5 حزيران: قراءة في هزيمة لم تكن عسكرية فقط

مقالات وأبحاث

  • السبت 06, يونيو 2026 09:06 ص
  • 5 حزيران: قراءة في هزيمة لم تكن عسكرية فقط
في الخامس من حزيران من عام 1967، وقعت أعنف صدمة عسكرية في التاريخ العربي الحديث. في ستة أيام فقط، انهارت جيوش ثلاث دول عربية كبرى (مصر، سوريا، الأردن)، واحتُلت القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وشبه جزيرة سيناء. لكن هذه الهزيمة، التي تحل ذكراها كل عام، لم تكن مجرد فشل عسكري عابر؛ بل كانت انعكاساً لانهيار استراتيجي شامل سبق المعركة بسنوات.
5 حزيران: قراءة في هزيمة لم تكن عسكرية فقط
عمر فارس
في الخامس من حزيران من عام 1967، وقعت أعنف صدمة عسكرية في التاريخ العربي الحديث. في ستة أيام فقط، انهارت جيوش ثلاث دول عربية كبرى (مصر، سوريا، الأردن)، واحتُلت القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وشبه جزيرة سيناء. لكن هذه الهزيمة، التي تحل ذكراها كل عام، لم تكن مجرد فشل عسكري عابر؛ بل كانت انعكاساً لانهيار استراتيجي شامل سبق المعركة بسنوات.
أول أسباب الهزيمة كان سياسياً. في الأشهر التي سبقت الحرب، سادت حالة من الانفصال بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. تصريحات الزعامات العربية آنذاك كانت تُوحي بقرب تحرير فلسطين، بينما كانت الاستعدادات الحقيقية شحيحة ومبعثرة. إغلاق مضيق تيران دون استعداد لحرب فعلية، والثقة المفرطة بقوة الجيوش العربية، جعلت القيادات تراهن على الردع النفسي وليس العسكري. لكن إسرائيل كانت تقرأ الواقع ببرود: استعدت جيداً، واختارت لحظة الضربة الأولى بدقة.
أما السبب العسكري المباشر، فكان ضياع عنصر المباغتة. الجيوش العربية تمركزت في وضع دفاعي مكشوف، بينما نفذت إسرائيل ضربة جوية استباقية دمرت فيها 90% من الطائرات الحربية المصرية وهي لا تزال على الأرض. بعدها، فقدت الجيوش العربية غطاءها الجوي خلال ساعات، وأصبحت دباباتها ومدفعيتها أهدافاً سهلة. الفارق في التدريب، الصيانة، والتخطيط كان فادحاً.
لكن الأعمق من كل ذلك كان السبب النفسي. المجتمعات العربية دخلت الحرب وهي واثقة من النصر بفضل خطاب إعلامي متصاعد، دون أن تعلم أن جيوشها غير جاهزة. عندما انكشفت الهزيمة، كانت الصدمة مدمرة: لم يعد الأمر مجرد خسارة أرض، بل انهيار صورة الجيش العربي القوي، وبداية مرحلة من النقد الذاتي القاسي.
خلفت الهزيمة تداعيات عميقة: احتلال بقية فلسطين التاريخية، وتشريد مئات الآلاف، وظهور قرار "اللاءات الثلاثة" في قمة الخرطوم (لا سلام، لا اعتراف، لا تفاوض)، وهو موقف تراجعت عنه معظم الدول العربية لاحقاً. كما أن الهزيمة هي التي مهدت لحرب أكتوبر 1973، التي حاولت استعادة الرد العربي، ثم لاحقاً لاتفاقيات كامب ديفيد وكل تحولات السلام اللاحقة.
أما الدرس الأهم من ذكرى 5 حزيران، فهو أن الانتصار لا يأتي بالشعارات ولا بالثقة الزائدة دون إعداد. الهزيمة تعلمنا أن واقعية التخطيط، وحداثة التسليح، ووحدة الصف الحقيقي هي وحدها التي تصنع الردع. كما تعلمنا أن الشعوب لا تُهزم إذا كانت قادرة على مراجعة أخطائها بصدق.
اليوم، وبعد عقود، تبقى ذكرى 5 حزيران جرحاً مفتوحاً في الضمير العربي، ولكنها أيضاً درس قاسٍ في ضرورة تحويل الهزيمة إلى وقفة مراجعة، وليس إلى استمرار في الإنكار أو البكاء على الأطلال. لأن الحضارة لا تُبنى بالأحلام، بل بفهم لماذا فشلت الأحلام من قبل.