رواية قبرٌ يتَّسعُ لجميع البشر

مقالات وأبحاث

  • الأربعاء 11, فبراير 2026 09:34 ص
  • رواية قبرٌ  يتَّسعُ لجميع البشر
إنَّ المعلومات الّتي وردت في الرّواية عن الماسونيّة موثوقة، وكلّ ما تعلّق بالماسونيّة من أحداث سواء أكانت برامج تلفزيونيّة أو أعمال فنيّة أو عن الكنائس، هي أحداث حقيقيّة حدثت فعلًا. أمّا ما ورد عن شخصيّة الشّيطان، وطريقته في الحياة في الرّواية هي نتاجُ بحث الكاتب بناءً على الكتاب والسّنّة الصّحيحة. زياد غزال فريحات

رواية

 

 

 

قبرٌ  يتَّسعُ لجميع البشر

 

 

 

زياد غزال فريحات

 

زياد غزال فريحات

رواية أدبية

الطبعة الأولى عام 2025م

رقم الايداع

5/5/2025

ISBN 978_614_419_132_8

قبر يتَّسع لجميع البشر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


                                                                      

صدر للمؤلف:

قلوب أقوى من الانهيار / رواية

مع الله/ رواية قصيرة وحكايات من الواقع

أرض الطمأنينة/ قصص للفتيان

قصص للفتيان:

1-دائرة الانتقام  2- غابة النّهر العذب  3 - الصّقر والضّبع   4- صراع الأقصى مع الهيكل  5-  الكنز المدفون

كتب فقهية:

حكم الشّرع في البورصة

مشروع قانون البيوع في الدّولة الإسلاميّة

مشروع قانون وسائل الإعلام في الدولة الإسلاميّة

الجوائز:

جائزة  التّأليف المسرحي عن نصّ (القرود الخائفة )

جائزة القدس الدّولية/ تركيا، عن الفيلم السّينمائي المتوسط كرامة/ مقاومة التطبيع

أفلام درامية:

فيلم كرامة/ فيلم سينمائي متوسط (30دقيقة)

قصة وسيناريو وحوار

فيلم الذّئب  عدي التّميمي/  فيلم سينمائي متوسط (.15دقيقة..)

سيناريو وحوار

أفلام وثائقية / تأليف وسناريو

-  هبّة شعب – الحراك الشعبي في الأردن

   ناثرات النّور- قصّة  انتشار اللباس الشّرعي في الأردن

بيت نتيف – حكاية النّكبة واللجوء والمقا ومة

 

إنَّ المعلومات الّتي وردت في الرّواية عن الماسونيّة موثوقة، وكلّ ما تعلّق بالماسونيّة من أحداث سواء أكانت برامج تلفزيونيّة أو أعمال فنيّة أو عن الكنائس، هي أحداث حقيقيّة حدثت فعلًا.

أمّا ما ورد عن شخصيّة الشّيطان، وطريقته في الحياة في الرّواية هي نتاجُ بحث الكاتب بناءً على الكتاب والسّنّة الصّحيحة.

زياد غزال فريحات

 

 

 

 

...... الرّوائيّ المغربيّ جمعة بوحدوش رواية: "قبر يتّسع لجميع البشر"، للرّوائيّ الأردنيّ المبدع: زياد غزال فريحات، هي أفضل رواية قرأتها على الإطلاق، لا أخفيكم إنّها رواية هزّت مشاعري، شدّت كياني بشدّة، تأثّرت بها كثيرًا، عشت مع شخوص الرّواية، أضحك تارّة وأبكي تارّة، وأتألم أخرى، بعد أسبوع من قراءتي لها وجدتُ نفسي أعيد قراءتها مرّة ثانية في جلسة واحدة، ثمّ توالت الأيّام لأجد نفسي كلّ فترة زمنيّة أعيد قراءتها.  

 

 

1

 

بدأت ذاكرتي بإحساسي بقطرات الماء تلامس وجهي، استمرّ سالم برشّ الماء على وجهي، وإعطائي رشَفات يسيرة من الماء، وبعد معاناة شديدة حُمّلتُ على ظهر الحمار، وسير بي مع قطيع من الأغنام إلى بيت سالم في أقصى قرية نائيةٍ جنوب الأردن، كنت حينها في السّادسة والأربعين من عمري، وما إن وصلنا حتّى استقبلته أمّه بسيل من الشَّتائم؛ لمجيئه مبكّرًا، لكنّه قاطعها:

*- لقد أتيت مبكّرًا بسبب هذا الرّجل، رأيته يتدحرج من أعلى الجبل...

ولمّا أحسَّ بالقلق على وجه أمّه حاول تبديد قلقها:

  *- يمكث عندنا اليوم، وغدًا يذهب إلى أهله... لا داعي للقلق.

ظللّتُ نائمًا حتّى وقت العشاء تقريبًا، وبعد أن استيقظت ساعدني سالم على الذّهاب إلى الحمّام، ثمّ سألني ونحن نتاول طعام العشاء عن اسمي وعن مكان سكني،

حدّقتُ في وجهه ثمّ تأمّلت كلَّ أرجاء البيت وأثاثه، ثمَّ حدَّقت بأمّ سالم وهي تصنع اللّبن الرّايب، فشعَرَتْ بنظراتي إليها، فتراجعَتْ خائفة غيرَ قادرة على تفسير تلك النَّظَرات، لا بدّ أنّ الرّيبة تسرّبت إلى قلبها، شعر سالم بمقدار القلق والخوف الّذي تملَّك أمَّه، فداعبني مسرعًا:

    *- لقد أخفتنا بصمتك ونظراتك، قل لنا ما اسمك؟ وأين تسكن؟ لنساعدك.

أجبته برعب مازال موشومًا في ذاكرتي:

·        لا أدري، أنا لاأتذكر شيئًا.... لا أتذكر أيّ شيء.

صُعِقَ سالم وأمُّه من جوابي الّذي زاد من هواجسها... عندها لاطفني سالم:

   *- لا عليك... غدًا سوف تتذكّر كلَّ شيء إن شاء الله... لا تزال ضربتك ساخنة... سأعلّمُك الوضوء والصّلاة لنصلّي معًا صلاة العشاء، لا تطلب منّي أن أعلّمك شيئًا آخر، فليس عندي شيء أعلّمك إيّاه سوى رعي الأغنام، ولا أنصحك بتعلّمه.

 

صلّيت الصّلاة الأولى الّتي احتفلتْ بها ذاكرتي حدّ نسيان الخوف من المجهول ولو لفترة قصيرة، فلا تزال لذّة طعم الرّكوع والسّجود والدّعاء في ذلك اليوم حاضرة في عقلي إلى الآن في زوايا حواسّي كلّها، وفي غمرة لذّة الصّلاة الأولى وضعت رأسي على الوسادة وغرقت في نوم عميق، وأثناء نومي، نادت الأمُّ ابنها وأدخلته إلى غرفتها، قالت الأمّ لسالم:

      *- هذا الضّيف يخيفني، إنّ نظراته نظرات مجرم، ونحن نسكن في طرف القرية، وأخوك خالد يأتي من جامعة اليرموك مرّة كلَّ أسبوعين...

 حاول سالم تهدئة مخاوفها، لكن دون جدوى، هذا ما أخبرني به سالم فيما بعد...

بعد صلاة الفجر مباشرة سألني سالم إن كنت قد تذكّرت شيئًا، فأجبته بالنّفي القاطع، عندها لم يكن أمامه خِيار سوى أن أرافقه في رعي الأغنام.

انطلقنا حتّى وصلنا إلى المرعى، وبعد الإفطار أخرج سالم مصحفًا صغيرًا من جيبه وعلى حواشي المصحف أسبابُ النّزول، وأخذ يقرأ بصمت، إنَّه يختم القرآن الكريم مرتين في كلّ شهر، وبعد أن أنهى القراءة اقترب منّي وقال:

    *- ما رأيك أن تقرأ شيئًا من القرآن... إنّ فيه شفاء للمؤمنين فهو كلام الله، ربّما إذا قرأت القرآن شفاك الله، وتذكّرت كلّ شيء... خذ ... خذ.

أخذت المصحف ومشاعر الضّياع تغمرني، أخذته محاولًا عصر عقلي لأعود إلى نفسي وأَصلي لكن دون جدوى، أيّ عذاب شديد هذا... إنّه عذاب القطع عن الماضي، كما تُقطع الشّجرة من ساقها وتُقذَف بعيدة بلا جذور، كالطّفل الصّغير التّائه في صحراء غريبة شاسعة بلا عوالم، القطع عن الماضي يمتزج فيه الاصطلاء بنار التّيه والضّياع والإحساس بالعتمة وفقدان البوصلة وتلاشي الشّخصيّة وفقدان الهويّة، إنَّه عذاب وحسرة، وآلام متواصلة، ونفق مظلم لا يُرى فيه بصيص من النّور؛ وبالتّالي سيرٌ في عتمة النّفق، ولكن إلى أين يا ترى؟! من عتمة إلى عتمة، ظلمات بعضها فوق بعض.

فتحت المصحف وأنا أشكّ في قدرتي على القراءة، وما إن وقعت عيناي على آياته حتّى أخذتني لقراءتها بسهولة ويسر، وقد دخلت قلبي بسهولة ويسر أيضًا، لا يزاحمها في قلبي سوى مشاعر الضّياع والحيرة والقلق والاضطراب، وأخذَتِ الآياتُ تجدُ لها متّسعًا في أعماق القلب الممزَّق.

منذ تلك اللّحظة لم أفارق قراءة القرآن الكريم بنهم التّائه الّذي وجد الطّريق، فقد أصبح لي ماضٍ أتذكّره بحدّة؛ هو أيّامي مع كتاب الله، وفي أقلّ من أسبوع أتممت قراءته كاملًا.

في ليلة مُكوثي السّابعة في القرية، جاء خالد الأخ الأكبر لسالم قادمًا من مدينة إربد من جامعته اليرموك، وقد أخبرني سالم أنَّه يحضّر رسالة الماجستير في الشّريعة، سلّم علينا وحاول إخفاء استغرابه من وجودي جالسًا متهيّئًا للنّوم، استأذن بلباقة للسّلام على أمّه، وما إن دخل إلى غرفتها حتّى عاجلته برواية قصّتي مظهرةً ريبتها وخوفها، لقد روى لي خالد فيما بعد ما جرى بينه وبين أمّه بالتّفصيل، وحتّى تؤكّد الأمّ لابنها مخاوفها أخرجت من خزانتها مسدّسًا وقلادة غليظة من الذّهب، وجدهما سالم معي، عندها شارك خالد أمّه شكوكها ومخاوفها، سألني خالد في تلك اللّيلة:

* - كيف تنسى كلّ شيء وتتذكر القراءة؟

أجبته وأنا لا أملك ما أبدّد به استغرابه.

·        أنا في الحقيقة لم أنسَ كلَّ شيء، فأنا أعرف الأشياء وأتذكّرها، فأعرف أنّ هذا ماء، وهذا خبز ومن هذا القبيل،

ما حدث معي هو أنّني انقطعت عن الماضي المتعلّق بشخصيّتي، هذا ما أحسّ به بعد حادثتي.

ثمَّ سألني عن أكثر ما أثّر فيَّ وأنا أقرأ القرآن، أجبته بمشاعر فيّاضة:

*- إنَّ أكثر ما أثّر في داخلي هي الآيات الّتي تخبر الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم عن الماضي؛ عن نوح وإبرهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى، وما جرى معهم من أحداث، وأنَّ دعوة رسولنا مُحمَّد صلّى الله عليه وسلّم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، لها ماضٍ ممتدّ عبر مراحل التّاريخ دون انقطاع، ويهزّني إلى حدّ الزّلزال تذكير الله عزّ وجلّ للمؤمنين بفضله عليهم وتحذيرهم من نسيانه أو نسيان آياته، وأحكامه، وفضله، ونعمه، عندما قرأت قوله سبحانه وتعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال ربِّ لمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} لقد حُفِرتْ على الفور في صدري، و ما زال يلتصق في قلبي قوله تعالى: {ولا تكونوا كالّذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم}؛ الله عزّ وجلّ يخبرهم أنّ عاقبة نسيان أمره هو نسيانهم أنفسَهم،

ونسيان النّفس هو مشيٌ على الرّياح إلى مجهول، استسلام إلى أمواج متلاطمة، سباحة في وسط بحر هبَّت عليه عاصفة انعدم معها القدرة على تحديد شواطئه، نسيان النّفس سير في صحراء حارقة بلا هدى ولا ظلال، النّسيان عندي عذاب أتذوّقه كلَّ يوم، ويشتدّ العذاب عندما يكون النّسيان هو الاسم، والنَّسب، والأهل، والأصحاب...

عندما سمع خالد منّي هذا الكلام أحسّ بصدقي، وأظهر تعاطفه معي فيما بعد، والأهمّ من ذلك هو قراره بالعودة إلى الجامعة وهو مطمئنّ على أمّه وأخيه، وفي صباح يوم السَّفر إلى الجامعة، أحضر خالد المسدّس والقلادة الذّهبيّة وسألني عنهما.

أجبته أنّي لا أذكر شيئًا عنهما، وهذا الجواب يعرفه مسبقًا، ولكنّه فعل ذلك نزولًا عند رغبة أمّه، ومن فوره تدخَّل سالم بعد جوابي ونظر إليَّ وقال:

     *- لقد وجدّت المسدس في جيب سترتك، والسّلسلة الذّهبيّة حول عنقك، ولأنَّ ارتداء الرّجال للذّهب حرام نزعتها عنك. 

 

في تلك اللّحظة تأكّد خالد أنَّ المسدّس والذَّهب غير مسروقين، كما أنَّه تأكّد أيضًا أنَّ الرّجل الّذي يقف أمامه لم يكن في ماضيه ملتزمًا بدينه، أمّا أنا فلم ألتفت إلى أنّ وجد السّلسلة الذّهبيّة حول عنقي دلّ على عدم التزامي بديني في الماضي، وهذا من رحمة الله عليّ، وفي لحظة وداعنا قال لي خالد:

     *- عندي بعض كتب التّفسير في البيت يمكنك مطالعتها إن أردت، وكن مطمئنًّا سأجد أهلك خلال أيّام، فنحن في بلد صغير من الصّعب أن يختفي فيه شيء مدّةً طويلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2

 

لقد أخبرني خالد أنَّه عندما وصل إلى الجامعة في إربد، اتّجه على الفور إلى شارع الجامعة الّذي تكثر فيه مقاهي الإنترنت، وبدأ البحث في الصُّحف اليوميّة، مركّزًا على الأعداد القريبة من يوم إصابتي، ولم يجد عناءً في الوصول إلى خبر اختفائي، لقد رأى صورتي وقرأ اسمي وماذا أعمل، وأخذ يقرأ كلَّ ما كُتِبَ عنّي، ثمّ بدأ يتصفّح ما كنت أكتبه من مقالات وكتب، وبعد ساعات من محاولة معرفة من أكون حدّثَ نفسه مبتسمًا:

   *- سبحانَ الله مغيّر الأحوال من حال إلى حال، سبحان الذي يُغيِّر ولا يتغيَّر.

في نهاية الأسبوع، عاد إلينا خالد على غير عادته؛ فهو يغيب أسبوعين في العادة، سألته بلهفة: هل عرفتَ شيئًا عنّي؟ فأجاب: لم أتوصّل إلى شيء، وطمأنني أنَّ الأمر لن يطول كثيرًا، وقال:

*- نحن في بلد لا تختفي فيه الأشياء مدّةً طويلة حتّى الأسرار.

 

أخفى خالد عنّي حقيقة أمري، وأخبر أمّه من أكون؛ ليذهب عنها خوفها وتطمئنّ لذهابي معه؛ كي أصل إلى أهلي، وقد طلب منها ألاّ تخبر سالمًا بالموضوع إلى حين مغادرتي معه؛ لأنّه يريد أن يخبرني عن أهلي بشكل تدريجيّ، وقبل مغادرتنا أحضر خالد المسدّس والسّلسلة الذّهبيّة ونظر إليّ وقال:

*- تفضّل هذه أمانتك.

·        هذا المسدّس هديّة لسالم، فلا حاجة لي به، وهذه السّلسلة بعها ومن ثمنها ننفق حتّى نجد أهلي إن شاء الله.

وصلنا إلى سكن خالد وهو عبارة عن غرفة وحمام ومطبخ صغير، وهذا السّكن جزء من عمارة كبيرة يسكنها الطّلاب والعاملون من خارج مدينة إربد، وضع خالد الطّعام الذي أعدّته له أمّه، وكلّه من منتجات الألبان في ثلاّجة صغيرة، وذهب إلى الجامعة، بينما مكثت في الغرفة أسأل نفسي من أكون؟ ومن هم أهلي؟ ومع شعوري باقتراب لقائنا، في السّاعة التّاسعة مساءً عاد خالد وقد أحضر لي سريرًا وفراشًا بالإضافة إلى هاتف خلويّ، وقال وهو ممتلىء بالسّرور:

     *- لقد بعت سلسلة الذَّهب بسبعمئة دينار، لقد اشتريت كلَّ هذه الأشياء من حسابك، وبعد الانتهاء من طعام العشاء، جلستُ وخالدًا نستمع إلى نشرة الأخبار وهي أوّل نشرة أخبار تلتصق بذاكرتي، وقد ظهر بوضوح احتلال اليهود للقدس، لقد أعطتني هذه النّشرة صورة ضَعف هذه الأمّة وهوانها، وبَقِيَتْ هذه الصّورة أمامي تؤثر في حياتي إلى أمد طويل.

ومضت الأيّام ممضِّيًا وقتي بقراءة القرآن الكريم والكتب الّتي يستعيرها خالد من مكتبة الجامعة، وفي المساء أتابع الأخبار، ولا أخرج من الغرفة إلاّ إلى صّلاة الجمعة، وفي كلّ يوم أسأل خالدًا عن نفسي وعن أهلي، وفي كلّ مرّة يتظاهر بأنَّه لم يتوصّل إلهم بعدُ، ومضت أيّامي تسير بين الصّلاة والقراءة ومتابعة الأخبار، وعندما تأكّد خالد أنَّ الإسلام تجذَّر في قلبي وعقلي التزامًا وثقافة أخبرني من أكون، ومن هم أهلي، وعندما طلبت منه الذّهاب إليهم على الفور، قال:

      *- قبل أن نذهب إليهم أريد منك أن ترى صورهم حتّى تتعرّف عليهم، فلك موقع على الإنترنت باسمك فيه صور لك وللعائلة.

هرعت إلى مقهى الإنترنت وأنا أطير من الفرح  فآلام القطع عن الماضي في طريقها إلى التّلاشي، والسّلسلة المقطوعة من حياتي ترتبط من جديد، هأنا أتذوّق طعم الفرح وأشتمّ رائحة التّاريخ من جديد، أسير بسرعة وخالد يلهث بجانبي، فاليوم عرفت نفسي، أنا الدّكتور طارق مُحمَّد حسن، أعمل مديرًا لمركز الفكر المعاصر للدّراسات، متزوّج ولي ابنتان تدرسان في الجامعة، هذا ما أخبرني به خالد، ولم يخبرني أكثر من ذلك.

وصلنا إلى المقهى ودخل خالد إلى موقعي على الإنترنت، وقرأت سيرتي الذّاتية ثمّ وقعت عيني على صورة أظهر فيها معك أنت وأمّك يا ياسمين، ونحن ندقّ كؤوس الخمر في حفل تخرّجك في الثّانويّة، وصورة أخرى لأختك ناهد وهي بملابس السّباحة، أصابتني صدمة الدّهشة، وشعرت بالاغتراب، وأصبح الماضي الّذي كنت أشتاق إليه عبئًا أريد التّخلّص منه...

نظر إليّ خالد بصمت حزين ثمّ غادر، لقد أدرك أنّي بأمسّ الحاجة لأن أكون وحدي، واصلتُ قراءة مقالاتي حتّى أذان الفجر، خرجت من المقهى وأنا الآن رجل غنيّ أمتلك (فيلا) ومجمّعًا تجاريًّا، وقد وجدت أهلي، لكنّي وجدتهم غرباء عنّي وأنا عنهم غريب بعيد بعد السماء عن الأرض،

أنا القريب البعيد، والغريب القريب، وجدت ذاتي، لكنّي نافر منها حدّ الهروب، أنا الدّكتور طارق من دعاة العَلمانيّة، أنا من أشدّ المهاجمين لفكرة تحكيم الشّريعة، أردّد في مقالاتي دائمًا لا يوجد في التّاريخ دولة إسلاميّة، الحكم بالإسلام فكرة خياليّة، الإسلام لا مكان له في السّياسة والدّولة، سرت إلى غرفة خالد تملؤني رغبة الهروب من أهلي ومن ذاتي القديمة، أحدّثُ نفسي: "أنا مسلم معتزّ بدينه، أنا لست علمانيًّا، هل هناك شخص آخر في داخلي؟! إن كنت موجودًا فأرجوك أن تغادرني، لا أريدك معي، أنا وأنت نقيضان، لا يمكن أن نعيش في جسد واحد، فأنت لست نقيضي فحسب، بل غريمي أيضًا، ضربت على صدري ضربات متصاعدة بقوّة وقلت لطارق القديم: أنت لست في داخلي أنت انتهيت لقد فقدتك مع الماضي، أنت متّ وأنت تتدحرج من أعلى الجبل والأموات لا يعودون إلى الحياة"...

