على الورق فقط: ماذا تخبئ إسرائيل للقطاع؟

مقالات وأبحاث

  • الإثنين 16, فبراير 2026 10:01 ص
  • على الورق فقط: ماذا تخبئ إسرائيل للقطاع؟
في هذا المقال نناقش ونقرأ مقاربات إسرائيلية لكتاب وصحفيين إسرائيليين تناولوا مستقبل غزة بين التهدئة والتصعيد، ونحاول من خلال تقاطع رؤاهم فهم ما الذي يجري خلف الخطاب السياسي والعسكري في تل أبيب. فالنصوص الصادرة تكشف عن جدل داخلي عميق حول اليوم التالي للحرب: هل تتجه إسرائيل فعلاً نحو تثبيت وقف إطلاق النار، أم أن التهدئة ليست سوى مرحلة مؤقتة لإعادة ترتيب شروط مواجهة جديدة؟
على الورق فقط: ماذا تخبئ إسرائيل للقطاع؟
رامي أبو زبيدة
في هذا المقال نناقش ونقرأ مقاربات إسرائيلية لكتاب وصحفيين إسرائيليين تناولوا مستقبل غزة بين التهدئة والتصعيد، ونحاول من خلال تقاطع رؤاهم فهم ما الذي يجري خلف الخطاب السياسي والعسكري في تل أبيب. فالنصوص الصادرة تكشف عن جدل داخلي عميق حول اليوم التالي للحرب: هل تتجه إسرائيل فعلاً نحو تثبيت وقف إطلاق النار، أم أن التهدئة ليست سوى مرحلة مؤقتة لإعادة ترتيب شروط مواجهة جديدة؟
سنحاول قراءة هذه المقالات بوصفها مؤشرات على التفكير الإسرائيلي، لا كأخبار منفصلة، بل كصورة واحدة تتشكل من القلق السياسي، والاعتبارات الأمنية، وضغوط الحليف الأميركي، وصراع الائتلاف الحاكم مع استحقاقات ما بعد الحرب.
القراءة المتقاطعة للصحف العبرية تكشف أن غزة لم تعد مجرد ساحة عسكرية، بل باتت عقدة سياسية داخلية في تل أبيب، وورقة تفاوضية في واشنطن، ومختبراً لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني.
في مقال ران أدليست في “معاريف”، العبارة المفتاحية التي تختصر المأزق تقول: «قد تكون إيران تهدد دولة إسرائيل، لكن غزة تهدد الائتلاف». هنا يراد تحويل غزة من ملف أمني إلى تهديد مباشر لاستقرار حكومة بنيامين نتنياهو. فالمشكلة لم تعد “حماس” وحدها، بل مآلات اليوم التالي، وحكومة التكنوقراط، ومجلس السلام، وضغوط واشنطن. لذلك يكتب أدليست بوضوح لافت: «يحاول نتنياهو استثمار الخضوع لإملاء أميركي في إيران مقابل إبطاء وتيرة الإعمار في غزة». أي أن التهدئة ليست خياراً أساسيًا بقدر ما هي أداة للمناورة السياسية.
هذا المعطى يفسر لماذا بدت المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وفق توصيف آفي أشكنازي في “معاريف”، «هي الأخرى في حالة انتظار». الانتظار هنا ليس تقنياً، بل سياسي–عسكري. فلا بديل حقيقياً لـ”حماس”، والحركة – كما يكتب – «لا تنزع سلاحها بل العكس، تتحدى قوات الجيش الإسرائيلي كل يوم»، بينما الجيش يستعد لجولة جديدة. بل يذهب إلى ما هو أبعد حين يؤكد أن المسألة ليست “هل” بل «متى سيطلب من الجيش الإسرائيلي خوض جولة قتالية قوية أخرى في غزة؟».
في المقابل، تقدم “تايمز أوف إسرائيل” صورة أخرى للتهدئة، مشروطة بنزع سلاح “حماس”. الإدارة الأميركية – بحسب التقرير – تعمل على خطة لتجريد الحركة من سلاحها، تقوم على تسليم الأسلحة الثقيلة، وتدمير مواقع التصنيع، وتحفيز تسليم الخفيفة مقابل أموال ووظائف وعفو. غير أن المفارقة أن الخطة لم تُعرض رسمياً بعد، ورغم ذلك تم توجيه دعوات لجمع مليارات الدولارات لإعادة الإعمار. السؤال الذي يطرحه التقرير ضمناً: كيف يمكن بناء إعادة إعمار على أساس سياسي وأمني لم يتبلور بعد؟
الأكثر دلالة أن المشروع الإماراتي لبناء مساكن مؤقتة في رفح مشروط بانسحاب إسرائيلي من “الخط الأصفر”، وهو ما لا تبدو إسرائيل مستعدة له قبل نزع السلاح. دبلوماسي غربي يختصر المشهد بالقول إن «عام انتخابي في إسرائيل، ونتنياهو يخوض صراعاً مع الولايات المتحدة حول الشعارات»، وفي هذا المناخ «من المرجح أن تكثف إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة بدلاً من سحب قواتها».
من هنا، تتضح ملامح الخطة الإسرائيلية: إبقاء الضغط العسكري قائماً، تأجيل الحسم السياسي، وتعطيل أي صيغة قد تعيد توحيد غزة والضفة تحت مظلة فلسطينية واحدة. فالتقرير يشير بوضوح إلى إصرار إسرائيل على تهميش السلطة الفلسطينية في إدارة غزة ما بعد الحرب، منعاً لإعادة توحيد الأراضي سياسياً. أي أن الهدف لا يقتصر على نزع سلاح “حماس”، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البنية السياسية الفلسطينية.
أما العلاقة مع واشنطن، فتبدو قائمة على توازن دقيق. أدليست يلمّح إلى أن قواعد اللعبة مع إيران يحددها ترامب، وأن إسرائيل قد تُضحّى بها إذا اقتضت المصلحة الأميركية. لذلك يحاول نتنياهو – كما يكتب – الظهور بمظهر المدافع عن “الخطوط الحمراء”، حتى وإن كانت “وهمية”. في هذا السياق، تصبح غزة ورقة مساومة: تهدئة مقابل صمت في الملف الإيراني، أو تصعيد لتحسين شروط التفاوض.
إجمالاً، المرحلة الثانية من التهدئة تبدو رهينة ثلاثة شروط لم تنضج بعد: نزع سلاح “حماس”، صيغة حكم بديلة قابلة للحياة، وضمانات أمنية إسرائيلية–أميركية متبادلة. حتى الآن، لا شيء من ذلك تحقق. بل إن مؤشرات الاستعداد لعملية واسعة – كما يؤكد أشكنازي – تعني أن خيار التصعيد حاضر بقوة.
قراءة هذه المقالات تقود إلى أن غزة اليوم في “منطقة انتظار” . التهدئة ليست مستقرة بما يكفي لتتحول إلى مسار دائم، والحرب ليست محسومة بما يكفي لإغلاق الملف. وبين مجلس السلام، وخطط نزع السلاح، وحسابات الائتلاف، تبقى غزة رهينة لعبة أكبر منها – لعبة تتقاطع فيها صناديق الاقتراع مع غرف العمليات، وتُدار فيها المرحلة الثانية ليس وفق ما يجري على الأرض فقط، بل وفق ما يحتاجه نتنياهو سياسياً، وما يريده ترامب إقليمياً.
وفي ظل هذا التشابك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمضي المرحلة الثانية؟ أم أن "الانتظار" ليس سوى الاسم المؤقت لجولة جديدة قيد التحضير؟