويل والنباح، وانتهت معاناتها وسكنت فرائصها، ولم يحدث شيء إلا ما كان من تسكين الألم الذي أصاب بعض القلوب المؤمنة. وكان هذا المسكن هو المؤتمر الأول للقمة الإسلامية، الذي استنكر وأدان وطالب ببقاء رفع الأذان، ونجحت القمة أيما نجاح، وارتاحت أصوات الإعلام العربي والإسلامي من النواح. والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
وبعد هذه السنوات، لا بد أن تبقى الذاكرة حاضرة في قلوب المسلمين، بل ولا بد أن تستعد أمة الإسلام لما هو أكبر وأخطر؛ فالعدو ما زال يخطط للأقصى أسوأ مما نتصور. فمما يفعله الآن هو التقسيم الزماني والمكاني، والاقتحامات المتكررة يوميًا، وأداء الطقوس التلمودية، والإعلان عن إحراق المسجد برمته أو هدمه وإقامة الهيكل الثالث مكانه.
وقد أغلق العدو المسجد في رمضان من عام 1447 هـ (2026 م) أربعين يومًا، لم تُقم فيه جمعة ولا جماعة ولا قيام ولا اعتكاف في أيام رمضان الفضيلة. والعدو يقدم من داخل الأقصى القرابين النباتية، ويخطط لتقديم القرابين الحيوانية بذبح السخل المقدس والبقرة الحمراء التي أحضرها من أمريكا. العدو يخطط، ونحن نضع أيدينا على خدنا ونقول: «وماذا نفعل؟ لا حيلة ولا وسيلة»، فيا حسرتاه على أمة المليارين.
من يحرق الإنسان يسهل عليه أن يحرق البنيان
يا أمتنا الغالية، العدو الذي يحرق الإنسان في غزة في كل يوم منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، ويتفنن في القتل؛ إما بالنار والدمار، وإما بالتجويع والحصار، وإما بالأمراض ومنع الدواء، وإما بالتجهيل ومنع العلم؛ وكل ذلك قتل للنفوس المؤمنة التي تتعلق بأمتها وتلح عليها بالإسناد والقيام بواجب الأخوة التي تستلزم حتمًا إسنادًا ودعمًا في جميع المجالات بلا استثناء.
أيها الناس، يا أمتنا الغالية، يقول الله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} [العنكبوت: 6]، ويقول: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40].
الله سبحانه يحذرنا من أن نسكت عن الدفاع عن مساجدنا؛ لأن العدو هدمها في غزة، ويهدمها في الضفة، أحرق الأقصى وسيحرقه، لا قدر الله، ويدمره بما يمثل من رمزية دينية وعقائدية لا خلاف عليها.
فمتى سننهض من الكبوة المسيطرة على قدراتنا وقرارنا وإدارتنا وأنفاسنا؟ وهل صمتنا وخذلاننا سيرضي عدونا؟ لا والله، فقد قرر ذلك ربنا تبارك وتعالى، حيث قال: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].
فاتبعوا ملتكم، وأطيعوا ربكم، وانصروا عقيدتكم، وطهروا مسجدكم، وادعموا مجاهديكم، وأخلصوا نواياكم؛ تدخلوا جنة ربكم.