    دخلتُ الغرفة فبادرني خالد: 

  *- متى نذهب إلى أهلك... لكن أرجوك لا تقل الآن، دعنا ننام قليلًا، أم أنَّك لا تستطيع النَّوم من الفرح والشّوق...

 

·        لا أدري ماذا أفعل! إنّني لا أستطيع الذّهاب إلى أهلي الآن، لا أدري كيف سأتعامل معهم أو كيف سأنام وآكل وأعيش معهم؟! أنا أعيش الآن كابوسًا، يا ليته كابوس، إنَّه حقيقة تشعرني بالإحراج والغربة عن الذّات، عندما أنهيت قراءة عشرات المقالات الّتي كتبتها بقلمي قلت:

 *- أيّ جنون هذا؟  أيّ جحود أسود؟ أيّ قلب قاسٍ هذا الذي كان بين أضلعي؟ إله يخلق الأرض والسّماء والحياة والبشر وينـزّل نظامًا لتسير عليه الدّنيا بأسرها، فتكون النّتيجة أن يُقذف نظام ربّ العالمين خلف القضبان، لا أدري ماذا أفعل!

 ... أتنقّل من حَيرة إلى حيرة ومن خوف إلى خوف ومن قلق إلى قلق ومن ألم إلى ألم، لا أدري ماذا أفعل؟!

واساني خالد بقوله:

*-لا تحزن إنّ الله معك، لأنَّك أردت وما تزال تريد أن تكون معه، وأنا واثق أنّ الله سيرشدك إلى الطّريق.

 قضيت أسبوعًا أفكّر ماذا أفعل، راودتني أفكار كثيرة  منها أن أعتزل عائلتي وأبدأ حياة جديدة بعيدة عنهم وبعيدة عن حياتهم المرتدية رداءً متناقضًا مع إيماني...

ومنها أن أجبرهم على الالتزام بأحكام الإسلام بالقوّة... لكنَّ قراري كان العيش معهم، محاولًا الحفاظ على الأسرة قدر الإمكان، والحفاظ على الالتزام الدّينيّ في البيت قدر المستطاع، لذلك طلبت من خالد الاتّصال بأهلي؛ ليخبرهم بكلّ ما حصل معي، وأن يركّز على التزامي بديني...

اتّصل خالد وتكلّم مع زوجتي أمّك يا ياسَمين، وبيّن لها كلَّ شيء عنّي... ألحّت عليه بشدّة أن تكلّمني، فكلّمت امرأة غريبة وبعيدة عن مشاعري وذاكرتي، وبعد دقائق قليلة من سماع صوتها الفائض بالشّوق والحنان والفرحة أصبحت هذه المرأة معروفة وقريبة منّي لدرجة أنّي استعجلت لقاء الأهل شوقًا إليها، وقادني الشّوق إلى أهلي مع وجود نفورٍ يرتفع وينخفض حسب الخواطر الّتي تتدفّق في رأسي.

وصلت إلى غرب عمّان ثمّ دخلت (الفيلا) الّتي نحن فيها الآن، وكان اللّقاء حارًّا مع الأسرة وقد أوجد دفئًا دُفع بالنّفور بعيدًا بعيدًا.

وبعد أيّام معدودة من عودتي طلبت من أمّك ومنك ومن ناهد ارتداء الحجاب، وعلى الفور أحضرت أمّك شالًا ولبسته وقالت:

     * - أنا منذ هذه اللّحظة سأرتدي الحجاب، لطالما رجوت ذلك، لكنّ بيئتنا الّتي نعيش فيها، لا تعينُ على الحجاب، كما أنَّك كنت تمنعني حتّى من الحديث عنه، فارتدائي للحجاب اليوم عن رضى وحبّ وقناعة.

  نظرتُ إليكما أنتِ وأختكِ...  فاحتميتِ بالصّمت ... أمّا ناهد فعاجلتني بردّها:

      *- الحجاب...! لا أستطيع ارتداءه... كلّ من حولي لا يرتدين الحجاب، وأنا أرفض الشّذوذ عنهنّ.

لقد أغضبني ردّ ناهد... دخلت غرفتي وأنا لا أدري ماذا أقول؟! وماذا أفعل؟! وما لبثت أمّك حتّى تبعتني والفرحة والسّعادة تغمر وجهها؛ لشعورها المتنامي بالقرب الذي أصبح بيني وبينها، وقالت:

*- لا تغضب منهما فأنت من أنشأهما على هذه الصّورة، والآن أنت شخص آخر تمامًا.

·        هل أنا شخص آخر بالنّسبة لك؟

*- نعم... كان ما يحول بيني وبينك علاقاتك الكثيرة بنساء أعرفهنّ ونساء أسمع عنهنّ، ولا أعرفهنّ، علاقات وصلت في بعضها حدّ الخيانة...!

·        الخيانة ونساء كثيرات!

    *- ماضٍ وانتهى من غير رجعة... قل لي كيف أبدو بالحجاب؟ هذا الشّال تلبسه كبيرات السّن.

·        ولماذا اشتريتِه إذن؟

    *- أنا لم أشتره، لقد تركَتْهُ والدتُك عندنا.

·        أمّي... أين هي؟ لم أرها... أين هي الآن؟ أين ذهبت؟ وتركت هذا الشال؟

    *- ... إنّها في دار المسنّين...

·        ولماذا دار المسنّين؟!

قالت أمّك بشيء من الارتباك.

    *- إنّها قصّة طويلة.

·        أريد أن أسمعها الآن...

    ازداد الارتباك على وجه أمّك.

   *- ولكن ...

·        ولكن ماذا؟

   *- قلت لك... أنتَ الآن لستَ الإنسان الّذي كنتَه في السّابق.

·        أريدك أن تخبريني كلّ شيء عن أمي.

 أخذت أمّك تقصّ عليّ كيف حَجرتُ على أمّي وألقيت بها في دار المسنّين بعد مرور أقلّ من سنة على وفاة أبي.

ضربت على فخذي وأنزلت رأسي وقلت:   

   *- كيف لي أن أراها؟ كيف لي أن أطلب عفوها ورضاها؟

·        يمكنك أن تراها الآن، إنّ الدّار تابعة للقطاع الخاصّ.    

وعلى الفور ذهبتُ إلى أمّي، في ليلة كان البدر فيها مكتملًا، نوره على أشدّ ما يكون البدر حين يعطي أقصى ما يستطيع من الإضاءة، وأنا أريد أن أعطي لأمي أقصى ما أستطيع من البرّ بعد ثلاث سنوات من عتمة الأمل، وشراسة نهش وعضّ العزّة والكرامة، ومن آلام كسر الخاطر والقلب وحتّى الظّهر...

وصلتُ إلى دار المسنّين وطلبت رؤيتها، جاءت على كرسيّ متحرّك، عرفت فيما بعد أنَّها تستطيع المشي عدّة خطوات، لكنَّها لا تسمح لأحد أن يسندها لكي تحافظ على بقايا كرامتها وبقايا إرادتها... عندما تراءت لي من بعيد عَرفتُ أنَّها أمّي، اقتربت شيئًا فشيئًا وما إن التقى رسول عينيها بعينيّ حتّى أَدرَكتْ بحدسها العملاق أنّي جئت طالبًا الصّفح والعفو، وما إن اقتربتْ حتّى جثوتُ على ركبتيّ مقبّلًا رأسها ويديها، وقلت لها وعيناي تحضن عينيها:

    *- من اليوم ستعيشين معي، سأفعل كلّ ما يرضيكِ، حتّى لو كان في رضاكِ اجتياح نفسي ومالي.

نهضتُ وأخذتُ أدفع الكرسي بلطف شديد وهي الّتي لا تسمح لأحد أن يدفع كرسيّها، لكنّها الآن تجلس هادئة مطمئنّة، لقد سكنَتْ جراحها الفوّارة، وخَـبتْ نيران قهرها وغيظها، وشعرت أمْنًا وقوّة رفع رأسها شامخًا بعد أن نكَّستْه دموعها الحارّة الغزيرة في جوف لياليها الحالكة، وهي تقاسي وحيدة فجيعة جحود الابن الوحيد وعقوقه ومأساة الحَجْر عليها، وانهيار حصن أحلامها وذكرياتها وتدميره بطردها من بيتها... وعندما وصلنا إلى مركبتي رفعتها عن الكرسي لأُجلِسها داخل المركبة، تسمّرت عيناها تلقاء السّماء مُحدّقة في البدر، في لحظاتِ بوحٍ غامض، علمتُ مكنونه فيما بعد، ففي أوّل ليلة قضتها في دار المسنّين بعد طردها من بيتها كان القمر بدرًا أيضًا، مجاز أخلص للضّدّين، هيئة ثابتة، وَأشخاص يتغيّرون من حال إلى حال... وصلنا البيت...

وصلت أمّي إلى بيتها الّذي بنته قشّة قشّة، وبعد ترحيب البنتين بها ترحيبًا حارًّا، وساعات من الحديث المتشعّب أرادتْ أمّي الذّهاب إلى غرفتها،

فأخبرتها أمّك أنَّ غرفتَها صارت مستودعًا، وإنّها في هذه اللّيلة فقط ستنام في غرفة ياسمين إلى أن تُهيّئة لها غرفتها، وياسمين ستنام في غرفة ناهد، أوصلتُ أمّي إلى غرفتك يا ياسمين واستلقت على السّرير...

هاجمها الأرق رغم الفرحة والسّعادة فخرجت في جوف اللّيل على كرسيها المتحرك تبحث في بيتها عن أيّ شيء من أثرها، ففي كلّ قطعة أثاث قصّة، وفي كلّ أداة من أدوات المنـزل ذكرى وحكاية، بحثت في كلّ الأثاث، البرادي، التّحف المعلّقة والجاثمة في الزّوايا فلم تجدْ شيئًا، ثم دخلت إلى المطبخ لعلّها تجد أثرًا من آثارها ولكن دون جدوى، مضت في كرسيّها المتحرّك عائدة فوقعت عيناها على مفتاح العلب فأقبلت عليه وقبّلته وأعطاها قصته أيّام عزّها، وحكايته حينما كانت سيّدة في بيتها وذكريات ملمسه وهي قويّة، هذا المفتاح قال لها رغم اختفاء كلّ الآثار، إنَّ بيتها موجود ولم يتغير فيه إلاّ القشور فقد رجعت إلى بيتها بكلّ ما فيه من حكايات وذكريات، نامت أمّي من غير خوار كسر القلب والظّهر الّذي كان ينهشها منذ ثلاث سنوات، قد نامت مطمئنّة...

إنّ طعم الرّجوع إلى البيت الّذي تتذوقه أيّة امرأة في الدّنيا بعد حرمان قسريّ عدّة سنوات طعم لا يضاهيه شيء في مشاعر النّساء إلاّ أنَّه عند أمّي أقوى بكثير لأنَّها امرأة عاجزة، والإخراج القسريّ كان من الابن الوحيد...!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

3

 

بعد عدّة أيّام من عودة أمّي اقترحتُ عليها الخروج في نـزهة،   فاختارت المدرّج الرّومانيّ والقلعة في وسط البلد (عمّان) وأخبرتها بحكايتي من يوم سقوطي عن الجبل إلى يوم لقائنا، وأقسمت عليها أن تقصّ عليّ سيرتي معها، فاستجابت...

بدأت بيوم ولادتي وتابعت سرد الأحداث مرورًا بيوم تخرّجي ثمّ زواجي حتّى وصلتْ إلى يوم وفاة أبي قبل أربع سنوات تقريبًا، عندها تغيّر صوتُها تنهّدت ثمّ واصلت بصوت خافت حزين:

   *- عندما توفّي أبوك أحسست بالانكسار، وأحيانًا بالضّياع، وعدم الرّغبة في الحياة... وكان ما يهوّن عليّ ذلك هو أنتَ ابني الوحيد، لكنّك كنت قاسيًا إلى درجة أنّي كدت أفقد عقلي، فبعد وفاة أبيك بأشهر فقط أردتني أن أتنازل لك عن (الفيلا) الّتي نسكن فيها الآن، فقد كتبها أبوك باسمي قبل وفاته بسنة تقريبًا، لكنّي رفضت التّنازل عن بيتي الّذي هو وجودي بحدّ ذاته، تماديتَ واستقويت بالقانون، وما هي إلا بضعة أشهر حتّى قضتِ المحكمة بالحجر عليّ....

ياه يا طارق ما أقسى الحجْر على إمرأة عاشت عمرها عزيزة كريمة، لقد انقلبتُ بين ليلة وضحاها إلى أَمَة تقاسي آلام العبوديّة، لكن أتعلم أنّ هذه الآلام كانت صغيرة أمام لحظة طردي من بيتي، فإن كنتُ قد شعرت لحظة الحجر عليّ بالعبوديّة فقد أحسست لحظة إخراجي من بيتي بالموت حرقًا، لن أنسى النّظرة الحرّى الأخيرة الّتي عاشتني لقلب بيتي وأثاثه، النّظرة الّتي نزف القلب بقايا كرامته وكيانه على عزف صرير إغلاق الباب، ومضيت إلى دار المسنّين جثّة هامدة بلا روح يأكلها ببطء قهر اغتصاب العرش من الابن الوحيد، فعرش المرأة هو بيتها، لا عزّة ولا كرامة ولا وجود لامرأة وهي مطرودة من بيتها...

لقد أحسست بدماء جروح كرامة أمّي الغائرة حتّى كأنّي أنا المكلوم بحراب النّكران، أراني مطرودًا من بيتي والمنكرُ عليه حقّه... لقد رجعت مع أمّي نحو البيت وقصّة الحجر عليها، واغتصاب عرشها تنهشني وتسيطر على خيالي...

في الطّريق أوقفت المركبة أمام أحد المحلاّت لشراء الماء والعصير، فتحت الثّلاجة الّتي على بابه، وخيالي ما يزال منشغلًا بحكاية أمّي،

ولّما وضعت الأغراض على الطّاولة رأيت تشكيلة من المكسّرات، طلبت مجموعة منها، رفعت رأسي فصُعقت ممّا رأيتُ، لقد وجدت نفسي في محلّ لبيع الخمور، فأخذت أتأمَّل المحلّ والزّجاجات الّتي تجلس على الرّفوف موفورة الكرامة، زجاجات كبيرة جدًّا تقف في صدر المحلّ بهيئة التّعالي والكبرياء، ثمّ وقع نظري على رخصة المحلّ الّتي حصل عليها التّاجر لبيع الخمور بموجب نصّ القانون، فقرأتها كلمة كلمة حتّى حفظتها، أخذت الأغراض وخرجت من المحلّ ببطء، وإذ بجانب المحلّ على بعد أمتارٍ فقط، إعلان لقرض ربويّ، لقد صُمّم الإعلان بصورة؛ ليكون جذّابًا ولافتًا للنّظر، يستطيع رؤيته حتّى السّائر من بعيد ليلًا ونهارًا، لقد كان معلّقًا على الجهة اليسرى لمصرف يتكوّن من ستة طوابق، كم هي جميلة عمارة هذا المصرف، يوحي بناؤه لك على الفور بالشّموخ والفخامة والكبرياء، فذهبت أتأمّل المكان بكلّ تفاصيله فرأيت على الجهة المقابلة ناديًا ليليًّا عليه صور لبعض الرّاقصات، قلت في نفسي من المؤكّد أنَّ المصرف والنّادي اللّيليّ قد حصلا على رخصة بموجب القانون أيضًا...

 

جلست في المركبة وإذا بأمّي قد أخذها النّوم، فَقُدتُ ببطء؛ لئلا أوقظها وخيالي أصبح يتنقَّل بين رخصة محلّ الخمور وزجاجات الخمر الكبيرة الّتي تقف في بيتها في بتعالٍ وكبرياء، وبين إعلان القرض الربويّ، ومنظر المصرف المكتسي شموخًا وعظمة، ومنظر النّادي اللّيليّ الّذي ينادي المارّة إلى بيته الصّاخب، هذه المناظر لا تفارق خيالي، لقد أحسست أنّ ثَمّة قصّة تشبه قصّة أمّي، لكنّها أعظم قساوة وأكثر مرارة، قصّة فيها الحجْر والطّرد من البيت واغتصاب العرش، إنّها قصّة شريعة الله، عندما سمعت قصّة أمّي لم أبكِ رغم إحساسي الحقيقيّ بمأساتها، أمّا عندما روت لي رخصةُ محلّ الخمور جزءًا صغيرًا من قصّة شريعة الله؛ بكيت بدموع حارّة، فأمّي انتهى الحجر عليها، ورجعت إلى بيتها، وكان إنهاء معاناتها ميسورًا، أمّا شريعة الله فما زال الحجر عليها ساريًا بقساوة أفظع من آلام نشر الرّأس نصفين، وما زالت مطارَدة تعيش بلا مأوى، هذا الشّموخ والكبرياء للمصرف الرّبوي يحكي لي كيف أُنزلت شريعة الله عن عرشها واغتُصِبَ بوحشية سلطانُها، وطُردت من دارها وألقيت في غياهب السّجون، أمّي اليوم تنام مطمئنّة القلب مرتاحة البال، أمّا شريعة الله فإنّها تنـزف في سجنها... تتـفتت عظامها.

لقد آلمني منظر محلّ بيع الخمور، لكنّ ما أوغل في طعني وجَلدي هي رخصة بيع الخمور الصّادرة بموجب القانون، هذه الرّخصة كانت كاشفة عن اغتصاب بشع لعرش الشّريعة المطهّرة، لقد قرَّض لحمي مشهد الإعلان عن القرض الرّبويّ ولكن ما تمادى في نهش قلبي هو الكبرياء والشّموخ والتّعالي للمصرف الكاشف بوضوح مدى إهانة الشّريعة وتقزيمها، فإذا كانت أمّي شعرت لحظة الحجر عليها بالعبوديّة، وأحسّت لحظة إخراجها من بيتها بالموت حرقًا، فما تقول شريعة الله الّتي سادت الأرض والبشر مئات السّنين؟! وهي شريعة خالق الأرض والبشر الرّزّاق، المحيي، المميت، من بيده وحده الخير! لقد استطعتُ الإحساس بمأساة أمّي، أمّا الإحساس بآلام شريعة الله فهو يفوق الوصف، ومشاعري لا تحتمل الإحساس إلا بقشور المأساة، شريعة يُحجَرُ عليها وتُطرد من بيتها، ويُغتصَب عرشها، هذه المشاهد تعرض متواصلة دون توقّف على شعوب تؤمن إيمانًا راسخًا بشريعة الله.

 

 

 

4

 

  زارني خالد في مركز الفكر المعاصر للدّراسات فقلت له:

*- لقد كان هذا المركز بندقية تحارب فكرة تحكيم الشّريعة، وسيادة الاسلام وحان الوقت لينقلب المركز مئة وثمانين درجة.

·        أرى ألّا تستعجل؛ فالطّريق مليئة بالألغام اجعل الأشهر القادمة للدّراسة والتّأمل حتّى نسير على بصيرة.

بعد خمسة أشهر من الدراسة عرفت وخالدًا من أين نبدأ للعمل لتحكيم الشّريعة.

لقد بدأنا عن طريق منتدى موقع المركز الإلكتروني بحملة تطالب بإرجاع حقّ الشّعب في اختيار حكّامه، وبحقّه في محاسبتهم ومراقبتهم، فالسّلطان للشّعب، وبيان أنَّ هذه هي الخطوة الأولى لسير الشّعب نحو تحكيم الشّريعة، ودعوة الأمّة أن يؤمنوا أنَّ للإسلام قضية خاصّة به، وأن يروا عذاباته العظيمة والنّيران الّتي تحرق لحمه بلا توقف، والأزاميل العملاقة الّتي تدكّ عظامه على مدار السّاعة، والإهانات البشعة والمتواصلة الّتي يتعرّض لها بغزارة.

