سعاد الصباح… حين تسبق المواقفُ الكلمات

  • الثلاثاء 11, أغسطس 2026 11:05 ص
  • سعاد الصباح… حين تسبق المواقفُ الكلمات
بحثتُ كثيرًا خلال هذه الحرب عن تلك الشخصية العربية التي تمتلك جرأة الكلمة وجرأة الموقف في آنٍ واحد؛ فليس أصعب في زمن العواصف من أن يقول الإنسان ما يؤمن به، وأن يبقى ثابتًا حين تصبح المواقف مكلفة، وحين يميل كثيرون إلى الصمت أو الحسابات أو الوقوف في منتصف الطريق.
سعاد الصباح… حين تسبق المواقفُ الكلمات
د. سفيان قديح
بحثتُ كثيرًا خلال هذه الحرب عن تلك الشخصية العربية التي تمتلك جرأة الكلمة وجرأة الموقف في آنٍ واحد؛ فليس أصعب في زمن العواصف من أن يقول الإنسان ما يؤمن به، وأن يبقى ثابتًا حين تصبح المواقف مكلفة، وحين يميل كثيرون إلى الصمت أو الحسابات أو الوقوف في منتصف الطريق.
وكغزّي عاش تفاصيل هذه المحنة، ينتابني شعور صادق تجاه كل من وقف مع غزة، وكل من حمل شيئًا من وجعها، أو رفع صوته من أجل أطفالها ونسائها وأهلها الذين أنهكتهم الحرب. نحن في غزة لا ننسى المواقف؛ لأن الإنسان في وقت الشدة يصبح أكثر قدرة على التمييز بين الكلمات العابرة والكلمات التي تخرج من القلب، وبين التضامن الذي تحكمه اللحظة، والموقف الذي تحكمه المبادئ.
وكمختص في الإعلام، اعتدت أن أتأمل التصريحات والمواقف، وأقرأ ما وراء الكلمات، وأراقب كيف يتغير الخطاب مع تغير الظروف. وفي أوقات الحرب تحديدًا تتمايز الصفوف، ويُعرف الناس، وتنكشف النفوس؛ فهناك من يقترب حين يكون الاقتراب مريحًا، وهناك من يبقى حاضرًا حين تصبح الكلمة مسؤولية.
ومن بين الأصوات التي استوقفتني طويلًا كانت الدكتورة الشيخة سعاد الصباح من دولة الكويت الشقيقة.
وجدت أمامي امرأة يبدو موقفها من فلسطين وغزة وكأنه من المسلّمات الراسخة في وجدانها؛ لا يحتاج في كل مرة إلى إعادة تعريف أو تبرير. أينما اتجه خطابها، وجد المرء شيئًا من فلسطين حاضرًا: في المقال، وفي الشعر، وفي الرأي، وفي الكلمة الإنسانية التي لا تنفصل عن إحساسها بالعدالة وكرامة الإنسان.
ولعل أجمل ما في هذا الموقف أنه لم يبقَ أسير الكلمات.
فالكلمة مهما بلغت بلاغتها تظل بحاجة إلى ما يصدّقها على الأرض، وهنا تكتسب المواقف قيمتها الكبرى؛ عندما يسبق العملُ القولَ أو يسير معه جنبًا إلى جنب. وما يصل إلى أهل غزة من صور العطاء والإغاثة والمساندة يمنح للكلمة معنى مختلفًا؛ لأن الجائع لا تكفيه القصيدة وحدها، والنازح لا تحميه العبارات، والطفل الذي فقد شيئًا من أمنه يحتاج إلى يد تمتد إليه كما يحتاج إلى صوت يدافع عنه.
وهنا يصبح التضامن مكتملًا: كلمة حق، وموقف شجاع، ويد خير.
أعجبتني في سعاد الصباح جرأتها في الرأي؛ تلك الجرأة التي لا تبدو مفتعلة ولا مرتبطة بموجة إعلامية عابرة، بل نابعة من شخصية لها رؤيتها ومكانتها وتاريخها الثقافي والإنساني. والشاعر الحقيقي لا يعيش بعيدًا عن آلام الناس، لأن الشعر قبل أن يكون أوزانًا وقوافي هو إحساس بالإنسان، وانحياز إلى الكرامة، ورفض لأن يتحول الألم إلى خبر عابر.
وسعاد الصباح، في نظري، قدّمت صورة المرأة العربية التي تعرف أن المكانة ليست امتيازًا شخصيًا فقط، بل مسؤولية؛ وأن صوت الإنسان كلما اتسعت دائرة تأثيره ازدادت مسؤوليته تجاه المظلومين والمنكوبين.
ومن غزة، حيث أصبح الناس يحفظون أسماء الذين مدوا إليهم أيديهم كما يحفظون أسماء أحبائهم، أقول إننا لا نقيس المواقف بحجم الضجيج الذي تحدثه، بل بصدقها وثباتها وأثرها.
قد تمر الحرب يومًا، وقد تنتهي صور الدمار من نشرات الأخبار، لكن ذاكرة الشعوب لا تمحو بسهولة أولئك الذين وقفوا معها في ساعاتها الأصعب.
شكرًا سعاد الصباح…
شكرًا للكلمة حين تكون موقفًا، وللموقف حين يتحول إلى فعل، وللإنسان حين ينتصر لإنسان آخر لا تجمعه به مصلحة، بل تجمعه به قيم الرحمة والعدالة والكرامة.
فغزة، رغم جراحها، تعرف جيدًا من أحبها بصدق…وتعرف أكثر من كان معها حين احتاجت إلى الجميع.