بن غوريون الذي يخشى شهادة عز الدين
أحمد الحاج
هناك من رأى في الحديث عن أن استشهاد عز الدين الحداد انتصار للمقاومة، فيه مبالغة ظاهرة، فكيف يكون موت القائد الأول لكتائب القسام نصراً، بما كان يمثّل من حضور وموقع؟
الإجابة تحملنا إلى أواخر عام 1935، في مؤتمر حزب مباي الذي كان يقوده بن غوريون. الكل كان مغتبطاً وسعيداً باستشهاد عز الدين الأول، أي القسام، كما ينقل الشاعر الصهيوني حاييم غوري، إلا شخص واحد غاص بمعنى الحدث أكثر، فتملّكه الحزن. إنه زعيم الحزب نفسه ديفيد بن غوريون.
وقف مؤسس الكيان في ذلك المؤتمر خطيباً، تملّكته الرهبة. أبلغ مؤتمر حزب مباي أن مقتل الشيخ عز الدين القسام، الذي تزامن مع انعقاد المؤتمر، ينطوي على مخاطر كبيرة على الحركة الصهيونية، لأنه أرسى أمام الأجيال العربية القادمة منطلقات أخلاقية لمواجهة المشروع الصهيوني.
هكذا فهم بن غوريون تأثير استشهاد القسام على الأجيال اللاحقة، وقد كان محقاً في ذلك. بعد 35 عاماً يولد طفل في غزة، يُطلِق أهله عليه اسم عز الدين، تيمناً بالشيخ الذي استُشهد في أحراش يعبد. يكبر الطفل، وينضم إلى كتائب هي الأخرى تكنّت باسم ذلك الشيخ السوري، ويصير الغزّي قائداً لتلك الكتائب.
الدّم لا يعبر الذاكرة دون أن يحفر المعنى. وكما يقول الرئيس البوسني الأسبق علي عزت بيغوفيتش “لم يغنّ الشعب للذكاء، وإنما غنى للشجاعة”. نعم، التضحيات تصنع حضارات وشعوباً، لذلك كان الاحتفاء بأصحابها إما بصناعة تماثيل أو إطلاق أسماء على أماكن لذكراهم.
حتى أكثر المجتمعات ماديّة، تُدرك حاجتها لقصص التضحيات من أجل استمرارها، حتى لو صنعت الأسطورة. فهذا الكيان الصهيوني اصطنع أسطورة “ماسادا”، وادّعى أن الرومان حاصروا القلعة لمدة ثلاثة وسبعين أسبوعاً، ثم انتحر اليهود ولم يستسلموا. أدرك من سكن الكيان، كما أدرك بن غوريون حين تحدث عن القسام، أن التضحية حاجة، فإن لم توجد، تصطنعها المجتمعات.
استشهاد عز الدين الحداد طاقة إضافية لمقاومة الشعب الفلسطيني، وبصمة أساسية في مستقبله، وفي مقاومته. يروي أحد مؤسسي حركة فتح هاني الحسن أن وفد الحركة عندما زار فيتنام، التقى الزعيم الفيتنامي التاريخي الجنرال جياب، فقال الأخير: “إن لديكم –يقصد العرب والمسلمين- تاريخاً عظيماً تستطيعون به إثارة حماس شعبكم، أما تاريخنا في فيتنام، فإنه لا يمتد أكثرر من مئتي عام”، هذا التاريخ هو تاريخ التضحيات.
إن استشهاد القائد الخامس لكتائب عز الدين القسام عز الدين الحداد “أبو صهيب” يعطي مصداقية إضافية لقادة المقاومة وعملها، ويمنح أنصار المقاومة ثقة ويقيناً متجذراً بصوابية الطريق. أليس ذلك سبباً وجيهاً لاعتبار شهادته انتصاراً؟
أحمد الحاج
هناك من رأى في الحديث عن أن استشهاد عز الدين الحداد انتصار للمقاومة، فيه مبالغة ظاهرة، فكيف يكون موت القائد الأول لكتائب القسام نصراً، بما كان يمثّل من حضور وموقع؟
الإجابة تحملنا إلى أواخر عام 1935، في مؤتمر حزب مباي الذي كان يقوده بن غوريون. الكل كان مغتبطاً وسعيداً باستشهاد عز الدين الأول، أي القسام، كما ينقل الشاعر الصهيوني حاييم غوري، إلا شخص واحد غاص بمعنى الحدث أكثر، فتملّكه الحزن. إنه زعيم الحزب نفسه ديفيد بن غوريون.
وقف مؤسس الكيان في ذلك المؤتمر خطيباً، تملّكته الرهبة. أبلغ مؤتمر حزب مباي أن مقتل الشيخ عز الدين القسام، الذي تزامن مع انعقاد المؤتمر، ينطوي على مخاطر كبيرة على الحركة الصهيونية، لأنه أرسى أمام الأجيال العربية القادمة منطلقات أخلاقية لمواجهة المشروع الصهيوني.
هكذا فهم بن غوريون تأثير استشهاد القسام على الأجيال اللاحقة، وقد كان محقاً في ذلك. بعد 35 عاماً يولد طفل في غزة، يُطلِق أهله عليه اسم عز الدين، تيمناً بالشيخ الذي استُشهد في أحراش يعبد. يكبر الطفل، وينضم إلى كتائب هي الأخرى تكنّت باسم ذلك الشيخ السوري، ويصير الغزّي قائداً لتلك الكتائب.
الدّم لا يعبر الذاكرة دون أن يحفر المعنى. وكما يقول الرئيس البوسني الأسبق علي عزت بيغوفيتش “لم يغنّ الشعب للذكاء، وإنما غنى للشجاعة”. نعم، التضحيات تصنع حضارات وشعوباً، لذلك كان الاحتفاء بأصحابها إما بصناعة تماثيل أو إطلاق أسماء على أماكن لذكراهم.
حتى أكثر المجتمعات ماديّة، تُدرك حاجتها لقصص التضحيات من أجل استمرارها، حتى لو صنعت الأسطورة. فهذا الكيان الصهيوني اصطنع أسطورة “ماسادا”، وادّعى أن الرومان حاصروا القلعة لمدة ثلاثة وسبعين أسبوعاً، ثم انتحر اليهود ولم يستسلموا. أدرك من سكن الكيان، كما أدرك بن غوريون حين تحدث عن القسام، أن التضحية حاجة، فإن لم توجد، تصطنعها المجتمعات.
استشهاد عز الدين الحداد طاقة إضافية لمقاومة الشعب الفلسطيني، وبصمة أساسية في مستقبله، وفي مقاومته. يروي أحد مؤسسي حركة فتح هاني الحسن أن وفد الحركة عندما زار فيتنام، التقى الزعيم الفيتنامي التاريخي الجنرال جياب، فقال الأخير: “إن لديكم –يقصد العرب والمسلمين- تاريخاً عظيماً تستطيعون به إثارة حماس شعبكم، أما تاريخنا في فيتنام، فإنه لا يمتد أكثرر من مئتي عام”، هذا التاريخ هو تاريخ التضحيات.
إن استشهاد القائد الخامس لكتائب عز الدين القسام عز الدين الحداد “أبو صهيب” يعطي مصداقية إضافية لقادة المقاومة وعملها، ويمنح أنصار المقاومة ثقة ويقيناً متجذراً بصوابية الطريق. أليس ذلك سبباً وجيهاً لاعتبار شهادته انتصاراً؟