بعد أسبوعين فقط من الحملة، بدأت المنتديات الّتي نشارك فيها بنشر صور لك أنت يا ياسمين وأختك ناهد وأنتنَّ كاشفات للشَّعر والأذرع، وكان التّعليق الأكثر تداولاً هو:

  "من كان بيته من زجاج فلا يرمِ النّاس بالحجارة"

لقد كان بيتي من زجاج هذا ما كنت أشعر به دائمًا، ورغم ذلك لم أشعر بالانكسار إلا بعد انتشار صور لأختك ناهد في المواقع الّتي أشارك فيها، وهي ترقص في إحدى الحفلات مع صديقها بلباس فاضح وكُتبَ تحته "من يُرد تطبيق الشّريعة فليطبّقها في بيته أوّلًا"، لقد كسرني هذا المشهد، كسر ظهري، وكسر عيني أيضًا، وأخذ الانكسار يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى غضب عليكِ وعلى أختك، ولاسيّما ناهد، ووسط هذه الأجواء وصلتُ إلى البيت السّاعة العاشرة ليلًا فوجدتك يا ياسمين وحيدة تقرئين، فسألت عن ناهد فأخبرتِني، أنّها لم تأتِ بعد، فأخذتُ أقصُّ عليكِ ما حدث معي وعن صورك أنتِ وناهد، وكيف أنَّ هذه الصّور كسرتني وتكاد تكسر دعوتي لمحاربة الاستبداد، لقد قلت لك وأنا منكسر:

 

 

*- أنا محتاج إلى مساعدتك أنا محتاج إليها حقًّا.

·        بل أنا المحتاجة إلى مساعدتك يا أبي، أعلم أنّك تريدني أن ألتزم بديني وألبس الحجاب، لكنّك يا أبي قد نسيتني، أنا ابنتك الّتي كانت تعاني دائمًا من الخوف، لقد سكن الخوف في قلبي وعقلي منذ الصّغر أنا اليوم محتاجة إليك لأشعر بالأمان، عندما أتخيّل نفسي مرتديةَ الحجاب وسط بيئة غير ملتزمة أشعر بخوف لا أستطيع تجشّمه، أنا يا أبي أكره الوِحدة؛ لأنَّها تزيد من خوفي وأخشى أن يعزلني الحجاب فأعيش وحيدة، هناك أسئلة قهريّة تهاجمني؛ هل سيغيّر التزامي بديني حياتي؟ وإلى أين؟... أنا خائفة من عدم القدرة على التّكيّف والاندماج في حياة مختلفة ومظهرٍ مختلف.

تفاجأت من كلامك؛ فـارتداء الحجاب عندك ليس بالسّهولة الّتي رأيتها عند أمّك، الالتزام الدّيني يشكّل لك حسب تصوّرك معاناة وآلامًا، فأنتِ تحتاجين إلى من يأخذ بيدك ويعبر معكِ نحو الالتزام بأقلّ قدر من الآلام، وتحتاجين إلى من يقف بجانبك على الدّوام؛ لتحافظي على التزامكِ...

لقد قرّرت منذ ذلك الوقت السّير معك نحو الالتزام، في تلك اللّحظة دخلت أختكِ ناهد فعاجلتها بسؤالي:

*- أين كنت يا ناهد؟

·        كنت مع صديقاتي.

اقتربتُ منها فظهر عليها الارتباك، وحاولَتِ الرّجوع إلى الوراء خطوات عندها قلت لها بإصرار: 

 *- أين... والسّاعة الحادية عشرة؟!

·        أنا لا أحبّ أن يتدخّل أحد في حياتي.

صرخت بصوت مرتفع مشبع بالغضب المكبوت:

    *- حياتك لا تخصّك وحدك... حياتكِ مرتبطة بحياتنا، وسمعتك مرتبطة بسمعتنا... أنتِ جزء من بيت، ولا يحقّ لك التّصرّف بأنانيّة.

·        أنا حرّة... كنت في الماضي أسهر وأتأخّر، عدا أنّي لست وحدي هكذا؛ فكلّ صديقاتي يسهرن ويتأخّرن.

صرختُ بصوتٍ عالٍ:

 *- الماضي يجب أن ينتهي، أتفهمين؟

أيقظ صراخي أمّك فجاءت مفزوعة خائفة، فلا عهد للبيت بشجار كهذا، فلمّا رأت ناهد أمّها هرعتْ إليها وقالت:

*- أمّي إذا بقي أبي هكذا فسوف أترك البيت.

اشتمّت أمّك رائحة المشروب من فم ناهد فظنّت أنَّ سبب المشكلة هو المشروب فلامتها قائلةً:

*- ألم تعديني بالابتعاد عن المشروب؟ المشروب دائمًا يسّبب لك مشكلات كثيرة.

صُعِقت ممّا سمعت وصرخت:

*- تأتين في آخر اللّيل وأنت سكرانة!

قالت أمّك وهي ترتجف خوفًا:

*- أنا واثقة أنّها لن تعود لذلك مرّة أخرى.

وما إن أكملت أمّك كلماتها حتّى هويتُ بيدي بأقصى طاقتي على وجه ناهد فارتطم وجهها بالأريكة، ثمّ صرخت فيها:

*- لن يكون هناك مرّة أخرى، المرّة المقبلة سأحطّم رأسك... سأحطّم رأسك...

صُدم الجميع من رؤية ما جرى، فهي المرّة الأولى الّتي يعتدي أحد أفراد العائلة بالضّرب على فرد آخر، هذا مشهد من العنف غير مسبوق في العائلة، وناهد تبكي بصوت مرتفع وتقول:

*- لم يحدث هذا العنف إلاّ عندما أتيتنا بتشدّدك، أنا لا أريد أن أصبح مثلك، لن أرتدي الحجاب، ولن أترك السّهر، سأعيش حياتي كما أريد، لا كما تريد أنت.

ثم زاد انفعالها وارتفع صوتها أكثر:

*- إن كانت حياتنا لا تعجبك فاخرج منها، اخرج منها ولا تدمّرها.

أخذني هذا الكلام وأسكتني وفجّر في داخلي رغبة الخروج من البيت بل هجره، فخرجت من البيت صامتًا والسّاعة قريبة من منتصف اللّيل، لقد أحسست أنّ بعض أفراد البيت لا يرغبون بوجودي، بعد رجوعي كان الانقسام بيني وبين عائلتي في الأفكار والسّلوك، أمّا بعد ممارستي للعنف فقد أصبح الانقسام في القلوب والعواطف والمشاعر، غريب ما يجري؛ أظهر بمظهر المجرم وأخرج من بيتي على غير هدى، لا أدري أين أذهب، وأنا في الحقيقة ضحيّة، أنا الأب، أنا سيّد البيت، لا أريد أن يسير بيتي كما أريد بل كما تريد شريعة الله،

أنا لا أجبرهم على أفكار خاصّة بي، إنّما أريد أن أعيش معهم حسب أحكام شرعيّة لا خلاف عليها في الإسلام ولا عند علمائه، الحجاب، الخمر، احترامي بصفتي أبًا، أنا لست مجرمًا أنا ضحيّة، لا أدري ماذا أفعل، السّكوت عن رؤية بيتي وهو يُدَمَّر مشكلة، واستعمال العنف أو التّهديد به أيضًا مشكلة، وأن أهجرهم أيضًا مشكلة، ماذا أفعل...؟!

وبعد ساعتين تقريبًا من مغادرة البيت، قرّرت الرّجوع إلى البيت وأنا في حَيرة من أمري وحزن عميق وضيق شديد يملأ صدري...

تخلّلت أشعة شمس الظّهيرة نوافذ المركز، كنت وخالدًا نفكّر في المشاركة في منتديات أخرى، وتطوير موقع المركز على الإنترنت، وإذا باتّصال من رقم مجهول، أخبرني المتصل بضرورة حضوري إلى قسم الشّرطة الخاصّ بحماية الأسرة، وفهمت منه أنَّ ابنتي ناهد موجودة في المركز... وعلى جناح السّرعة ذهبت ولم يخطر في بالي سوى أنَّ ناهد قد فعلت شيئًا يستحقّ الدّخول إلى قسم الشّرطة، وظَللّت طوال الطّريق أسأل نفسي ماذا فعلت ناهد حتّى حجزتها الشّرطة؟ وعندما وصلت باب المركز وجدت شابًّا يقف بجانب سيّارة ناهد،

دخلت فوجدتها جالسة، سألتها عن سبب وجودها هنا، إلّا أنّها أشاحت بوجهها عنّي ولم تُجب، عندها قال الضّابط:

*- أنا أجيبك عن سبب مجيئها، تفضل بالجلوس.

أخبرني الضابط عن شكوى ابنتي ناهد ضدّي، ثم أخرج من مكتبه ورقة مكتوب عليها تعهّد بعدم التعدّي اللّفظيّ أو الجسديّ على ابنتي ناهد، وطلب منّي كتابة اسمي الرّباعيّ والتّوقيع عليها، فرفضت رفضًا قاطعًا وتصاعد انفعالي، فطلب الضّابط من أحد العساكر مرافقة ناهد إلى غرفة بعيدة عن غرفتنا وخاطبني الضّابط بلهجة مليئة بالتّعاطف وقال:

   *- أنا مقدّر لكلّ مشاعرك، لكن يجب أن تعلم أنّك في حال رفضك التّوقيع على هذا التعهد ستوقف ثمّ تحوّل إلى المحكمة، أنا مسلم وابن عشيرة بدويّة، ولكن هذا هو القانون، القانون سيّد الجميع.

·        ما هذا القانون الّذي يجّرم أبا حاول تربية ابنته؟! ولا يجرّم فتاة تأتي في منتصف اللّيل مخمورة، تدمّر بذلك الأسرة بكاملها وتسيء لسمعة كلّ أفراد أسرتها!

*- الخمر قانونيًّا مسموح به، وضربك لابنتك حتّى للتأديب ممنوع.

·        هذا ظلمٌ!

*- إن كان ظلمًا فلا تسمح للقانون أن يظلمك، أرجوك وقّع على التّعهد ومن غير التّوقيع لا يمكن الإفراج عنك.

وقّعتُ على التّعهّد ويكأنّي أقصّ إصبعًا من أصابعي بنفسي، ثم طلب الضّابط إحضار ناهد، وطلب منها أن تغادر معي، سارت ناهد معي صامتة، وأنا ممتلئ غضبًا منها ومن عقوقها، وما إن وصلنا خارج قسم الشّرطة حتّى أسرعت إلى صديقها الشّاب الّذي رأيته عند دخولي القسم، فركبا معًا وظللّتُ أنظر إلى سيارتها حتّى توارت عن الأنظار، قلت في نفسي مصدومًا: 

*- يبدو أنّي أتعرّض لما تتعرّض له شريعة الله من اغتصاب العرش، وسلب العزّة والكرامة، فعرشي بوصفي أبًا يُغتصَب وعزّتي وكرامتي تُسلب، هذه العلمانيّة لم تطرد شريعة الله من بيتها فحسب، بل تطردني من بيتي أيضًا، لكن بشكل غير مباشر وبشكل تدريجيّ، فاغتصاب عرش الشّريعة يجرف معه عروشًا كثيرة منها عرشي في بيتي، بل أكثر من ذلك، إنَّها تغتصب فطرة الأبوة من إنسانيتي...

 

 

5

 

مضت الأيّام وحادثة ابنتي ناهد في قسم الشّرطة تُقطّع أحشائي دون توقّف، وشكّل ذلك دافعًا عندي للاستمرار في السّير، وأصررت على أن تكون المشاركات باسمي (طارق حسن) وهو الاسم نفسه الّذي كنت أكتب فيه مقالاتي لمهاجمة فكرة تحكيم الشّريعة، إلاّ أنَّ خالدًا عارضني في كتابة اسمي على المقالات والمشاركات الّتي رفعتُ فيها السّقف عاليًا وحذّرني خالد بقوله:

*-إنّك تجعل من نفسك فريسة سهلة للاقتناص، ما تفعله يعطي المبرّر القانونيّ لسجنك ثمّ تحجيمك إلى حجم ليس له تأثير إطلاقًا.

·        لا توجد دعوة بلا تضحيات.

   *- التّضحية شيء وأن تفتح صدرك للحراب الموجَّهة ضدّك شيء آخر، أنا أتكلّم عن الصّراع، وأنتَ اخترت أن تدخل حلبة الصّراع، وللصّراع أحكام وقوانين، ومكانك في الصّراع هو المستضعف الّذي لا يملك إلاّ القليل من القوّة.

 

ما قاله خالد كلام بديهيّ، لكن لا أدري لماذا كانت في تلك الظّروف تغيب عنّي تلك البديهيات، ربَّما لأنّي بدأت أحسّ بالاستعجال، أو ظنّي أنَّ رفع السّقف في الخطاب يجعل خطابي أكثر تأثيرًا، ولكنّي في تلك الظّروف كنت أرى عدم رفع السّقف أسلوبًا من أساليب الاستسلام، وبعد أسبوعين فقط من رفع السّقف، جاءت مجموعة من ضبّاط المخابرات إلى البيت في ساعة متأخرة من اللّيل، وبعد تفتيش بسيط، أخرج ضابط سمين أمرًا من محكمة أمن الدّولة باعتقالي، ثمّ أخرج أحد الضّبّاط القيود وهَمَّ بوضعها في يديّ للخلف، فنظر الضّابط السّمين إلى أمّي وزوجتي وبناتي، ثمّ التفت وقال:

*-لا داعي للقيود من الخلف... ضع القيود في يديه من الأمام إنَّكم مع رجل وديع...

خرجنا وسرنا نحو دائرة المخابرات العامّة في بيادر وادي السّير غرب العاصمة عمّان، في ليلة كان القمر فيها بدرًا يعطي أقصى ما يستطيع من الإضاءة، ذكّرني البدر في اللّيلة الّتي أُخرجت فيها أمّي من بيتها وأُدخلت إلى دار المسنّين حينها كان القمر بدرًا أيضًا، وصلنا وإذا بي في مواجهة بناء حجريّ ضخم،

 أعطته الإضاءة من أسفله وأعلاه ضخامة أكثر من واقعه الحقيقيّ، كما أنَّه بناء حجريّ بالكامل، أعطته الأحجار المتساوية المكرورة بانتظام إيحاءً بالقوّة والمتانة والصّلابة، دخلنا فشعرت بالرّهبة الّتي تلاشت بعد أن وضعت أغراضي في قسم الأمانات، ثم سرت مئات الأمتار، ولم أشاهد سوى أبواب على الجانبين، علمت فيما بعد أنَّها مكاتب للضّبّاط، لكم هي كثيرة مكاتب الضبّاط! دخلت الزّنزانة، وأُغلق باب الحديد مُحدثا صوتًا كسرَ جدار سكون اللّيل، فقُذفت على جسدي قشعريرة نهشت عظامي، وقفت وإذ بي وسط زنزانة مساحتها ثلاثة أمتارٍ في مترين، بابها من حديد في غاية القوّة في أعلاه كوّة صغيرة لا تتعدّى ثلاثين في عشرين سم، وفي الجهة المقابلة للباب نافذة ملتصقة بالسّقف، تحتها سرير نظيف، وعلى يسار الباب مقعدة بيضاء لقضاء الحاجة بجانبها مغسلة صغيرة جدًّا، هذا كلّ ما هو موجود، لا حواجز داخل الزّنزانة؛ فالسّرير والمغسلة وحتّى المقعدة تكشف بعضها البعض حتّى الأعماق، كلّ ما في الغرفة تستطيع قراءته بسهولة، إلاّ المقعدة الّتي تجلس عارية بلا خجل فإنّك تجد صعوبة في قراءة الرّسائل الّتي تبعثها بشكل متواصل ولا يُيسِّر لك قراءتها إلّا جلسات التّحقيق،

فبعدها استطعت قراءة جميع رسائل المقعدة العارية وهي تتمحور حول فكرة واحدة أنَّك مكشوف حتّى في قضاء حاجتك، فالتَّستّر عبث، لبست البدلة السّماويّة المصنوعة من الكتّان ونمت تلك اللّيلة وأنا أدعو الله عزّ وجلّ في الثّلث الأخير من اللّيل أن يثبّت أقدامي، ويغفر لي ذنوبي فقد أمضيت سنوات عديدة من عمري بعيدًا عن الله، لم أنم بسرعة مع أنّني لم أكن خائفًا، لكنّني كنت قلقًا، وبعد ثلاثة أيّام تقريبًا دُعيتُ إلى التّحقيق وما إن خرجت من باب الزّنزانة حتّى صاح العسكريّ:

  *- اغلق .... اغلق ..... اغلق.

وعلى الفور قام عسكريّ آخر بإغلاق كوّات أبواب الزّنازين الّتي  سأسير أمامها؛ حتّى لا أرى من في داخلها، ولا يراني من فيها، وإغلاق الكوّات واحدة تلو الأخرى بانتظام أوحى لي وبشكل لافت، أنّني في حضرة شيء مصان ذي هيبة ومنعة، ويده طائلة تصل إلى حدّ منعك رؤية أيًّا كان، وحجبك عن الآخرين حتّى لو كنت تسير أمام أبوابهم، يد قادرة على التّحكّم في أشياء كثيرة حتّى في النّوافذ الصّغيرة الوحيدة لغرف من لا حول لهم ولا قوّة، دخلت غرفة التّحقيق وحاول المحقّق إقناعي أنّهم على دراية بكلّ ما يجري في البلد،

 وأنّني قبل أن أفقد ذاكرتي كنت صديقًا لدائرة المخابرات العامّة، عندها سألته ماذا يقصد بقوله صديقًا لهم أجاب بعد أنْ عدَّل جلسته:

 *-أقصد أنّك كنت تقبل توجيهاتنا وإن كانت لا توائم قناعتك.

·        هل تقصد أنّي كنت مخبرًا لكم؟

*- من يكون في وضعك؛ دكتورًا ومديرًا لمركز دراسات يكون أكبر من ذلك، إنّما نوجّهه إلى حيث نريد عند الحاجة فقط، فنحن لا نجمع معلومات فحسب، بل نوجّه الجميع، فتوجيه المجتمع والدّولة أهمّ عندنا من جمع المعلومات، لكنّك كنت تزوّدنا بالمعلومات عن المنظّمة العالميّة الّتي كنت عضوًا فاعلًا فيها...

·        ما هي هذه المنظّمة؟

*- سيأتي يوم وتعرف من هي هذه المنظمة؛ لأنّ قادتها لن يتركوك تحتفظ بأسرارهم وتمضي في طريقك.

·        أظنّ أنّ ما تقوله أسلوب من التّعذيب النّفسيّ وإن كان غير ذلك فما الّذي يمنعك أن تخبرني ما هي تلك المنظّمة وما هي الأسرار الّتي عندي عنها؟

 

ضغط الضّابط على الجرس مع طيف ابتسامة، دخل الجنديّ وأخذني معه، عدت إلى زنزانتي وأنا ممتلئ بالحسرة والألم أكثر من لحظات معرفتي بخياناتي لزوجتي، وعقوقي الكبير لأمّي؛ لإدراكي بأنّي كنت جزءًا من منظومة الهيمنةِ التّابعة للمخابرات العامّة، سبب الحسرة والألم يكمن في قناعتي أنّ القبضة الأمنيّة للمخابرات على الحياة العامّة تُسبب إعاقة لحركتنا وإعاقة في عواطفنا وعقولنا، لكنّي لا أنكر أنّ كلام المحقّق عن المنظّمة العالميّة وأسرارها أشغل تفكيري.

