مشاهد من سجون الاحتلال (19).. حين يصبح الصبر وطناً

مقالات وأبحاث

  • الإثنين 11, مايو 2026 11:01 ص
  • مشاهد من سجون الاحتلال (19).. حين يصبح الصبر وطناً
في مقابر الأحياء، لا يعود الصبر مجرد خُلُق جميل أو فضيلة أخلاقية يتغنّى بها الناس في الخطب والمواعظ، بل يتحوّل إلى وطن كامل، يسكنه الأسير ويحتمي به من الانهيار.
مشاهد من سجون الاحتلال (19).. حين يصبح الصبر وطناً
عامر أبو عرفة
في مقابر الأحياء، لا يعود الصبر مجرد خُلُق جميل أو فضيلة أخلاقية يتغنّى بها الناس في الخطب والمواعظ، بل يتحوّل إلى وطن كامل، يسكنه الأسير ويحتمي به من الانهيار.
خلف الأبواب الحديدية، حيث الوقت لا يمضي بل يزحف، وحيث الليل طويل حتى وهو في منتصف النهار، يصبح الصبر آخر ما يملكه الإنسان، وأول ما يحتاجه ليستمر.
الأسير في سجون الاحتلال لا يعيش الأيام كما نعيشها نحن، نحن نقطع الوقت بالعمل، باللقاءات، بالهواتف، بالشارع، بالتفاصيل الصغيرة التي تبدو عادية، لكنها بالنسبة للأسير أحلام مؤجلة.
أما هناك، فالوقت كتلة ثقيلة، لا يكسره إلا صوت السجان، أو صرير الباب، أو خبر يتسلل من بعيد عن أم مريضة، أو طفل كبر دون أن يراه والده.
في السجن، يتعلم الإنسان كيف يصبر على كل شيء: على الجوع، على البرد، على القهر، على العزل، وعلى الغياب الطويل. لكن أصعب أنواع الصبر، ليس الصبر على الجسد، بل الصبر على الروح حين تحاول ألا تنكسر رغم كل ما يُمارس عليها من سحق يومي تمارسه إدارة سجون الاحتلال.
الاحتلال لا يريد فقط أن يعتقل الجسد، بل يحاول أن يرهق المعنى داخل الإنسان، يحاول أن يجعل الأسير يشعر بأنه مجرد رقم، مجرد ملف أمني، مجرد اسم على باب زنزانة.
لكن الأسرى في كل مرة يعيدون تعريف أنفسهم بطريقة مختلفة: بالصبر، بالإيمان، وبالتفاصيل الصغيرة التي يصنعون منها حياة كاملة رغم القيد.
وفي قلب هذا الصبر، يقف الإيمان كالسند الأخير الذي لا يسقط. كثير من الأسرى لا يجدون في الزنزانة أوسع من سجادة صلاة، ولا أدفأ من آية من القرآن، لكنهم يجدون فيهما ما يعجز العالم كله عن منحه: الطمأنينة.
القرآن داخل السجن ليس مجرد كتاب يُقرأ، بل رفيق يومي، ونافذة يطل منها الأسير على معنى أوسع من الجدران والحديد. آية واحدة قد تمنح الأسير قوة تكفيه لأيام، وقد تعيد ترتيب روحه بعدما ينهكها القهر والتعب.
أما الصلاة فهي المساحة الوحيدة التي يشعر فيها الأسير أن القيود تسقط مؤقتا، حين يقف متجهاً إلى الله يشعر أن السجان أصغر من أن يتحكم بروحه.
ولهذا، تصبح الصلاة مصدر قوة حقيقية، لا طقسا عابرا، فمنها يبدأ الصبر، ومنها يتجدد.
كثير من الأسرى كانوا يقولون إنهم كانوا يخرجون من الصلاة أكثر قدرة على الاحتمال، وأكثر ثباتاً في مواجهة العزل والتحقيق والحرمان.
هناك أسرى يحفظون وجوه أبنائهم من الذاكرة التي تستنزف حتى لا يكادون يذكرون تفاصيلهم جيدا؛ لأن ما يمارس ضدهم من تجويع وإذلال يتخطى الحدود، وهناك من يحفظ صوت أمه من آخر مكالمة قبل الاعتقال، ويخشى أن ينساه، وهناك من ينتظر رسالة قصيرة، لا لأنها تغيّر الواقع، بل لأنها تقول له إنه ما زال حاضرا في قلب أحدهم.
وفي الزنازين، يصبح الصبر شكلاً من أشكال المقاومة، حين يرفض الأسير أن ينهار فهو يقاوم، حين يبتسم رغم التعب، فهو يقاوم، حين ينهض صباحا ليعيد ترتيب فراشه المهترئ والبطانية اليتيمة التي لا يمنح سواها، ويحاول أن يصنع من يومه معنى، فهو يهزم السجان بطريقة لا يفهمها الاحتلال.
الصبر في السجون ليس استسلاما كما يظن البعض، بل قدرة هائلة على النجاة دون التخلي عن الذات، ولهذا يخاف الاحتلال من الأسرى الصابرين أكثر مما يخاف من الغاضبين؛ لأن الغضب قد ينطفئ، أما الصبر الواعي فهو نار هادئة تبقى مشتعلة لسنوات.
بعض الأسرى يدخلون السجن وهم شباب، ثم يخرجون وقد اشتعل الرأس شيبا، لكن شيئا عجيبا يبقى في أعينهم، ذلك الضوء الذي لم تستطع الزنازين إطفاءه، ربما لأنه خلال سنوات الأسر الطويلة، اكتشفوا أن الإنسان يمكن أن يُسلب كل شيء… إلا قدرته على الاحتمال.
وحين يصبح الصبر وطناً، يصبح للأسير بيت لا يستطيع السجان مصادرته، وطن داخلي، لا تُهدم جدرانه، ولا تُغلق أبوابه، ولا تصل إليه مفاتيح السجان.
لهذا، لا يُقاس الأسر فقط بعدد السنوات، بل بحجم الصبر الذي يحمله الأسير فوق قلبه كل يوم… ثم يمضي.