دخلت الّزنزانة فوقع بصري على كتاب الله، هجمت عليه بشراسة العاشق، ياه... فوقْعُ الآيات شديد... شديد، والقرب من الله شديد.... شديدٌ أيضًا، لم أشعر بوقع الآيات إلى هذه الشّدّة إلاّ في الأيّام الّتي قضيتها مع سالم، وأنا عند سالم كان الأثر العميق الذي تحدثه الآيات يضرب أعماق رجل قُطِع عن ماضيه وفقد ذاكرته، أمّا في الزّنزانة فإنّ الأثر الشّديد الّذي تُحدثه الآيات يدقّ بقوّة قلب رجل مسجون، آيات كثيرة تبيّن وبشكل لا لبس فيه أنّ البشر موجودون على هذه الأرض ليعيشوا خارج السّجون عندما قرأت قوله تعالى:

( قُلْ يا أَهْل الكتابِ تعالوا إلى كلِمَةٍ سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبدَ إلاّ اللهَ ولا نشرك به شيئًا ولا يتّخذ بعضُنا بعضًا أربابًا من دونِ اللهِ)

تسمّرت عيناي على الآية ولم أستطع أن أتعدّاها إلاّ بعد أن نزلت دموعي، فقد بعث الله الأنبياء ليخرجوا البشر من عبادة البشر إلى عبادة الله ربّ البشر، الربّ الواسع الكبير الله جلّ جلاله، فعبادة البشر سجن قاسٍ أليم، وعبادة الله تحطّم جدران السّجون، كلّ أنواع السّجون، سواء أكانت في القلب أم في العقل أم شيّدها البشر، فقد خلقنا الله؛ لنعيش خارج جدرانها؛ لنندفع للسّير بخطى واثقة نحو العزّة والكرامة، لقد اقشعرّ بدني وأنا أقرأ قوله تعالى: (ولقد كرّمنا بني آدم) فقد أخرجه الله من كلّ سجون المذلّة والامتهان، ولا خروج من هذه السّجون إلاّ بشريعة الله، إنّ فطرتنا البشريّة تنادي من أعماقنا شريعة الله، إنّ فطرتنا ستبقى أبدًا تنادى شريعةَ الله ليسيرا معًا في الحياة.

بعد يومين طُلِبت للتّحقيق، سرت كالمرّة السّابقة وعندما وصلت أُخِذت إفادتي الّتي اعترفت فيها بكلّ المقالات والمشاركات على الإنترنت الّتي كان السّقف فيها عاليًا، عندها حُوِّلتُ إلى محكمة أمن الدّولة، أخذتُ أغراضي من قسم الأمانات وقُيّدت من الخلف وركبت المركبة برفقة ثلاثة عساكر، سارت المركبة ببطء حتّى خرجنا خارج أسوار الدّائرة وعيناي لا تفارقان المبنى، سرنا وسور الدّائرة يرافقنا،

كم هو ضخم ومرتفع هذا السّور!  توحي لك أحجاره البيضاء الجميلة وارتفاعه وطوله الكبير وعرضه المتين أنّك أمام حمًى مُصان، كما توحي لك أسواره ألّا مجال للدّخول أو الخروج منه إلّا بإذن، سارت الأسوار معي  وودّعتني إلى محكمة أمن الدّولة، فارقنا الأسوار، وإعجابي بمنعتها وحماها المصان أَنْزَل رأسي إلى الأسفل فقد آلمتني القيود المُحكَمة على يديّ من الخلف، لكنّي لم أُبالِ بالألم؛ لأنّي تذكّرت أنّ من أُحِبُّها وأعشقها تهدّمت أسوارُها المنيعة، وأمسى حماها مستباحًا ينتهكه الذّليل قبل غيره ممّن يملكون القوّة، لقد تذكّرت شريعة الله، كم هو حارق ومذيب للجلد والشّحم اغتصاب حماها ومهابتها! كم هي مُقطِّعة للأوصال واللّحم والعصب أوجاع هدم الأسوار المنيعة واستباحة الحرمات العظيمة! أصبحت أتذكّر شريعة الله عند رؤية مشاهد العزّة والعظمة ومشاهد الحمى المصان...

المركبة تمشي وهي في طريقها إلى محكمة أمن الدّولة شرق العاصمة عمّان، وفي الطّريق رأيت محلّ بيع الخمور الّذي قرأت رخصته، ما زلت أحفظها عن ظهر قلب،

 

ولمحت الزّجاجاتِ الكبيرةَ الّتي ما تزال في صدر بيتها مرفوعة الرّأس بهيئة الفخامة كالأُسود في عرينها، ورأيت إعلان القرض الرّبوي بأثوابه الجذّابة مغرورًا وهو ملتصق بالمصرف الّذي ما زال يجثم شامخًا عزيزًا متكبّرًا ومتعاليًا، ورأيت النّادي اللّيليّ يستعد لليلة صاخبة وهو آمن مطمئنّ، صدّقيني يا ياسمين إنّني في تلك اللّحظة سمعت آهاتٍ وأنّات عرش الإسلام بصوت عالٍ.

وصلنا إلى محكمة أمن الدّولة، وأُخِذَتْ إفادتي عن الأسئلة نفسها الّتي طُرحت عليّ في دائرة المخابرت مع اختلاف في بعض الكلمات، قادني تشابه الأسئلة إلى إحساس بتشابه ضبّاط محكمة أمن الدّولة مع ضبّاط المخابرات العامّة باستثناء اللّباس؛ فضبّاط المحكمة يلبسون اللّباس العسكريّ وضبّاط المخابرات يلبسون اللّباس المدنيّ، وبعد الانتهاء من الإفادة سأل أحد العساكر ممّن حضر معي:

    *-إلى أين؟

   أجاب موظف القلم في محكمة أمن الدّولة:

·        إلى سجن الجويدة.

 

 سرنا نحو سجن الجويدة جنوب العاصمة عمّان، وعند خروجنا من أسوار المحكمة، لفت نظري أنَّ مبنى محكمة أمن الدّولة يتربّع على قمّة جبل، وكذلك مبنى المخابرات العامّة يتربّع على قمّة جبل أيضًا، عندها تذكّرت شريعة الله؛ لقد كانت فوق القمّة، أمّا الآن فهي في غياهب السّجون تحت الأرض، أَعلمُ يا ياسمين أنّك ستقولين في نفسك أنّي قد بالغتُ في تذكّري شريعة الله بهذه الحساسيّة المرهفة، وأنا أعذرك، ولكن هذا ما حدث معي بالفعل، وهذا ما شعرته بالضّبط، ففي تلك اللّحظات كان إحساسي بشريعة الله مرهفًا، ويرافق الإحساس المرهف حبّ وعشق عميق ينبع من أعماقي وأنا مقيّد حزين.

 

 

 

 

 

 

 

6

 

وصلت السّيّارة إلى سجن الجويدة، وسُلِّمتُ إلى إدارة السّجن، ساقوني إلى قسم الأمانات، وفيه طلبَ الشرطيُّ أن أخلع ملابسي جميعها وأن أضعها في كيس بلاستيكيّ أسود باستثناء السّروال الدّاخليّ ثمّ أرتدي بدلة السّجن، عندها قلت ببراءة:

  *- هكذا ستنكشف عورتي!

·        نعم ستنكشف عورتك!

  *- لكن هذا لايجوز شرعًا! ... هل من الممكن ألّا أتجرّد من البنطال أو أن أخرج قليلًا لخلع البنطال؟

·        لا يمكنك إلاّ في حضوري، إمّا أن تخلع ملابسك عنك بإرادتك أو أن تخلعها رغمًا عنك، لا خّيار ثالث لك.

  ثمّ نظر إليّ الشرطي ورأى رجلًا في أواخر العقد الرّابع من عمره فسألني:

   *- أنتَ... ما تهمتك؟

أخبرته عن تهمتي الواقعة في دائرة حقّ إبداء الرّأي، عندها تغيّرت لهجة الشّرطي واتّجهت نحو الرّفق والهدوء وقال لي:

*- أنت من الشّيوخ إذن؛ وهو يقصد السّجناء الإسلاميّين، ولكن هذا هو القانون؛ يجب أن تخلع ملابسك أمامي.

خلعت ملابسي أمامه وقلت في نفسي أنا مضطر. ذهبت إلى غرفة الاستقبال، وفي الطّريق رأيت وجوهًا مصبوغة بالإجرام تفوح منها رائحة الحثالة، أدخلتْ في صدري شيئًا من الاكتئاب، أخذ بالتّصاعد مع تكرّر مناظر تلك الوجوه، وفي المساء أُغلقت الغرفة، وبعد قليل طلب شاويش الغرفة من الجميع التّجمّع عند الباب؛ لتوزيعنا على الأسرّة، والشّاويش هو سجين من السّجناءعيّنته إدارة السّجن ويشترط فيه أن يكون مقبولًا عند أغلبيّة السّجناء، وقادرًا على حفظ النّظام في الغرفة...

وضعَ الشّاويش كلّ اثنين تهمتهما متشابهة على سرير واحد؛ لكثرة السّجناء وقلّة الأسرّة، فجاء نصيبي على سرير علويّ بجانب رجل في العقد الرّابع من عمره يظهر على وجهه الأدب والبشاشة، اسمه طاهر ويعمل مدرّسًا، بادرني بالحديث، وسألني عن تهمتي، فأخبرته قصّتي، فقال لي :

*- إذًا أنت سجين سياسيّ.

·        وأنت ما تهمتك؟

*- ضربتُ طالبًا عمره سبع عشرة سنة عندما قام بالتّهجّم عليّ أمام الطلبة، ولو لم أكن الضّارب لصرتُ المضروب، لقد ضربته ضربًا تأديبيًّا، فلم أشقّ له لحمًا ولم أكسرْ له عظمًا، القانون في هذا البلد يريد من المدرّس أن يكون قسّيسًا، إذا ضربه الطّالب على خدّه الأيمن فلكي يستوعبه ويتجنّب العنف فعليه أن يدير له خدّه الأيسر، إننّي لم أشعر بالمرارة في حياتي كما أشعر بها اليوم.

وبعد حديث طويل تخلّلته صلاة العشاء ذهبت إلى دورة المياه، وحين عدت، وجدت المدرّس قد غطّ في نوم عميق، فوقفت أفكّر ماذا أفعل؟! فنوم اثنين في مضجع واحد باستثناء الوالدين مع الأبناء محرّم بنصّ حديث صحيح عن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، ماذا أفعل الآن؟ فقبل ساعات كُشفت عورتي أمام الشرطيّ! والآن لا أجد مكانًا للنّوم إلاّ مع رجل في مضجع واحد! وغدًا لا أدري أيّ محرّم سأضطرّ لارتكابه، يبدو أنَّ الحياة في السّجون لا تسمح لأحد الالتزام بدينه، حتّى لو أراد، الظّاهر أمامي أنّي في وضع استثنائيّ... نمت مع المدرّس في مضجع واحد، مع وجود النّص على حرمة ذلك، بيد أنّي لا أملك ترف الاختيار!

قبل الفجر بقليل أيقظ الشّاويش الجميع، وطلب منهم شطف ساحات المهاجع، وأخذ الشّاويش وثلاثة من مساعديه يوزّعون المسّاحات والمكانس ودلاء الماء على الجميع، ثمّ وزّعوا كلّ مجموعة على ساحة، وبدأ الجميع بالشّطف، لكنّي بقيت ممسكًا بالمكنسة صامتًا، عابسًا واجمًا لا ترمش عيناي، جاءني الشّاويش وقال:

*- خمس دقائق وينتهي كلّ شيء ...هيّا.

رميت المكنسة على الأرض ودخلت إلى الغرفة وجلست على سريري العلويّ وأنا ممتلئ بالغيظ والاكتئاب، أمر الشّاويش مساعديه بتركي وعدم التّعرض لي نهائيًّا، وبعد دقائق نزلت عن السّرير ووقفت أمام النّافذة المطلّة على السّاحة، فرأيت المدرّس يشطف السّاحة بهدوء، فأشرت له بيدي أن يترك المسّاحة ويأتي، فأشار إليّ بالانتظار قليلًا، وبقِيت أنتظر والمدرّس يشطف، فناديته فأشار إليّ بالإشارة السّابقة نفسها فناديته باسمه:

*- طاهر..... يا طاهر

نظر إليّ وبقي يشطف حتّى اكْتمل شطف السّاحة، وعندما جاء المدرّس عاتبته؛ لأنّه لم يرمِ المسّاحة وقَبِل بالإهانة إلى هذه الدّرجة، فأجابني بمرارة وهو مبتسم:

*- لو رميتُ المسّاحة؛ لضربني الشّاويش ومساعدوه، أنا لست مخيّرًا بين الكرامة والإهانة، بل أنا مخيّر بين إهانة الشّاويش ومساعديه وبين إهانة الشّطف، فاخترت أهون الإهانتين، إذا كان ثمن الكرامة هو إهانة أكبر مع عدم الحصول على الكرامة فإنّي لن أدخل في صفقة خاسرة. 

·        أرى ما تقوله منطقيّ، لكنّ فيه رائحة الاستسلام.

*-هذا منطق جماهير النّاس، وهم يحصلون عليه بفطرة ممزوجة بتجاربهم.

·        وممزوجة أيضًا بثقافتهم وإيمانهم وشريعتهم.

*- صحيح، فالشّريعة تعدّل وتهذّب هذا المنطق في نفوسهم، لكنّه يبقى موجودًا، على كلّ الأحوال أنا تعلّمت من تجربتي.

·        وماذا تعلّمت؟

  *- تعلّمت أن أدخل في صراع الحفاظ على كرامتي وهيبتي بوصفي معلّمـًا، فأنا سأظلّ أستعمل الضّرب أداة للتّهذيب والتّأديب للطّلبة المشاغبين وهؤلاء لا يزيدون عن خمسة بالمئة من الطّلاب،

فإذا قدّم أحدهم شكوى ضدّي في مركز الأمن، فعلى الفور سأخرمش صدري وأكشط يدي بدبوس ثمّ أحصل على تقرير طبّيّ من المستشفى وأقدّم شكوى بحقّ الطّالب بأنّه هو من قام بذلك، وعندها ستكون شكوى مقابل شكوى ولن أُسجن.

·        ولكنّك قمت بالكذب والافتراء، وهذا حرام، كما أنّك نزلت إلى مستوًى لا يليق بك!

تنهّد المدرّس عدّة مرّات ونظر إليّ وهزّ رأسه وتابع حديثه:

 *- أنا لم أكذب، ولم أفترِ، إنّما دفعت الظّلم عن نفسي؛ عندما يكون خصمك القانون فلا خيار أمامك إلاّ أن تفعل مثلي، أنا يا أبا ياسمين نموذج لمن خصْمهم القانون ذاته، وأتوقّع أنَّ كلّ شخص أو جماعة يكون القانون خَصْمهم سيقومون بما قمت به، وإلا سيدوسهم القانون برجليه الثقيلتين.

وأثناء كلام المدرّس جاء الشّاويش ووجّه كلامه إليّ:

*- لقد وضعت اليوم مكانك في شطف السّاحات شخصًا ودفعتُ له دينارًا وصدّقني هو الدّينار الوحيد الّذي أملكه.

قمت بإعطاء الشّاويش دينارًا، فلمّا قبض الشّاويش الدّينار، خاطبني راجيًا:

*- أنا محتاج إلى دينارين لمسألة ضروريّة وعاجلة، وأقسم إنّني سأُسدّد لك المبلغ عندما تأتيني زيارة، واحتمال أن تأتيني اليوم مع أنّه احتمال ضعيف؛ لأنّه من النّادر أن تأتيني زيارة يوم الثّلاثاء.

قمت بإعطاء الشّاويش دينارين، فقبضهما وغادر على الفور مسرورًا ابتسم المدرّس وقال:

*- هل أدركت الآن لماذا تركك الشّاويش ومساعدوه ترمي المكنسة وتحافظ على كرامتك؟!

مضت الدّقائق والسّاعات وأنا أفكّر فيما قاله المدرّس محاولًا فهم منطق الصّراع الّذي تحدّث عنه، وبينما نحن جالسان بجوار المسجد سمع المدرّس اسمه من شبّاك الزّيارة، فهرع على الفور، وبعد الزّيارة جاء متجهّمًا فسألته عن سبب تجهّمه، فأخبرني:

*- سوف أخرج اليوم من السّجن بكفالة، بعد أن دفع أهلي لأهل الطّالب مئتي دينار لكي يتنازلوا عن الشّكوى، الله أكبر ما ألدّ خصومة القانون، نصيحتي يا أبا ياسمين إذا واصلت عملك في مقاومة الاستبداد والعمل لتحكيم الشّريعة، فإيّاك أن تسمح للقانون أن يدوسك مثل ما داسني.

وبعد فترة الزّيارة الّتي تستمرّ للسّاعة الواحدة ظهرًا، خرج المدرّس من السّجن ورغم قصر مكوثنا فقد حزنت على فراقه وأحسست بفقدان الونيس، نحن نحتاج إلى الونيس في حياتنا وخصوصًا في الظّروف الاستثنائيّة الّتي تمرّ بنا، وكلّما اشتدّ الألم وزاد الانكسار ازدادت حاجتنا لشخص يكون بجانبنا نعبر معه محطّة الألم ومسافة الانكسار، وتزداد شدّة الألم لدرجة تمنّي الموت إذا عبرت محطّة الألم ومشيت مسافة الانكسار وحيدًا... ياه... ما أقسى الألم والانكسار مع الوحدة، وما أبشع الوحدة مع الألم والانكسار، لقد شعرت في تلك الأيّام الّتي قضيتها وحيدًا بكلّ ذلك.

 بعد العصر، نُقلتُ إلى مهجع (هــ) غرفة (18) وقبل المغرب بقليل دخلت الغرفة وحيدًا، لا أعرف أحدًا ولا أحد يعرفني، أخذت أنظر بهدوء وحذر إلى كلّ من في الغرفة، فالأشخاص المنبطحون على الأرض أكثر ممّن هم على الأَسِرَّة، فعندما دخلت السّجن رأيت وجوهًا مصبوغة بالإجرام تفوح منها رائحة الحثالة، أمّا في هذه الغرفة فصبغة الإجرام على أهلها قاتمة، ورائحة الحثالة أزكمت أنفي، مشيت وسألت الشّاويش عن سريري فضحك وقال:

*- أنت ليس لك سرير، أنت ستنام على الأرض، انظر حولك فقد لاتجد مكانًا لك حتّى على الأرض... أنت، ما تهمتك؟

أخبرته بتهمتي، فتغيرت لهجته وقال مستغربًا:

*- أنت لا يجب أن تكون هنا، مكانك في مهجع الشّيوخ، على كلّ حال يمكنك أن تدفع لنزيل نصف دينار في اليوم وتنام مكانه في السّرير إلى حين نقلك إلى مهجع الشّيوخ.

وقمت بدفع نصف دينار يوميًّا للشّاويش، وقد اكتشفت لاحقًا أنّ عشرة أسرّة تحت سيطرة الشّاويش يقوم بتأجيرها وبيع بعضها أحيانًا، صعدت على السّرير الّذي يشاركني فيه رجل في العقد الخامس من عمره، لم أستطع النّظر في وجهه، وأجمل ما فعله أنّه لم يحاول الحديث معي، أو التقرّب منّي، وفي وسط تراكم الآلام رأيت عند باب الغرفة عشرة أشخاص تقريبًا يهمّون لصلاة المغرب، فهرعت للصّلاة معهم ولمّا أنهينا الصّلاة، قام أحدهم على الفور وأقام الصّلاة، فسألت من بجانبي:

*- ماذا ستصلون؟

·        سنصلّي العشاء، فحن نجمع المغرب والعشاء يوميًّا.

 

تراجعت إلى الخلف خطوات وصلّيت سنّة المغرب، وذهبت إلى سريري، وأنا أرفض في داخلي ما يقومون به، فالجمع بين الصّلاتين يكون في السّفر والمطر والحرج الشّديد، ونحن لسنا على سفر ولا مطر ولسنا في حرج شديد يمنعنا من الصّلاة، وبعد أذان العشاء ذهبت نحو الباب إلى المكان الذي صلّينا فيه المغرب، فوجدته مزدحمًا بالأشخاص المنبطحين ومنهم من يغطّ في نوم عميق، فبحثت في الغرفة عن متّسع؛ لأصلي فيه فلم أجد، وأُصِبتُ بالحيرة والضّيق، ثمّ رجعت إلى سريري وأنا لا أدري ماذا أفعل، فأنا لا أجد أمامي مكانًا أستطيع الصّلاة فيه إلا سريري العلويّ فتوجهت نحو القبلة، وصلّيت على سريري جالسًا، لقد آلمني ما حدث فعلًا، فأنا مخيّر بين الصّلاة في غير وقتها وبين الصّلاة جالسًا كالعاجز، في كلّ يوم في السّجن تضطرّ أن تخالف حكمًا شرعيًّا تؤمن به، يبدو أنّ فقه الضّرورة واسع جدًّا في السّجن، بخلاف الحرّيّة فإنَّ فقه الضّرورة فيها ضيق جدًّا.    

ومضى يوم تلو الأخر وأنا في سجني وحيد، وفي يوم الأحد وهو من أيّام الزّيارة، سمعت اسمي من كبائن الزّيارة، فهجمت على سمّاعة الهاتف بلهفه شديدة،

فرأيت خالدًا ينتظرني خلف الزّجاج الشّفّاف، كنتُ في الحقيقة أنتظره أيّامًا، سألني عن حالي، فأظهرت له عدم اكتراثي بالسّجن، وحاولت بعزيمة صادقة إخفاء كلّ آلامي ومعاناتي، وأخبرته أنّي مرتاح ولا شيء يزعجني سوى بعدي عن الدّعوة، انتهت الزّيارة بعد أن أخبرني خالد أنّه وضع لي مبلغًا من المال وبدلة رياضيّة في الأمانات، والبدلة الريّاضيّة هي لباس السّجناء في العادة داخل السّجون، ودّعت خالدًا وطعم حلاوة لقائه حاضرة في قلبي... كنت أجترّ حلاوة لقاء خالد حين سمعتُ اسمي مرّة أخرى، فتوجهت إلى الكبينة، وفي ذهني أنّ خالدًا نسي أن يخبرني شيئًا، وما إن اقتربت من الكبينة حتّى تراءت لي زوجتي بابتسامة عريضة، رأيتها أعرض من مدينة عمّان بكاملها، غمرتني لذّة المفاجئة وأخذت أتجاذب الحديث معها مبحرًا في صوتها ووجهها، وإذا بيدٍ ناعمةٍ تضرب على كتف زوجتي، فالتـفتُّ إلى صاحبة اليد فإذا بفتاة تلبس الحجاب تبـتسم لي ابتسامة تخطّتْ كلَّ قوى المقاومة والممانعة عندي، فانهمرت دموعي دون قدرة على إيقافها، لقد كانت هذه الفتاة هي أنتِ يا ياسَمين، لملمت قواي المتآكلة والمبعثرة، وقلت لك وعينيّ على حجابك وعلى دموعك الّتي انساحت لدموعي على خدك المضيء بالحجاب:

*- الله يجزيك الخير.... الله يجزيك الخير.... الـــلّـــه يجـــزيك الخـــــير، لقد عرفت كيف تسانديني، لقد كنت في أمسّ الحاجة إلى هذه المساندة، أشكرك يا ياسمين، وسأدعو الله أن يسندك هنا والآن وفي كلّ وقت ومكان.

وأخذتِ تروي لي قصّة ارتدائك الحجاب، وأنَّك إرتـديتِه؛ لأجل الوقوف معي في محنتي، وأنّ الخوف القابع في أعماقك لا يزال موجودًا؛ لكنّ قدرتك على السّيطرة عليه تزداد شيئًا فشيئًا.

انتهت الزّيارة وافترقنا وعيني لا تفارق حجابك، لقد كان مشهد الحجاب عاتيًا وباردًا أطفأ نار معاناتي المشتعلة خلف القضبان، ومشيت نحو المسجد؛ لأجلس وخيالي يتلذّذ بصورة حجابك، لم يوقظني من شرودي إلاّ شريكي في السّرير وهو يطلب منّي دينارًا وأقسم لي أن يقدّم لي مقابل الدينار هديّة ثمينة، أعطيته على الفور مع قناعتي أنه لن يهديني شيئًا، وفي المساء بعد أن جمعنا المغرب والعشاء، جلست على سريري أذكر الله عزّ وجل وأسبّحه، فخاطبني شريكي في السّرير قائلًا:

*- لقد وعدتك بهديّة ثمينة.

 

أومأتُ برأسي، فأخرج من تحت الفرشة مصحفًا متوسّط الحجم وقدّمه إلي، فأخذته بلهفه وأخذت أقلّب صفحاته، فقال لي:

*- هذا المصحف تركه لي رجل كبير السّنّ دخل السّجن بسب كسره لسنّ شابّ سبّ الله جلّ جلاله وسط الشّارع العام على مسامع المارّة، ... لقد كنت أساعد الرّجل العجوز في كثير من شؤونه.

·        أنت ما تهمتك؟

*- تهمتي هي سرقة المواشي، أنا أمارس السّرقة منذ ثلاثين سنّة تقريبًا، مع أنَّ عمري خمس وأربعون سنة، وقد سجنت خلال ثلاثين سنة سبع سنوات متفرّقات.

·        ألم تفكر خلال الثّلاثين سنة في التّوبة؟

*- في كلّ مرّة أسجن فيها أقرّر التّوبة، وما إن أخرج، وأبدأ بالعمل؛ لتحصيل قوت أبنائي، حتّى تبدأ خواطر متعة الحصول على المال الكثير بسرعة تملأ رأسي، وخلال عدّة شهور تتآكل التّوبة في داخلي، وأنسى آلام السّجن وأعود للسّرقة، أعرف سارقًا محترفًا سُجن معي عزم على التّوبة فلمّا خرج قطع يده.

*- قطع يده بنفسه؟

·        نعم قطع يده بيده الأخرى، إنَّه الحلُّ الوحيد...

 

·        يا ليتهم قطعوا يدي منذ ثلاثين سنة؛ لاختصروا عليّ كلّ سنوات الضّياع، هل تعلم أنّ تسعين بالمئة من المتّهمين بالسّرقة في السّجن هم من أصحاب السّوابق، مارسوا السّرقة مرّات ومرّات وبعد انقضاء مدّة محكوميّتهم يعودون أكثر احترافًا.

فاجأني كلام هذا الرّجل رغم تصديقي له، وفكّرت فيه كثيرًا، وقلت لنفسي إنَّ الله وهو الخبير بعباده وضع علاجًا للسّرقة وهو قطع اليد لذلك لا يمكن أن يُقضى على جريمة السّرقة بغير العلاج الّذي وضعه من خلق النّفس البشريّة، كان خالد عند حديثه عن فضل تحكيم الشّريعة يستشهد كثيرًا بحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (حدّ يعمل به في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا) فعندما أسمعه يَستشهد به أتساءل عن علاقة الحدود بإنتاج المال، يبدو أنّ هذا السّارق استطاع أن يجيبني بوضوح عن تساؤلي.

ثم أخذ يقصّ عليّ بعض حكايات السّرقات المميزة في حياته، حتّى وصل لقصّة رجل أعجبه إصراره وعناده،

ورغم ذلك سرق سيّارته بكلّ ما فيها وباعها لمن يشترون السّيارات المسروقة الذين يحوّلونها إلى قطع غيار، قال: وهو مندمج برواية القصّة:

ذهبنا لنسرق الأغنام وإذ برجل ينزل من سيّارته يتربّص بظبي يأكل الأعشاب بين الأشجار، فاصطاده من أوّل طلقة، وعندما ذهب إلى صيده ليحضره، رأى ظبيًا آخر على قمّة الجبل، فأصابه بسرعة تثير العجب، فانقلب الظّبي إلى الجهة الأخرى من الجبل، فصعد ليحضره وبالفعل نزل إلى الجهة المقابلة وصعد به لكنّ الرّجل تزحلق ووقع الظّبي منه، وبقي يتدحرج على السّفح المقابل للجبل حتّى وصل إلى قاعه، كنّا نريد أن نسرق مواشي راعٍ اسمه سالم ولكنّا غيّرنا خطتنا وسرقنا سيارة الرّجل الّذي تدحرج من أعلى الجبل وجدنا في السيارة هاتفه الجوّال، قُدت المركبة وتبعني صديقي بمركبته، ثمّ رميت شريحة الخلويّ على الفور، وصلنا العاصمة عمّان وبعنا السيارة لتاجر يشتري السّيّارات المسروقة، ثمّ نزلنا إلى وسط البلد في شارع سقف السّيل وبعنا الخلويّ، لقد حالفنا الحظّ بشكل غير عاديّ.

لقد كنت أبتسم أثناء رواية القصّة يا ياسمين أتعلمين لماذا؟ لأنّ هذا الرّجل هو أنا وهذه المركبة لي لم أخبره بشيء قط، ولكنّي فتحت المصحف وأخذت أقرأ فيه بهدوء وصمت.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

7

 

بعد أيّام قليلة من زيارتك يا ياسمين نُقِلْتُ إلى مهجع الإسلاميّين، فاستقبِلتُ بحرارة من الجميع رغم أنّهم لا يعرفونني ولم يروني في حياتهم من قبل، كما أصبح لي سرير خاصّ بي وحدي، وصلّينا المغرب دونما جمع... الحمد لله، أنا الآن لست مضطرًّا إلى مخالفة ما أقتنع به من أحكام شرعية، ومع أنّي انتقلت من سجن إلى سجن، فقد شعرت بما يشبه الإفراج، ذكّرني هذا الشّعور بأنواع الاستبداد في عالمنا العربيّ، فكلّ الشّعوب تعيش في سجون تتفاضل فيما بينها في مجال الفسحة للسّجين، لكنّها تبقى سجونا، كما وجدت بينهم دفئًا كنت قد فقدته في المهاجع السّابقة، وشعرت بالمؤانسة بعد الوحدة، لقد جذبوني إليهم بقوّة شديدة، كما كانت عندي في تلك الظّروف القابليّة الشّديدة لقوّة جذبهم، فمهما كان المرء صلبًا لا يستطيع أن يقاوم الماء البارد الحلال في الصّحراء الحارقة، ومهما ارتفعت حرارة المقاومة واشتدَّ عودها فهي لا تعني الكثير إن كنت وحيدًا،

ولا بدّ أن تبتلعك الجماعة بسهولة بعد الشّعور القاسي بالوحدة، ودفء الجماعة يمنحك لذّةً لا تقاوم بعد الإحساس ببرد الوحدة القارص والناّخر في العظام.

في المساء بعد أن صلّينا المغرب بقليل، جاء رجال الأمن وطلبوا منّا جميعا خلع ملابسنا باستثناء السّروال الدّاخلي، فنفّذنا الأمر وخلعنا ملابسنا وهي جميعها بدلات رياضيّة، اشتراها لنا أهلنا من الخارج، ثم قام رجال الأمن بتفتيش الملابس، وجميع أرجاء المهجع ونحن واقفون بالسّراويل الداخلية، وبعد التّفتيش ارتدينا ملابسنا وخرجنا من المهجع في طابور لعدّنا، وقف الشّرطيّ على باب المهجع وكلّما عدّ واحدًا منّا ضربه على كتفه، لقد كانت تتكرّر عمليّة خلع الملابس والتّفتيش مرّتين في الأسبوع أمّا العدّ فكلّ يوم، وكنّا جميعنا نشعر بالإهانة الشّديدة من هذه الأعمال، لكن ما باليد حيلة.

مضت الأيّام، وزادت معرفتي وتعلّقي بالسّجناء الإسلاميّين البالغ عددهم واحدًا وعشرين سجينًا، ثمانية منهم شباب في العقد الثّاني من العمر، متّهمون بالتّخطيط؛ لحرق مصنع لليهود الإسرائليين يعمل على الأرض الأردنيّة،

ومعهم شابّ تاسع لا يزال فارًّا من الشّرطة، وهم لا ينتمون لجماعة ولا يحملون فكرًا مختلفًا عن عامّة النّاس فهم شريحة تمثّل الشّباب الغيور على دينه دون الانتماء لحركة أو فكر معين، وعثمان أحد هؤلاء الثّمانية وهو أميرهم، وأوسعهم صدرًا وأعلمهم بالمسائل الشرعيّة، باسم المحيّا، في كلّ يوم بعد صلاة العشاء يقرأ في دفتر جميل مجلّد بالورق المقوّى الأسود، ويعطي درسًا يومي الأحد والأربعاء بعد صلاة المغرب، تتمحور دروسه حول ثلاثة مواضيع: وجوب تحكيم الشّريعة، والخير العظيم؛ نتيجة تطبيقها وعن الجهاد وفضله وعظم أجره، وعن واقع المسلمين المؤلم وأنّ النّصر قادم لا محالة، وفي أحد دروسه كان يشرح حديث رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: (لتُنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة، فكلّما انتقضت عروة تشبّث النّاس بالّتي تليها فأوّلهنّ نقضًا الحكم وآخرهنّ الصّلاة) وتكلّم في شرح الحديث كلامًا طيّبًا وعميقًا، إلاّ أنّه عدّ من يقوم بنقض عرى الإيمان هي الأمّة والشّعوب، وبعد الدّرس طلبت منه التّعليق فأذن لي بكلّ سرور فقلت له والجميع يسمع:

*- إنّ الّذي ينقض عرى الإسلام ليست الأمّة، بل أعداؤها، إذ إنّ الأمّة تقاوم هذا النّقض،

وفي الحديث ما يشير إلى ذلك فقوله صلّى الله عليه وسلّم (فكلّما انتقضت عروة تشبث النّاس بالّتي تليها) فالأمّة تتشبّث بعرى الإيمان وتقاوم نقضها، وما يؤكد ذلك تصاعد الصّحوة الإسلاميّة دون تراجع، فمشكلة تحكيم الشّريعة ليست مع الأمّة إنّما مع الأنظمة المستبدة والقوى الكبرى المهيمنة علينا.

ردَّ عثمان بمنتهى الأدب:

·        الحقيقة أنَّ كلامك صحيح فكلمة تشبّث في الحديث تدلّ على ما تقول.

جاء وقت العشاء فصلّينا جماعة، ثمّ ذهب كلّ واحد إلى سريره، وقبل منتصف اللّيل بقليل بعد أن نام أغلب الشّباب جاءني عثمان فأنا وهو آخر من ينام، فأنا أمكث لقراءة القرآن حتّى منتصف اللّيل وعثمان يغزوه الأرق بسبب ضَوء الغرفة، فالمهجع يبقى مضاءً طوال اللّيل، جلس وهمس لي:

*- أنا أتيتك ناصحًا، أرجوك ألّا تظهر أيّ اختلاف في الرّأي بينك وبين أحدٍ من السّجناء؛ لأنّ الاختلاف سيتحول بشكل سريع إلى عداوة، والعداوة داخل أسوار السّجن عذاب قد لا تستطيع تحمّله.

·        أيعقل ما تقول، كلّ من في المهجع مسجون لأجل الله، إنّهم أشخاص رائعون وكبار.

 *- نعم هم رائعون وكبار، لكنّ مشكلة الاختلاف في الرّأي ليست مشكلة العاملين للإسلام، بل هي مشكلة الأمّة بأسرها، والسّبب هي الأنظمة المستبدّة الّتي حكمتنا، فهي تُكرِهُـنا على القبول بها وبحكمها ورأيها، وعلى منهج مناقض لحكم الإسلام، هذا الاستبداد والإكراه على النّاس بالقوانين، أثّر فينا على مدى أجيال.

غادر عثمان محاولًا النّوم رغم الإضاءة، وجال في خاطري كلامه وملت إلى موافقته، فالاستبداد يمنعنا من تنمية خلق احترام الاختلاف بيننا، ولكنني أرى أن استبداد القوى الكبرى أشدّ تأثيرا علينا.

وبعد عدّة أيّام قبيل العصر استيقظت من قيلولتي على أصوات مرتفعة، نظرت وإذ بالشّباب الثّماني يتحلّقون حول شاب في نهاية العقد الثّاني من عمره كنيته أبو طلحة، كان الشَّاب التّاسع الّذي كان فارّاً من الشّرطة، اقتربت منهم فلّما رآني عثمان قرّبني من أبي طلحة وعرّفني عليه وأخبره مجاملاً لي:

*-أبو ياسمين كبيرنا وشيخنا، تهمته مجرّد كلمات وآراء فحسب، فقال أبو طلحة مستغربًا ومازحًا:

*- آراء وكلمات فقط، الحمد لله نحن لا نكثر من الكلمات، ثمّ ضحك وضحك الجميع وضحكت معهم، أوّل ما نظرت إلى أبي طلحة رأيت فيه شخصيّة القائد، إنَّ كلَّ ما يلزم القائد فيه، جلس الجميع وأخرج الشّباب كلّ ما عندهم من مأكولات اشتروها من بقالة السّجن كانوا قد ادّخروها لوقت الحاجة أو للتّسلية أحيانًا، وقاموا بتوزيعها على باقي السّجناء ثم أقاموا احتفالًا تلوا فيه معًا قول الله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولّوا فاعلم أنّما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإنّ كثيرًا من النّاس لفاسقون. أفحكم الجاهليّة يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون. يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنّصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظّالمين) لقد كان لتلاوتهم معًا أثرٌ كبير في قلبي رغم أنّي قرأت هذه الآيات كثيرًا لكن لم ألق هذا الأثر الكبير إلّا معهم، ثم أنشدوا معًا بصوت واحد متجانس أنشودة:

لبّيك إسلام البطولة كلّنا نفدي الحمى

لبّيك واجعل من جماجمنا لعزّك سُلّمًا

لبّيك إن عطش اللّوا سكب الشّباب له الدّما

لبّيك... لبّيك... لبّيك...

واستمرّوا بالنّشيد حتّى نهايته، وردّد خلفهم الجميع بصوت واحد، وصبري ومصطفى وقد كانا قبل أن يلتزما دينيًّا من (البلطجيّة) وهما يعرفان كثيرًا من السّجناء الجنائيّين وهما على دراية بكلّ ما يحدث في السّجن عند الجنائيّين. 

 اعتدل عثمان في جلسته وألقى قصيدة شعر عن البذل والتّضحية في سبيل الإسلام وبعد نهاية القصيدة نظر عثمان إلى أبي طلحة وقال:

*- الكلمة لك الآن.

تكلّم أبو طلحة كلامًا موجزًا مؤثّرًا للغاية عن العمل للإسلام والتّضحية في سبيله واستشهد بحديث صحيح سمعته لأوّل مرّة في حياتي، وما زلت أحفظه كاملًا وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم:

(لو أنّ رجلًا يُجَرُّ على وجهه من يوم وُلِد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله عزّ وجلّ؛ لحقَّره يوم القيامة)

ثم ابتهل بالدّعاء:

اللّهمّ يسّر لنا حكمًا بكتابك وسنّة رسولك،

يعزّ فيه أهل طاعتك وترفع فيه رايتك

يا ربّ العالمين وكلّنا نقول آمين ..... آمين.

وبعد الدّعاء شرب أبو طلحة شيئًا من كوب الماء الموجود أمامه وخاطب الجميع وعيناه على الشّباب الثّماني:

*- والآن أنتم، كيف هي أحوالكم هنا؟

أجابه عثمان وأخبره بما يتعرّضون له من خلع لملابسهم وعدّهم كالخراف، وقال متحسّرًا:

*- لكن ما الذي نستطيع فعله؟

أجابه أبو طلحة ببديهة كالبرق:

*- بل نستطيع فعل الكثير، لكن قولوا لي، هل تريدون بقاء حالكم هكذا تخلعون ملابسكم وتقفون بسراويلكم الداخليّة وتُعدّون كالخراف؟ أم تريدون أن تعيشوا في عزّة وكرامة؟

أجابه الجميع بلا تردّد باستثنائي، إنّهم يريدون أن يعيشوا بعزّة وكرامة، عندها رفع أبو طلحة صوته بكلمات اخترقت قلوبنا حماسة:

*- لن نعيش أيّ عزّة ولا أيّ كرامة، بل كرامة المسلم وعزّة المجاهد، وسنحصل عليها إن كان عندنا الاستعداد لدفع ثمن لا سقف له.

 

ثم ّنظر إلى الجميع نظرات كالصّقر وصاح:

*- الثّمن مفتوح لا سقف له، موافقون.

صاح الشّباب الثّمانية بصوت عالٍ والباقون بصوت منخفض قليلًا:

*- موافقون.

فنهض أبو طلحة ومدّ يده وقال:

*- إذنْ نتعاهد على ذلك.

رفع عثمان يده مانعًا الشّباب من وضع أيديهم على يد أبي طلحة وخاطب أبا طلحة:

*- قبل أن نتعاهد، أنت أميرنا منذ هذه اللّحظة.

·        أنا لن أكون الأمير، بل أنت يا عثمان ستبقى الأمير.

*- بما أنّي الأمير فإنّي آمرك أن تصبح الأمير منذ هذه اللّحظة.

ووضع عثمان يده على يد أبي طلحة، وتتابعت الأيدي فوق أيديهم وأنا أنظر مستغربًا، وإذا بعثمان يقبض يدي ويضعها فوق الأيادي.

 

في اليوم التّالي قُرابة السّاعة العاشرة صباحًا جمَّع أبو طلحة أفراد المهجع جميعهم وقال لهم:

*- إنّنا لا نستطيع التّحرّك لنيل عزّتنا وكرامتنا إلاّ إن حصلنا على هاتف خلويّ نستطيع من خلاله الاتصال بالخارج، نخاطب أهلنا ووسائل الإعلام ومنظّمات حقوق الإنسان، حتّى نستطيع الضّغط على إدارة السّجن من الدّاخل والخارج.

فقال له عثمان: من أين لنا بثمن الخلويّ؟ إنَّ الخلويّ الّذي يباع في الخارج بعشرين دينارًا يباع داخل السّجن بمئتي دينار.

قال أبو طلحة بعزيمة صادقة:

*- حتّى لو بألف دينار سنشتريه، فنحن من غير مساندة أهلنا في الخارج سنُسْحَق وسنَفشل والفشل سيزيدنا ذلًّا ومهانة.

ضرب أبو طلحة بيده على الأرض وفرش بطانيّة ودعا الجميع إلى التّبرع؛ لشراء الهاتف، فتبرّع الجميع بكلّ ما يملكون لم يُبقِ أحد منهم شيئًا إلّا وتبرع به سواي فلم أتبرّع وبقيت واقفًا، جمع أبو طلحة المبلغ فوجده أربعة وخمسين دينارًا، فتنهّد متحسّرًا وقال:

 

*- هذا المبلغ لا يفعل شيئًا، نحتاج إلى عدّة أسابيع لجمع مبلغ مئتي دينار.

فاقتربت منه، ووضعت أمامه مئتي دينار وقلت له:

*- أخبرني إن احتجت أكثر.

لقد نظر إليّ الجميع بمشاعر فيّاضة بالامتنان وشكروني على ذلك، وعلى الفور أعطى أبو طلحة المبلغ لمصطفى وصبري، وطلب منهما إحضار الهاتف الخلويّ اليوم، وبعد توزيع طعام الغداء أحضر صبري ومصطفى خلويًّا متواضعًا فيه خط مشحون بدينار تقريبًا، دفعوا ثمنه مئتي دينار، وهو لا يساوي خارج السّجن عشرة دنانير، طلب أبو طلحة من الجميع الحصول على أرقام آبائهم أو إخوانهم عند أوّل زيارة، وبالفعل حصل الجميع على الأرقام وخُزِّنتْ على الهاتف الخلويّ، ومرّ يومان على شراء الخلويّ وجاء الأمن للتّفتيش كالعادة، فرفض الجميع خلع ملابسهم، فحاول الأمن تمزيق ملابسنا، فقاوم الجميع ودخلوا المهجع وغلّقوا الباب بالأسرّة، وكان الأمن قد مزّق بعضًا من ملابسنا قبل دخولنا المهجع، حضرت إدارة السّجن فخاطبهم أبو طلحة بصوته المؤثر:

*- يجب أن تعلموا، أنّنا لن نخلع ملابسنا إلاّ ونحن جثث هامدة، ونحن نعلمُكم أنّنا مضربون عن الطّعام منذ هذه اللّحظة وحتّى الموت أو التّوقف عن إهانتنا وإذلالنا.

وبعد مشادّات بين الطّرفين وتهديد الأمن باقتحام المهجع وتهديد أبو طلحة بالمقاومة حتّى الموت، اتّفق الطّرفان على التّفتيش دون خلع الملابس.

لقد أحسّ الجميع بمشاعر النّصر التي غابت عنّا كثيرًا، كما زادت ثقة الجميع بأبي طلحة وبأنفسهم، وأخذت مشاعر الانتصار والثّقة بالنّفس تدقُّ بعنف جدران اليأس، وتضرب بقوّة مشاعر قلّة الحيلة، كما زاد تماسك الجميع، وازدادت سماكة حبال الود والتّعاطف بيننا، الحقيقة يا ياسمين لم أكن أتخيّل مدى فاعليّة مشاعر النّجاح والانتصار على حياة البشر، فلا تستطيع أمّة من الأمم أن تندفع إلى الأمام دونها، ولن تقدر أن تعيش مرفوعة الرّأس دونها.

أمّا أنا فتساءلت بحيرة عميقة، هل يمكن أن توجد العزّة والكرامة في وسط السّجن الّذي هو بذاته ذلّ وإهانة؟!

هل يمكن أن يتّشكل من لبنات الإذلال والتّركيع بناء من العزّة والكرامة؟!

هل يمكن أن يعيش الإنسان مرفوع الرّأس وهو يسير في نفق من الذّلّ والهوان؟!

هذه التّساؤلات كان أبو طلحة يحاول الإجابة عليها عمليًّا بفطرته العملاقة.

طلب أبو طلحة من كلّ واحد الاتّصال بأهله وحثّهم على الذّهاب إلى منظّمات حقوق الإنسان ولجنة الحرّيّات في مجمع النّقابات المهنيّة ووسائل الإعلام الكبيرة؛ ليشرحوا لهم معاناتنا وتعرّضنا للإهانة والمعاملة السّيّئة داخل السّجن، وبعد بضعة أيّام تأكّد أبو طلحة أنّ قضيّتنا وصلت إلى الخارج، فبدأ بالخطوة التّالية، فعندما خرجنا؛ لنُعدّ اصطفّ أبو طلحة الخامس وصبري العاشر ومصطفى الخامس عشر، فبدأ الشّرطيّ كعادته بعدّنا مع ضربة على الكتف، وعندما ضرب كتف أبي طلحة توقّف أبو طلحة وجحره وخاطبه:

*- أرجوك أن تقوم بالعدّ دون ضرب.

لكنّ الشّرطيّ عاجله بدفعه إلى الدّاخل بقوّة، وكرّر صبري ومصطفى فعل أبي طلحة...

بعد أيّام طلب أبو طلحة من الجميع دون استثناء فعل ما فعله هو وصبري ومصطفى واستمرّوا على ذلك حتّى أحسّ أبو طلحة أنّ الضّغط الخارجيّ بدأ يؤثّر، وأحسّ أيضًا أنّ ضربة الشّرطي أصبحت ضعيفة على الأكتاف، في تلك اللّحظات تقدّم أبو طلحة خطوة إلى الأمام وطلب من الجميع أن يمسكوا يد الشّرطيّ عند قيامه بالضّرب على الكتف، وحدث ما اتُّفِقَ عليه فحصل احتكاك بين الشّباب والشّرطيّ نتج عنه وصول تعزيزات من الأمن، فدخل الجميع إلى المهجع وأعلن أبو طلحة إضرابًا مفتوحًا عن الطّعام وأنّهم لن يخرجوا بعد اليوم للعدّ، وبقينا مضربين عن الطّعام ومعتصمين داخل المهجع أسبوعًا، حتّى ازداد الضّغط الخارجيّ واضطرّت إدارة السّجن إلى قبول العدّ ونحن داخل المهجع واقفون بجانب أسرّتنا، وأصبحنا نُعدُّ دونما طابور أو ضرب على الكتف، هذا النّجاح زاد من ثقة الجميع بأنفسهم، وأنّهم قادرون أن يفعلوا شيئًا رغم أنّهم في الأسر، وأكثر ما لفت نظري في تلك الأيّام غياب الهمّ والغمّ والحزن، وهذا ذكّرني بحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (جاهدوا في سبيل الله فإنّ الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنّة ينجي الله تبارك وتعالى به من الهمّ والغمّ)، وقد عرفت من الحديث أنّ النّضال والكفاح لأجل هدف يرضاه الله؛

يجلي الحزن ويجلخ الهمّ ويبعد الغمّ عن الإنسان، فمشاعر الهمّ والحزن تجعل النّفوس ثقيلةً ودائرةً في فلك ذاتها، وملقيةً على شموع الأمل ماءً باردًا فلا بدّ لمن أراد أن يمشي إلى الأمام ويرى الأشياء بوضوح أن يحافظ على استمرار الكفاح حتّى لو كان الكفاح من أجل بقاء الكفاح، لقد تولّدت عندي قناعة من تجربتي مع أبي طلحة أنَّني أستطيع أن أسبح مرفوع الرّأس وسط بحر من الذّلّ والهوان مع أن رفع الرّأس أمرٌ شكليّ لا يغيّر من طبيعة البحر شيئًا؛ لكنّه مهمّ حتّى لا نغرق، إنَّ إشعال أعواد الثّقاب وسط عتمة الهوان الحالك لا يبدّد شيئًا من الظّلام إلاّ لحظات، ولكنّ هذه اللّحظات ضروريّة حتّى لا نصاب بالعمى، فقد لا نرَ الضّياء حتّى لو جاء ساطعًا.

وفي تلك الفترة جاءنا شيخ كبير السّن اسمه أبو حسّان، في أواخر العقد الخامس من عمره، أوقفه المحافظ بسبب خطبة جمعة خطبها دون إذن من الأوقاف، أبو حسّان من أبناء الحركة الإسلاميّة وبحكم سنّه ظلّ قريبا منّي، بدأ أبو حسان بكتابة خطابات موقّعة من الجميع إلى مدير السّجن، ومدير دائرة السّجون، ووزارة الدّاخليّة؛ ليسمحوا لنا أن نطلب شراء بعض احتياجاتنا من خارج السّجن مرّة كلّ أسبوع. 

ربّما للهجة الخطابات الودّية والأسباب المقنعة؛ قد جعلتهم يوافقون على ذلك، بعدها بدأ أبو حسّان بشراء كلّ ما يلزم لعمل المخلّلات وخلّ التفاح، وأصبح عندنا تشكيلة كبيرة من المخلّلات، ثم أحضر أواني بلاستيكيّة وزرع فيها النعناع، ثمّ أقنع ثلاثة من السّجناء الإسلاميّين بالتّقدم إلى امتحان الثانويّة العامّة، لم يكن أبو حسان صداميًّا مع إدارة السّجن، ممّا جعل نفعه كثيرًا لنا جميعًا ومخفّفا عنّا من ضغوط السّجن المؤلمة، بأسلوب مختلف عن أسلوب أبي طلحة... كان أسلوبه رائعًا وسهلًا ونافعًا، لم يقلّ نفعًا عن أسلوب أبي طلحة.

 وبعد الإفراج عن أبي حسان بأسبوعين تقريبًا، جاءت زوجة عثمان إلى السّجن وهي امرأة منقّبة لزيارة زوجها، وفي العادة فإنّ زوّار السجناء الإسلاميّين يعاملون معاملة حسنة ولا سيّما النّساء، إلاّ أنّ أحد ضبّاط الأمن الوقائيّ الرّافض لإعطاء أيّ ميزة حصل عليها الإسلاميّون سابقًا، طلب من الشّرطة النّسائيّة تفتيش زوجة عثمان تفتيشًا كاملًا، وقامت الشّرطة النّسائيّة بتنفيذ الأمر وأدخلتها إلى غرفة التّفتيش، حيث جُرِّدت من كلّ ملابسها باستثناء الملابس الدّاخلية،

وبعد انتهاء التّفتيش، خرجت زوجة عثمان بنقابها نحو شبك الزّيارة تبكي، فاستقبلها زوجها باشتياقٍ ملتهب، وابتسامات متدفّقة وفرحة نهاية الانتظار، بينما استقبلته الزوجة المكلومة بدموع وصوت بكاء مكتسٍ بالحشرجة، فسألها حائرًا عن سبب البكاء، فأخبرته ما حدث، فطلب منها أن تنظر خلفها وتحاول أن تتعرّف على الضّابط، نظرت خلفها وأشارت إليه بطرف خفيّ فعرفه عثمان، لقد كان الضّابط لؤي، تمامًا كما توقّع، غيَّر عثمان الموضوع وسألها عن ابنهما حمزة، طلب منها أن تأتي به في المرة المقبلة، انتهت الزّيارة، وعاد عثمان إلى المهجع وهو يفيض حزنًا وقهرًا والأقسى من ذلك إحساسه بالعجز والانكسار أمام زوجته، فكلّما فكّر بما يستطيع فعله يصل إلى نتيجة أنّه غير قادر على فعل أيّ شيء دون دفع ثمن باهظ، هو ببساطة خسارة قاسية لكلّ نزلاء المهجع وهذه الحسابات تزيد من غليانه ومعاناته.

صعد عثمان على سريره ووضع الوسادة على رأسه، ولمّا حانت صلاة العصر تجمّع الجميع لأداء الصّلاة، بقي عثمان في سريره، فذهب أبو طلحة لإيقاظه، رفع أبو طلحة الوسادة فوجده يبكي بصمت، صدم أبو طلحة من رؤية دموع عثمان،

علم أبو طلحة أنّ هذه الدّموع لم تنزل إلّا لشيء عظيم، فعثمان صديق عمره وشيخه وهي أوّل مرّة يرى عينيه تغرقان بالدّموع، فعثمان صلب عصيُّ الدّمع، فسأل أبو طلحة شيخه وخليله بدهشة عن سبب دموعه وعثمان يتهرّب من الإجابة معلّلًا ذلك بأنّها مسألة خاصة، تركه أبو طلحة وبعد أن صلّينا العصر اختلى أبو طلحة بصديق عمره، وأصرّ عليه أن يخبره عن سرّ حزنه، وتحت ضغط أبو طلحة وإلحاحه لم يجد عثمان مفرًّا من مصارحته بالحقيقة، فقصّ عليه ما حدث مع زوجته وختم عثمان كلامه بقوله:

*- ولكن يا أبا طلحة، ماذا عسانا أن نفعل؟

وكعادته أجاب أبو طلحة كالبرق وضرب السّرير بعنف وحزم:

*- بل نستطيع، وسوف ترى أنّنا نستطيع أن نفعل الكثير، الكثير الكثير.

نادى أبو طلحة على مصطفى وصبري، وقصّ عليهما خبر ما جرى لزوجة عثمان، وطلب منهما بكل حزم وعزم وغضب:

*- اذهبا إلى الضّابط لؤي، وأخبراه أنّ لديكما معلومات مهمّة يجب أن يسمعها على انفراد وعندما تنفردان به اكسرا إحدى عظامه وقولا له" إنَّ من يكسر خاطر أعراض المجاهدين؛

تُكسر عظامه" فإن كُسرت إحدى عظامه فـصيحا (الله أكبر ولله الحمد) وإن لم تستطيعا فعل ذلك فصيحا (الله أكبر) فقط.

هزّ كلّ منهما رأسه دون أيّ جدال أو اعتراض، رغم علمهما أنّ جزاء من يعتدي جسديًّا على ضابط هو الشّبح والضّرب بكيبل من النّحاس يفوق تحمّل البشر، ومع علمهما بكلّ ذلك ذهبا؛ لتنفيذ الاتفاق، لقد كنت خائفًا في تلك اللّحظات، وحزينًا أكثر وأنا أتأمّل الشّباب الجالسين مترقبين ماذا سيجري، ظللّت أتأمّلهم وهم في وسط السّجن، يكفّنهم الأسر وهم أحياء، لم يطيقوا رؤية شريعة الله تُقذف خلف قضبان السّجون السّحيقة، لم يتحملوا رؤية حكم الإسلام يجرّ على وجهه ليل نهار، أراهم يمشون عراة وثلج الاستبداد يتساقط عليهم، أراهم يتقلّبون على صحراء حارقة من القوانين العرفيّة وأسلاك موالاة أعداء الإسلام الشّائكة تعصر كلّ ذرّة من لحمهم، وفي وسط التّرقّب والصّمت سمعنا صوت تكبير مصطفى وصبري (الله أكبر ولله الحمد)، لقد قاما بكسر أحد أضلاع صدر الضابط لؤي، وتجمّع الأمن وقاموا بشبحهما وجلدهما بكوابل النّحاس، وكالبرق هجم الشّباب السّبعة واختطفوا شرطيّين وأدخلوهما إلى المهجع،

وخرج أبو طلحة وصاح بأعلى صوته الّذي اخترق الجدران والأبواب وكلّ القلوب:

*- إن ضربتموهما ضربناهما..... وإن جلدتموهما جلدناهما ..... وإن قتلتموهما قتلناهما... والحرمات قصاص، وأقول لكم هذا جزاء من يكسر خواطر أعراض المجاهدين، هذا جزاؤه اليوم وغدًا، هذا جزاؤه في السّجن وخارج السّجن وفي حضن أمّه.

سمعت إدارة السّجن كلمات أبي طلحة في حادثة غير مسبوقة في تاريخ السّجون الأردنيّة، فسأل مدير السّجن عن علاقتهم بكسر خاطر أعراضهم، فأخبرته الشّرطة النّسائيّة بما حدث فنظر إلى من حوله وقال:

*-نحن لا نفـتّـش زوّار الإسلاميّين ولاسيّما النّساء، ألم أعطِ تعليماتٍ أنّي لا أريد أيّ استفزاز لهم؟!

وبقينا في المهجع نترقّب بخوف وحذر ماذا سيجري، وجاء وقت المغرب وصلّى الشّرطيّان معنا، وقبيل العشاء جاء الأمن برفقة مصطفى وصبري، ولمّا دخلا المهجع غادر الشّرطيّان وجلس مصطفى وصبري يقصّان علينا ما فعلاه، وأبو طلحة يقصّ عليهما كيف اختُطِف الشرطيّان،

وبعد أن تفرّق الجميع ورجعوا إلى أسرّتهم اختليت بعثمان وأبي طلحة وسألت أبا طلحة وعيني على يد عثمان ممسكًا الدّفتر الأسود الجميل الصّغير الّذي يقرأ فيه كلّ مساء:

*- ماذا كنت ستفعل لو أصرّ الأمن على اقتحام المهجع ودخلوه فعلًا؟!

·        لا شيء كنت سأسلّم الشرطيّين لهما.

*- بهذه البساطة؟!

·        نعم، بتلك البساطة، الحنكة أن تستطيع إقناع من في مقابلك أنّ تضحيتك بلا حدود، وفي هذه الحالة هو لن يستطيع أن يقوم بحسابات صحيحة، الشّيء الّذي تعرف ثمنه تستطيع أن تحطّمه إذا امتلكت الثّمن، أمّا ما لا تعرف ثمنه فإنّك ستفكّر كثيرًا قبل تحطيمه؛ حتّى لو امتلكت الكثير الكثير من القوّة والمال، عندما تخوض صراعًا يا أبا ياسمين إيّاك أن تجعل خصمك يعرف حدودك قوَّتك أو قدرتك على دفع ثمنك، فإن عرف ثمنك فإنّك مهما فعلت ستبقى رخيصًا.

 *- ما تقوله جميل، ولكنّه بعيد عن فقه الواقع... الواقع أنّنا في سجن... أنت لعبت بالنّار وكدت أن تحرقنا جميعًا.

·        ولكن أنتم الآن في برد وسلام لم يحترق منكم أحد.

*- لم يحترق منّا أحد حتّى هذه اللّحظة، القضية لم تنتهِ، بل نحن في بدايتها، مدير السّجن رجل طيّب وحكيم، لكنّه ليس صاحب قرار مع السّجناء الإسلاميّين، القرار هو للمخابرات العامّة، والمخابرات العامّة لن تسمح أن يمرَّ ما حدث دون عقاب شديد.

·        هدفي من كل ذلك أن تعيشوا في سجنكم بعزّة وكرامة.

*- ولكن ما قمت به ستكون نتائجه أن نعيش في ذلّ وشقاء فوق ذلّ السّجن وشقائه، يا أبا طلحة من أهداف الجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا، فاذا قاتل قوم وكانت النتيجة تنكيس راية الله أقلّ ما يقال لهم: إنّكم أخطأتم في الحسابات، ومن أهداف الجهاد حماية المستضعفين من الرّجال والأطفال والنّساء فإذا قاتل قوم وكانت النّتيجة قتل المستضعفين وتشريدهم وانتهاك حرماتهم، نقول لهم توقفوا، راجعوا حساباتكم، للجهاد أهداف وللنّضال أهداف، وللكفاح أهداف فإذا كانت النّتائج عكس الأهداف وجبَ التَّوقّف والمراجعة...

بعد أسبوع من حادثة اختطاف الشّرطيَّين أُبلغ صبري ومصطفى بموعد جلسة المحكمة بتهمة الاعتداء على الضّابط لؤي،

في تلك اللّحظة أدرك أبو طلحة ما يحاك لهم فطلب عقد اجتماع لسجناء المهجع كافّة وخاطبهم قائلًا:

*- من الآن فصاعدًا سوف نتعرض جميعًا لاستفزازات كثيرة؛ عقابًا على ما قمنا به من خطف الشّرطيَّين وعلينا أن نخفّف العقاب قدر استطاعتنا، صبري ومصطفى أنتما عليكما أثناء الذّهاب للمحكمة أن تصبرا على كلّ الإهانات وإيّاكما أن تقوما بأيّ ردّة فعل مهما كان الاستفزاز كبيرًا.

وفي يوم جلسة محكمة صبري ومصطفى صباحًا، طلب الشّرطيّ من الجميع الخروج من المهجع للعدد وعلى كلّ واحد منّا خلع ملابسه باستثناء الملابس الدّاخليّة، ابتسم أبو طلحة وخرج أوّلنا وقام بخلع ملابسه أمام الجميع بمشهد كسر قلوبنا جميعًا ونال إعجابي الشّديد...

خلعنا ملابسنا وفُتشّنا ثمّ حملَ كلّ منّا ملابسه واصطففنا طابورًا، عُدِدنا مع ضربة قوية بيد الشّرطيّ على ظهورنا، لقد تراجعنا إلى الوراء إلى ما قبل المربّع الأوّل في نضالنا، وعدنا من حيث أتينا!

 

دخلنا المهجع ولبس كلّ منّا ملابسه وسط صمت حزين وقاسٍ، قطعه صوت الشّرطيّ مناديًا مصطفى وصبري إلى جلسة المحكمة، اتّجه مصطفى وصبري نحو باب المهجع فأوقفهما أبو طلحة وقال لهما:

*- كما اتفقنا، لا تعطيا أيّ مبرّرٍ للّتنكيل بكما وبنا أيضًا... ليس أمامنا الآن سوى الصّبر... وإنّ الله مع الصابرين.

اقتربت من أبي طلحة بعد مغادرة مصطفى وصبري وقبّلت رأسه وقلت له:

*- قليل من الرّجال الشّجعان الذين يستطيعون الانحناء أمام العاصفة، والأصعب من ذلك أن يكون الانحناء داخل السجن، النّضال مع الانحناء أصعب بكثير وأنت على صهوة جوادك.

·        سأجعل من الانحناء أمام العاصفة، قضية جديدة للنّضال، دون أن أنسى، أن أقاوم مشاعر الانحناء، وأفكار الانحناء.

ورغم قناعتي بخطأ تصرّف أبي طلحة بخطف الشّرطيَّين فقد ازداد إعجابي به وحبّي له، فهو رجل عسكريّ نادر، عنده فطرة عسكريّة عملاقة،

لديه القدرة على اتّخاذ القرار ووضع الخطّة خلال لحظات، إنّه يمتلك رؤية واضحة عند الشّروع بأيّ عمل، كما أنّه يمتلك القدرة والشّجاعة لتنفيذ الخطّة الّتي يضعها.

أبو طلحة يوهمك أنّه انتحاريّ مع أنّه حريص على البقاء لنفسه ولإخوانه - كما يحبّ أن يسمّيهم- يُشْعِرك ويُـقْــنِعك عند الاعتداء عليه أو على من معه أنّه مجنون لا يعي ما يفعل وأنّه مستعدّ أن يحرق السّجن بمن فيه، مع أنّه في الحقيقة في منتهى العقل والحكمة، كثيرًا ما كنت أنظر إلى أبي طلحة وأقول لنفسي:

*- من الخسارة أن يكون هذا العسكريّ العبقريّ الشّجاع داخل السّجن، من الخسارة أن يكون هذا الأسد في القفص.

 أبو طلحة يريد إخراجنا من جوّ السّجن، حتّى ننسى أنّنا داخل سجن كئيب، صنع لنا قضيّة وخاض بنا معارك لأجلها، هذه القضيّة هي مقاومة الانكسار أو القابليّة للانكسار.

بعد شهر من حادثة اختطاف الشّرطيَّين نُقِلَ صبري ومصطفى إلى سجن آخر ثمّ توالى نقْلُ شباب قضيّة أبو طلحة ولم يبقَ إلّا أبو طلحة وأبو حمزة من الشّباب التّسعة،

 

واستمرّ حالنا نخلع ملابسنا ونقف طابورًا خارج المهجع ونُضرَب على ظهورنا عند العدّ، إلّا أنَّ أبا طلحة أخذ يفكّر بصوت عالٍ أمام الجميع كيف نتخلّص من خلع ملابسنا عند العدّ، وعندما شرع في التّخطيط لذلك، سألته:

*- لماذا تجعلنا في حالة تأهّب واستعداد دائم وكأنّنا في حرب مع أنّنا داخل جدران السّجن؟

ارتسمت على وجهه ابتسامة في غاية الجمال والّذكاء وقال:

*- يجب أن نبقى في حركة دائمة، حتّى لو كانت حركتنا في المكان نفسه، فالحركة بحدّ ذاتها هدف؛ لأنّ الماء الرّاكد يفسد وتخرج رائحته، الحركة تزيل الحزن والاكتئاب، وتخفّف وساوس الشّيطان، الحركة ضروريّة؛ لنبقى في لياقة دائمة، ولا تتكلّس عظامنا، فتأتي فرصة للحركة فلا نستطيع التّقدّم ونبقى عاجزين عن الحركة رغم أنّ الطّريق مفتوح وميسر، أنا لا أخفي عليك، وهذا السّرّ لك فقط، في كلّ فترة لا بدّ لي من موضوع أحرّك الجميع نحوه، مع تجنّب الفشل لأقصى حدّ؛ لأنّ الفشل يرجعنا إلى الوراء بل أكثر من الوراء، يا أبا ياسمين... نحن لا نريد أن يدمّرنا السّجن تدميرًا شاملًا، سنعمل؛ لنخرج من السّجن  ونحن قادرون على السّير قدمًا في الطّريق.

·        ما تقوله جميل، لكنّ تنفيذه داخل السّجن أظنّ أنّ له طريقة مختلفة عن الطّريقة الّتي سلكتها انظر إلى النتيجة، النّتيجة كانت تشتيت إخوانك أبناء قضيّتك، وأصبح كلّ واحد منهم في سجن مختلف، وحيدًا بعيدًا عن أخيه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

8

 

بدأت محاكمتي وخلال عشرة أيّام عُقِدت فيها أربع جلسات، حُكم علي بالسّجن مدّة سنة، وسنة السّجن تعادل تسعة أشهر، مضى منهما سبعة وتسعون يومًا وبعد الحكم عليّ بأيّام جاءت ناهد لزيارتي، وهي زيارتها الأولى، ورغم عتبي الشّديد عليها إلاّ أنّني سررت جدًّا بزيارتها، أحسست في البداية بالإحراج وشيءٍ من الضّيق؛ لمجيئها بملابس ضيّقة حاسرة الرّأس، فهي لم تغيّر من لباسها المعتاد شيئًا، لكنّ هذه المشاعر ذهبت سريعًا عندما سمعت صوتها، لقد رأيت في وجهها وصوتها وعيونها اشتياقـا كبيرًا لي، فهي فتاة واضحة جدًّا تقرؤها بسهولة وسرعة كبيرة، وخلال حديثي معها أظهرتُ لها أنّي أعيش حياة عاديّة لا فرق كبير بينها وبين الخارج، ولا شيء يضايقني، وأثناء حديثي مع ناهد، ظهر فجأة أبو طلحة واستأذنني وخطف سمّاعة الهاتف من يدي بسرعة، وأخذ يكلّم ناهد غاضًّا بصره موضّحًا معاناتنا، وأخذ عليها العهد أن توصل هذه المعاناة إلى من تستطيع، وقد أعطته ناهد العهد على ذلك، وانتهت الزّيارة....

لقد دمّر أبو طلحة محاولتي إقناع ناهد أنّي مسرور وأعيش حياة عاديّة، ولكن ربّ ضارّة نافعة، فقد أثّر كلام أبي طلحة بناهد وجعلها تفي بعهدها وتشعر بمعاناة أبيها.

لقد ظنّ أبو طلحة أنّ ناهد عاملة في منظّمات حقوق الإنسان، وفي المساء سألني أبو طلحة:

*- هل ستصدقنا تلك الفتاة الوعد؟

·        أنا متأكّد أنّها ستـفي بعهدها كاملًا.

*- ولماذا أنت متأكّد إلى هذه الدرجة؟

·        لأنّي رأيت فيها الصّدق.

*- نعم، وأنا أحسست في صوتها الصّدق...

ذهبت إلى سريري وأنا في غاية السّرور برؤية ناهد، ورغم أنّي لم أتكلّم معها كثيرًا فقد أمتعني قرب قلبها منّي، لقد دعوت لها كثيرًا بالهداية والتوفيق في حياتها، إنّها فتاة واضحة طيّبة، بيد أنّها عنيدة وجموح ومعتزّة بذاتها جدًّا، أكثر ما أخاف عليها منه هو فشلها في زواجها، فأمثالها من الفتيات يصعب عليهن التّوافق مع الرّجال ويصعب على الرجال استيعابهنّ، ومثيلاتها في الأغلب تنتهي حياتهنّ الزّوجيّة بالفراق،

لكم دعوت لها في الثّلث الأخير من اللّيل دعاءً أكرّره في كلّ مرّة، أدعو مع شعور يتملّكني أنّ الله لن يردّني خائبًا، كنت أدعو:

*- اللّهمّ إن أردت أن تكافئني على أيّام السّجن في سبيلك فاجعل مكافأتي في ابنتي ناهد أن تهديها وتيسّر لها زوجًا صالحًا يحبّها ويستوعبها ويحترمها وهو مسرور منها، وما ذلك عليك صعب يا ربَّ العالمين يا صاحب القدرة بلا حدود.

وأنت يا ياسمين لقد دعوت لك بما لا يقلّ عن ذلك، لم أكن أخشى عليك كما كنت أخشى على أختك ناهد لقد كنت دائمًا أدعو لك أن يسندك هنا والآن وفي كلّ وقتٍ وآنٍ.

وبعد شهر تقريبًا حُكم على أبي طلحة وأصدقائه؛ حُكمَ على أبي طلحة وعثمان بالسّجن عشر سنوات، وصبري ومصطفى سبع سنوات والباقيين خمس سنوات لكلّ واحد منهم، لقد توقعوا أن يُحكموا من سنة إلى سنتين؛ لأنّهم لم يباشروا الحرق ولم يقتربوا من المصنع فقد ضُبطوا قبل موعد التّـنـفـيذ بأيّام، ورغم صدمة الدّهشة الّتي أصابتهم جميعًا إلاّ أنّهم غير نادمين ولا مكسورين، لقد استعدّوا لهذا اليوم القاسي، وأقاموا في نفوسهم سورًا ضخمًا من أحجار ورمال القيم الرّفيعة،

والبذل لأمر أكبر من ذواتهم وأكبر منحياتهم، أخطاؤهم كثيرة، ولكنّهم يفيضون غيرة على الإسلام وأهله، اختلفت معهم كثيرًا في آرائهم وطريقة مقاومتهم لكنّني لا أملك إلاّ أن أعشقهم في الله، تأمّلتهم مرارًا وتكرارًا، قبل الحكم عليهم وبعده، فوجدتهم شبابًا صابرين، مؤمنين بعمق بقضيّتهم، إنّهم ذوي إحساس مرهف بقضيّة تحكيم الشّريعة واغتصاب عرشها، وفي أكثر من مرّة سمعت أبا طلحة وهو يخاطب الجميع:

*- لسنا من صنع المشكلة، نحن ردّة فعل على جريمة بشعة، نحن ردّة فعل على التّمادي في انتهاك حرمات الله، الفرق بيننا وبين الكثير من النّاس أنّنا أردنا أن نثأر للشّريعة وأهلها أمّا هم فحرارة الثّأر في قلوبهم فاترة.

الحقيقة الواضحة أن ليس لك خيار إلاّ أن تحبّهم، فعندما ترى الشّريعة الّتي تحبّها وتعشقها وتقدّسها تهان إهانة قادحة، لا تملك إلّا أن تحبّهم، عندما تسمع صرخات الإسلام وهو مكبّل بالأغلال والقيود، تلك الصّرخات الّتي تفجّر القلب والعروق والدّموع، لا خيار لك إلّا أن تحبّهم، عندما ترى قبور أحكام الله، تراها في جوف قبورها حيّةً عظيمةً تدفنها الرّمال الحزينة، فلا تستطيع إلاّ أن تعشق كلّ من في المهجع،

أظنّ والله أعلم أنّ الإسلام يحبّهم أيضًا، فقد سُجنوا لأجله، هم ليسوا علماء بأحكام الشّريعة، ولكنّهم يحاولون الدّفاع عنها حسب فهمهم وقدرتهم ويهجمون على الآلام مبتسمين لتخفيف آلام الإسلام ومعاناته، وحاولوا الدّفاع عنه قدر ما يستطيعون كلٌّ حسب اجتهاده، منهم من أصاب، ومنهم من أخطأ ورغم كلّ ذلك أظنّ أنّ الإسلام يحبّهم وأنا كذلك أحبّهم وسأبقى أحبّهم دائمًا.

 

لطالما كنت أرى عثمان بعد صلاة العشاء يقرأ في دفتر صغير أسود جميل جدًّا بحجم الكفّ، وتراودني نفسي أن أسأله عنه وفي كلّ مرّة أتراجع وفي هذه المرّة عزمت وسألته، فأجابني:

*- هذا الدّفتر له قصّة غريبة، ومع ذلك أصدّقها من كلّ قلبي.

ازداد فضولي وشوقي أكثر فطلبت منه سماع القصّة، فروى لي قصّة هي غريبة بالفعل:

*- قبل أن تأتينا بأسابيع جاءنا طبيب في العقد السّابع من عمره، موقوف بسبب نشاط له يتعلّق بمقاومة التّطبيع مع الدّولة اليهوديّة،

وفي المساء بعد صلاة العشاء أخرج الطّبيب هذا الدّفتر من تحت مشدّ عضل يحيط بعضده، وأخذ يقرأ فيه، ويكرّر ذلك في كلّ ليلة في وقت محدّد، فسألته يومًا عن الدّفتر، وماذا يقرأ، فأخبرني قصّة هذا الدّفتر، قال إنّه رأى في المنام أطفالًا رضّعًا يرفضون الرّضاعة من أمّهاتهم وهم يصرخون جوعًا والموت يحصدهم واحدًا تلو الآخر، إلًا طفلًّا واحدًّا يرضع من أمّه هادئًا مطمئنًّا وأمّه تمسك بيدها هذا الدّفتر نفسه شكلًا ومضمونًا، وتقرأ فيه آيات من القرآن الكريم موضوعها حقّ شريعة الله بالحكم والتّشريع والسّيادة، وأحاديث نبويّة عن مسقبل الإسلام بالنّصر والتّمكين، ثمّ دعاء بإعادة الحكم بشريعة الله واستئناف النّصر والعزّة للإسلام وأهله، وفي كلّ صفحة تقلبها تنظر إلى طفلها وتخاطبه:

  *- ارضع حليب أمّك المشبَّع بالغضب على اغتصاب حقوق الشّريعة، ارضع حليب أمّك المشبّع بالأمل بعودة الشّريعة سيّدة على الحياة... ثمّ يرى على الفور في المنام نفسه مشهدًا آخر لجموع غفيرة من النّساء يرضعن أولادهنّ وهنّ يقرأن مثيل ذلك الدّفتر، فاسيقظ من المنام، وشرع يتذكّر ما كُتب على ذلك الدّفتر ليخطّه على وريقات بيضاء،

وفي اليوم التّالي ذهب إلى مشغل للدّفاتر وطلب تفصيل دفتر يشبه تمامًا ما رآه في المنام، ثمّ خطّ بيده ما رآه مكتوبًا على ذلك الدّفتر.

وقبل خروجه بعشرة أيّام تقريبًا مرض وقمت أنا على شؤونه، في طعامه وغسل ملابسه وحتّى مساعدته في ذهابه إلى الحمام، وعندما أُفرجَ عنه قال لي:

*- أنا لا أملك الآن أغلى من هذا الدّفتر، هو هديّة لك فحافظ عليه.

سألت عثمان عن تأويل الرّؤيا فأجابني:

*- أنا لا علم لي بتأويل الرّؤى والأحلام، سمعت الطبيب يؤولها: بأنّه سيأتي زمان يكون حكم الإسلام هو السّدّ المنيع لإبادتنا.

·        وما تأويل مشهد الجموع الغفيرة من النّساء اللّواتي يرضعن أولادهنّ وهنّ يقرأن بالدّفاتر.

*- لم أسمعه يؤوّل هذا المشهد.... الله أعلم.

·        الله أعلم، ولكنّها رؤيا تدلّ على خير كبير، وأظنّ أنّها تتعلّق بالأجيال القادمة.

 

استعرت الدّفتر ليوم واحد فقط، قرأت في الصّفحة الأولى آيات من القرآن الكريم تبدأ بقوله تعالى: (إنّ اللهَ يأمرُكم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمْتُم بين النّاسِ أنْ تحكموا بالعدلِ)، وتتواصل الآيات حتّى قوله تعالى:

(فلا وربِّك لا يؤمنونَ حتّى يُحكِّموكَ فيما شجرَ بينهم ثمّ لا يجدُوا في أنْفسِهم حرجًا ممّا قضيتَ ويُسلّموا تسليمًا)،

وفي الصّفحة التّالية آياتٌ أُخرُ تبدأ بقوله تعالى: (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم....) إلى قوله تعالى:(أفحكمَ الجاهليّةِ يبغون ومن أحسنُ من الله حكمًا لقوم يوقنون)، وفي الصّفحة الّتي تليها ثلاثُ آياتٍ من سور مختلفة، الآية الأولى: (إنِ الحُكمُ إلاّ للهِ أمرَ ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاهُ ذلك الدّينُ القيّمُ، ولكنّ أكثرَ النّاسِ لا يعلمونَ)، والآية الثانية: (أمْ لهم شركاءُ شرَعُوا لهم ما لم يأذنْ بهِ الله)، أمّا الآية الثّالثة فقوله تعالى: (أَفَغَيْرَ دينِ اللهِ يَبْغُونَ ولَهُ أَسْلَمَ مَنْ في السّمواتِ والأرضِ طَوْعًا وكرْهًا وإليه يرجعون).

  قلبت الصّفحة وإذا بحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عندما دخل عليه عديّ بن حاتم ورسول الله يقرأ قولَه تعالى: (اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) فقال يا رسول الله: ما عبدناهم، قال: بلى، أحلّوا لهم الحرام، وحرّموا لهم الحلال فاتّبعوهم فتلك عبادتهم) كُتبَ الحديث في صفحة وحده،

وباقي الصّفحات أحاديث عن المبشّرات بنصر الإسلام وأهله وفي آخر صفحة دعاء لعودة الحكم بالإسلام وليرجع شامخًا يعلو ولا يُعلى عليه، أغلقت الدّفتر  فتجمّعت الدّموع في عينايَ حاولتُ كبحها، لكنّها سالت هادئة مكسورة الخاطر، لامست خدي وهي مثقلةٌ بألم الجحود والنّكران، سقطت على وجهي؛ لتنفجر فتخلّف قتلى وجرحى هي بقايا الغضب وسلاسله وأغلاله وقيوده على ضرب شريعة الله بعرض الحائط، الغضب على دفن الشّريعة وهي على قيد الحياة، الغضب على اغتصاب عرش الإسلام بوحشيّة، نمتُ والدّفتر تحت رأسي وتـشكّلت بيني وبين الدّفتر علاقة لا أدري ما هي وفي كلّ يوم أستعيره دقائق، أقرأ ما فيه وأرجعه إلى عثمان.

ومرّت الأيّام ومع مرورها يزداد تكيّفك على المكان وساكنيه، وقد تمرّ أيّام تنسى فيها أنّك في سجن ضيق الحدود والحركة، وفي صباح أحد الأيّام جاء شرطيّ إلى مهجعنا؛ ليخبرَني بوجود زيارة لي في مكتب المدير، استغربت من هذه الزّيارة غير المعهودة، وعندما وصلت، فاجأني وجود صهري شقيق زوجتي، جلست والخوف يتعاظم في داخلي،

والوساوس تكبر وتتشعب في كلّ الاتّجاهات، نظر إليّ صهري بنظرات حزينة وقال:

*-أريد أن أخبرك أنّ أمّك مريضة، إنّها في حالة صعبة.

أحسست أنّ أمي توفّيت، قلت له وأنا أُفجع شيئًا فشيئًا.

*- هل توفّيت أمّي؟

·        إنّها في حالة حرجة للغاية.

*- هل توفّيت؟

·        عظّم الله أجرَكم، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، لقد ظلّت تدعو لك وترضى عنك حتّى آخر لحظة في حياتها.

قال لي مدير السّجن، بعد أن عـزّاني بأمّي:

*- إنّ من حقّك أن تحضر الجنازة، ولكنّ القانون يقضي أن تذهب بسيارة السّجن مرتديًا بدلة السّجن، مقيّد اليدين وتحت الحراسة، وبعد الدّفن ترجع على الفور، فكّر في الموضوع.

اختلطت مشاعري، وفقدت القدرة على تجميع أفكاري والقدرة على الاختيار، ما أصعب الاختيار بين نارين أو طعنتين أو قطع إحدى الإصبعين، ما أقسى أن تكون بلا خيارات! والأقسى من ذلك أن تضطر إلى اختيار إحدى النّارين في لحظات، حينها يصبح الاختيار شكلًا من أشكال الإجبار،

فالاختيار على الضّيق لا يستوي مع الاختيار على السّعة، عليّ أن أقرّر وبسرعة، بأيّ طريق يُكسر قلبي، فالقلب الّذي سيهشّم في كلّ الحالات كان يطير وبجنون إلى كفن أمّي، لقد اختار فؤادي الطّريقة الّتي سيمزّق بها، لقد اخترت الذّهاب إلى كفن أمّي مُكبّلًا، اخترت الذّهاب إلى كفن أمّي وأنا كومة من الحطام.

ذهبت إلى المهجع، وإذ بجميع النّزلاء قد علموا بالخبر، فقاموا بتعزيتي ثمّ ذهبت إلى سريري وارتديت بدلة السّجن، سرت نحو الباب مغادرًا، فقبض يدي أبو طلحة وقال:

*- إلى أين؟

·        إلى الجنازة.

*- ستذهب مكبّلاً مجرورًا... لا تذهب، إنّ اللّحظة الّتي ستدفن فيها أمّك وأنت أمام القبر في هذه الحال هي اللّحظة الّتي ستدفن فيها نفسك، أرجوك لا تذهب إلى الموت برجليك، إذا ذهبت سترجع بنفسيّة معطوبة ليس بالسّهولة مداواتها... أعلَمُ أنّي ربّما لم أُحسن اختيار الكلمات في هذا الموقف، ولكن صدّقني قد أخلصت النّصيحة لك.

 

ذهبت إلى سريري وأنا في حيرة أفقدتني الرؤية إلاّ من صورة أمّي تقف أمامي، فبكيت بصمت، غسلت وجهي وذهبت بصمتي المخنوق إلى صهري وأخبرته أنّي لن أحضر الدفن، ورجعت إلى المهجع لأحسّ بقساوة السّجن وألمه وقهره بشكل غير مسبوق، ومشاعر التكيّف مع المكان جميعها تدحرجت رؤوسها لحظة دخولي باب المهجع، وأيّام السّجن أصبحت جحيمًا أتذوّقه كلّ يوم، وفاة أمّي وأنا في السّجن زادت قنـاعتي أنّ الشّعوب لا يمكن أن تتكيّف مع القهر والاستبداد، ستأتي لحظات على الشّعوب تشابه اللّحظات الّتي مرّت عليّ بعد وفاة أمّي، عندها سيزداد إحساسها بسجن الاستبداد، وتصبح غير قادرة على التحمّل وستنتظر الفرصة لخلع أبواب السّجن.

ومع مرور الأيّام هدأت نفسي، وظهر لي صواب نصيحة أبي طلحة، لقد دعوت له مرارًا في ظهر الغيب على نصيحته القاسية لي، فشريعة الله الّتي تنبذ خلف القضبان لا تنفعها العيون المكسورة، إنّما تحتاج وهي تنزف مثخنةً بالطّعنات والجراح إلى عيون قادرة على الجحوظ بشراسة أمام الحراب المشرّعة من كلّ ناحة وصوب، إنّ تنحية الإسلام عن عرشه وقذفه مكبّلًا بوحشيّةٍ خارج المدن،

والقرى والبوادي في الصّحراء الجرداء الحارقة، لا يحتاج إلى ظهورٍ متكلسة على الركوع  ورؤوسٍ ثقيلة منحنية إنّما يحتاج إلى ظهورٍ منتصبةٍ من الفولاذ تـتحمّل ضرب المطارق العملاقة، كما أنّ النّفوس المعطوبة لا تقدر على سباق المسافات الطّويلة، جزاك الله خيرًا يا أبا طلحة لقد فعلت بي الخير عندما منعتني من الذّهاب؛ لأدفن حرارة قلبي بجوار أمّي.

لقد مضت الأيّام كئيبة قاسية ولم يبقَ من مدّة محكوميّتي سوى شهرين، في تلك الأثناء جاءنا مهندس كهربائيّ من دعاة الخلافة الإسلاميّة في السّابعة والعشرين من عمره، وهو أعزب دخل والفرحة ظاهرة على وجهه، كأنّه مقبل على مكان للترفيه وليس على سجن، ومع أنّه صغير السنّ فهذه هي المرّة الثّانية الّتي يسجن فيها، وأخذ يتعرّف على الشّباب بسرعة هائلة ولم يخاطبني إلاّ بكلمة (عمّي)، وذات يوم ونحن نأكلُ طعام الغداء الّذي كان يأتي غالبا باردًا، تمنّى أبو طلحة أن يأكل طعام الغداء ساخنًا جدًّا، وأخذ البعض يكرّرون هذه الأمنيّة البسيطة، وفي وسط الأمنيات فاجأ المهندس الجميع بقوله بثقة بادية لا تبرح ملامحه:

   *- أنا سألبّي لكم هذه الأمنيّة وليس ليوم واحد فحسب، بل كلّ يوم بإذن الله تعالى.

سأله الجميع بدهشة:

 *- كيف؟

أجابهم بابتسامة الواثق بنفسه:

*- الجواب ما ترون، لا ما تسمعون.

وبدأ بعمل آلة لتسخين الماء مستخدمًا خامات المهجع ساهرًا كلّ ليلة حتّى الفجر، فأحضر أكياسًا بلاستيكية سميكة تتخلّص منها البقالة بعد إفراغ البضاعة منها، وأخذ يسخّن لنا الطّعام على بخار الماء أو داخل الماء مستخدمًا الأكياس البلاستيكيّة السّميكة  وأصبحنا لا نأكل إلا طعامًا ساخنًا، ما زلت أذكر إلى الآن أول وجبةٍ ملتهبة أكلناها، فقد التهمنا الطّعام بشهيّة غير مسبوقة وبعشق لحرارة الطّعام، سبحان الله نعمةٌ عظيمة أن تأكل الطّعام ساخنًا، كثيرٌ من النّعم لا نشعر بها إلّا حين نفقدها، لكنّ الأفضل والأجمل أن نشعر بها ونحن ننظر إليها بغبطة وسرور وحمدٍ لله وشكر.

وفي إحدى اللّيالي والمهندس سهران كعادته، لفت نظره الأرق الّذي يصيب عثمان كلّ يوم فقال له مداعبًا:

*-هذا الأرق بسبب حمزة، أم بسبب أُمّ حمزة.

ضحك عثمان وقال:

*- والله ليس بسبب حمزة ولا بسبب أمّ حمزة، إنّما بسبب هذه الإضاءة، الضّوء عند النّوم يسبّب لي الأرق.

فقال له المهندس بثقة بدأنا نعتاد عليها:

*- هل تريد أن تتحكّم بالمصباح الّذي فوق سريرك، تشعله متى ما تشاء، وتطفئه متى ما تشاء.

·        نعم أريد، ولكنّ ما تقوله مستحيل، فغرفة التّحكّم بالأضواء موجودة في مبنى إدارة السّجن، كيف ستفعل ذلك؟

أجابه ضاحكًا.

*- الجواب ما ترى لا ما تسمع.

وعلى الفور بدأ العمل ولم يطلب مساعدة من أحد، فصنع من المناشف حبالًا وأحضر من شبك النّوافذ الدّاخليّ الرفّيع حديدًا وأخرج من علب الكهرباء أسلاك الإرث، وواصل العمل وبعد ثلاثة أيّام أنهى العمل، ولم نرَ إلا حبلًا متدليًّا من المصباح الّذي فوق سرير عثمان، بقي المهندس صامتًا، وعندما صلّينا العشاء أحضر إبريقًا مليئًا بالماء وربطه بالحبل،

فتعلّق الإبريق، فانطفئ الضَّوء، كبّر الجميع وهم يستمتعون بالمفاجأة، ثم فكّ الحبل فاشتعل الضّوء، ومنذ تلك اللّيلة غادر الأرق ليالي عثمان.

وفي ذات صباح خاطبنا المهندس قائلًا:

*- إنّ اليوم هو الرابع والعشرون من آذار؛ ألا يذكّركم هذا اليوم بشيء ما؟

حاول الجميع التّذكّر فتذكّرته إنّه ذكرى هدم الخلافة الإسلاميّة،

 تكلّم المهندس عن الخلافة كلامًا كثيرًا أشبه بكلام طفل يتكلّم بشوق وعشق عن أمّه الغائبة منذ يوم ميلاده، وأذكر من الكلمات الكثيرة الّتي قالها:

*- إنّها دولة الخلافة.... إنّها دار الإسلام، إنّها سياج الدّين، إنّها بنادق الإسلام المشرعة في وجوه الظّالمين، الخلافة قادمة ولن تأتي أمويّة ولا عباسيّة ولا عثمانيّة، بل ستأتي خلافة على منهاج النّبوّة.

لقد حاول بكلّ ما يستطيع أن يؤكّد أنّ الأمّة عملاق مقيّد بأطنان الأغلال والسّلاسل، وأنّ الأغلال سـتنكسر في النهاية وأنّ الأمّة مارد مسجون في زجاجة،

ومهما طال الزّمن فإنّ الأمّة ستخرج، ولن تستطيع أيّة قوّة على وجه الأرض أن تعيدها إلى عنق الزّجاجة.

إنّ الضّرب بشكل متواصل على وتر الخلافة يلفت نظرنا نحو الأمام، يزرع بذور الاشتياق إلى المستقبل، إنّ الطّرق المتواصل على قضيّة الخلافة ينحت طموحًا نحتاجه عندما تَطول الطّريق، والطّموح في ذاته لذّة تتذوّقها الأمّة إذا كان مرتبطًا بعقيدتـها، نحن بأمسّ الحاجة إلى طموح واضح نؤمن به؛ حتّى يداوي جراحنا الكثيرة والعميقة، نحن بأمسّ الحاجة إلى رؤية المستقبل، حتّى لو كان بعيدًا ليجبر كسورنا الّتي تتكرّر على الدّوام، نحتاج كثيرًا إلى الأمل؛ لنستطيع فتح نافذةٍ من الـفرح المبتور والسّرور الذي يمرّ سريعًا، فدعوة الخلافة تبني ما تهدّم من أحلامنا بمستقبل مشرق وترمّم ما تآكل من طموحنا العملاق، فالحاضر البشع يجب ألّا يقتل المستقبل، والأمّة الّتي تهدم طموحها هي أمّة تنتحر في حاضرها.

 

 

 

 

9

 

جاء موعد الإفراج عنّي والفرحة تُبنى شيئًا فشيئًا في أعماقي، والشّوق الطّائر في داخلي لا يهدأ، ويحلّق في الآفاق ويغوص في الأعماق ودّعت الجميع، وعندما وصلت إلى عثمان كشف عن عضده وخلع مشدّ العضل وألبسنيه على عضدّي، ووضع الدّفتر تحته وقال لي العبارات نفسها الّتي قالها له الطّبيب عند إهدائه الدّفتر:

*- هذا الدّفتر هو أغلى ما عندي الآن أرجوك حافظ عليه، أنا لا أستطيع الحفاظ عليه فمشواري طويل خلف القضبان.

خرجت من السّجن وقبل أن أذهب إلى بيتي ذهبتُ إلى قبر أمّي، بكيت بهدوء شديد ورمال القبر تمسك بي تمنعني من المغادرة، ثمَّ حاولت إجبار نفسي على المغادرة، مشيت بين القبور ثم نظرت إلى قبر أمّي من بعيد، وتخيّلت نفسي ببدلة السّجن أقف أمام القبر تحت حراسة رجال الأمن وقلت في نفسي:

*- الله يجزيك الخير يا أبا طلحة، نعم نحن لا نحتاج إلى مزيد من الذّلّ، فقد شربنا الذّلّ حتّى خرج من حلوقنا.

ومشيت مغادرًا المقبرة. تُـذكِّرُنا القبور بالموت الّذي يدمّر لذّاتنا عند ذكره، وتذكّرني القبور أيضًا بأحكام الشّريعة المدفونة تحت الأرض وهي حيّة في كامل قوّتها وجمالها وروعتها، لكم أنا مشتاق لرؤية تلك الدّفائن تخرج إلى الحياة من جديد، كما أنّي أشعر بها، أشعر ماذا يعني إهالة التّراب على العظماء ودفنهم وهم أحياء.

وقضيت أسبوعًا أستقبل الأقارب والأصدقاء، وكم سررت من ابنتي ناهد وهي تقول لي إنّها منذ الزّيارة الأولى لي في السجن لم يمرّ يوم واحد إلا وبعثت برسائل عبر الإنترنت إلى منظّمات حقوق الإنسان ولجان الحرّيات في النّقابات ومجلس النّواب عن معاناة السّجناء الإسلاميّين كما وصفها لها أبو طلحة، أتعرفين يا ياسمين ماذا كنت أتمنى وأنا في طريقي إلى البيت بعد زيارة قبـر جدّتك، تمنّيت أن أدخل البيت وأكتشف أنّها أصبحت ترتدي الحجاب، ولكن للأسف لم يحدث ذلك، قلت لها:

*- ألم يأتِ الوقت لكي ترتدي الحجاب؟

·        الحقيقة أنّني لا أريد ارتداء الحجاب، ولكن صدّقني يا أبي منذ دخلت السّجن لم يدخل المشروب فمي إطلاقًا.

لقد اقشعرّ بدني من قولها بخصوص المشروب، فهي تتلفّظ به وكأنّها تقدّم لي معروفًا عظيمًا، في تلك اللّحظة أدركت بأنّي لم أعد أحتمل ما كنت أحتمله قبل السّجن من تصرفات الأهل والأقارب وظللّت أقول في نفسي: يجب أن أصبر وأحاول التكيّف مع الجوّ الجديد القديم.

رجعت إلى عملي في مركز الدّراسات بمعنويّات مختلفة، فاليأس والإحباط يزداد في داخلي، وكلّما أدركت حقائق الواقع غلَّف اليأس روحي أكثر، فأنا أقف أمام ساحة سياسيّة مجرَّفة تمامًا، من غير الممكن النّزول إليها، وإذا نظرت نحو الغرب رأيت الدّولة اليهوديّة، تمنع عنك مجرّد أحلام السّير نحو الأمام، وإذا نظرت إلى باقي الاتّجاهات رأيت ثمّ رأيت الشّعوب والأراضي مُقسَّمة مجزّأة، وإذا نظرت فوق رأسك رأيت قوى دَوْليّة تحتـلّـنا احتلالا غير مباشر، كيف ستُطَبَّقُ الشّريعة والأمّة في سجن الاستبداد؟ وفوق السّجن تجثم هيمنة القوى الكبرى، والّذي يقطّع القلب، أنّ السّجون الّتي تعيش فيها الأمّة محكمة الإغلاق، وهيمنة القوى الكبرى علينا ليست بسيطة ويمكن توصيفها بأنّها منظومة من الهيمنة بوجود مجلس أمن، وتجزئة وقواعد عسكريّة والدّولة اليهوديّة...

كلّما أدركتُ حقائق القوّة لهذه القوى الكبرى الّتي تحمي منظومة الهيمنة تلك أُصِبتُ بالذّهول بل بالصّدمة، وأصبحتُ أرى مقاومة الأمّة وهي في سجن الاستبداد أشبه ما تكون بمقاومة أبي طلحة داخل السّجن، وأخذت أغرق في اليأس والإحباط، لكنّي قرّرت أن أحاول السّير مع اليأس، إنّه عمل شاق جدًّا أن تعمل رغم اليأس، وأن تتحرّك فقط لأجل الحركة حتّى لا تتكلس ولا تُشلّ، حتّى إذا ما فُتِح الطّريق كنت قادرًا على المشي فيه، كلّ ما تعلمتّه في السّجن أحاول الاستفادة منه في حياتي لقناعتي أنّ الشّعوب العربيّة تعيش في سجون متباينة ضيقًا واتّساعّا لكنّها تبقى سجونًا في الأحوال كافة!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

10

 

 دعاني خالد لحضور مناقشة رسالة الماجستير التي خطّها خالد بعنوان: (الشّيطان وطريقته في الحياة)

قدّم خالد موجز للرّسالة فقال:

*- الشّيطان كالفحمة السوداء ليس فيه ذرّة رحمة أو حبّ أو ذرّة من أيّ مشاعر إيجابيّة، فهو قلق على الدّوام، فلا يعرف السّكينة ولا الطّمأنينة ولا الاستقرار، مكتئب حزين باستمرار، يتملّكه الخوف بلا توقف، هائج في رغباته وشهواته دون لحظة هدوء، ومن أبرز صفاته أيضًا أنّه نهم جشع فلا حدود لشهواته لم يتذوّق طعم الشّبع في حياته كلّها ولا يعرف معناه.

أمّا طريقته في الحياة هو يعيش وحيدًا، ولا يعرف أبًا ولا أمّا ولا أخًا ولا أختًا فالأسرة خارج طريقته في الحياة.

إنَّ الشيطان يحيا عاريًا دائمًا لا يعرف لباسًا أبدًا، يفعل ما يشتهي بلا قيود، يمارس شهواته ويمضي في طريقه، لذلك فهو يتقبّل أنواع السّلوك كلّها مهما كان قذرًا وشاذًّا،

فلا حدود في حياته للّشذوذ والغرابة، فالشّذوذ والغرابة والقذارة أمر طبيعيّ وبنيويّ في طريقة حياته وعيشه.

تتّفق الشّياطين دائمًا على عداوة الإنسان، أمّا ما عدا ذلك فلا توجد أرضيّة ثابتة أو مرجعيّة يرجعون إليها، فكلّ شيطان هو مرجع نفسه، ومن طريقته في الحياة التّحوّل فإذا رغب في التّحوّل إلى أنثى تحوّل، والحيوان الّذي يرغب الشّيطان في التّحوّل إليه هو الكلب، وإذا رغب في الرجوع إلى أصله وطبيعته رجع، والشّياطين لا أنساب بينهم إطلاقًا ولا يعرفونها، فقد تلاشت نهائيًّا، فطريقة حياة الشّياطين أنّها تمارس شهوتها وتمضي فربّما تكون الشّيطانة الّتي مارس معها شهوته أخته أو بنت أخيه أو بنت أخته دون أن يعلم، كما أنّه غير مهتمّ أن يعلم إطلاقًا.

 

 

 

 

 

 

11

 

 في غمرة اليأس الّذي أكلني، وأنا في طريقي إلى البيت وإذ برقم غير معروف يتّصل فبعث صوت فتاة يخبرني أنّك يا ياسمين في مستشفى الجامعة الأردنيّة، توجّهت مسرعًا إليك وفي قلبي شيء من الخوف عليك، هذا الخوف لم يكن بهذه المساحة من قبل، هل هو السّن؟! فقد دخلتُ في العقد السادس من العمر، أم هو اليأس والإحباط الّذي أكل الكثير من صلابتي وتماسكي؟! أم أنّ ذلك كلّه أنبت أشتال الخوف في أعماقي دون وعي منّي؟!  لا أدري، لقد تساءلت كثيرًا عن سبب اتّساع مساحة الخوف في أعماقي فلم أستطع الإجابة عنها حتّى هذه اللّحظة.

وصلت المستشفى فأخبروني أنّك في غرفة العمليّات، وأخذت أنتظر خروجك دون أن أخبر أحدًا وقلبي يكاد ينفطر، انتهت العمليّة وهرعت إلى الطّبيب، فأخبرني أنّك تعرّضت لضربة بحجر على عينك اليسرى مما تسبّب بتهتّك في العصَب البصريّ، كدت أسقط على الأرض، وسألت الطّبيب عن العمليّة فأجابني:

 

*- إن شاء الله خير، لكن لن تظهر النّتيجة إلّا بعد فكّ الضّمادة عن عينها ومعرفة نسبة الضّرر.

انتظرتك على جمر في القلب حتّى خرجتِ من غرفة الإنعاش يا ياسمين، عندها اتّصلتُ بأمّك وأختك، وبعد أن استيقظت جيّدًا سألتك عمّن ضربك بالحجر، فأخذت تروين لي قصّة المشاجرة الكبيرة الّتي حدثت بين الطّلاب في الجامعة واستُعمِلَتْ فيها الحجارة والعصيّ، وعندما وقفتِ تنظرين لمعرفة ماذا يجري فوجئتِ بالحجر على عينك، لا أخفي عليك يا ياسمين أنّني فوجئت بك وأنت تتكلمين مطمئنّة بلا خوف جليّ، وعندما سألتِني ماذا قال الطّبيب حاولت أن أُبَسِّط لك الموضوع حينها قلتِ لي كلمات ما زالت أسماعها في أذني:

*- مهما حدث لي فإنّ الله سوف يسندني، أنا واثقة من ذلك، أليست هذه دعوتك لي ونحن على شبك الزّيارة؟

إنّني ألمس مساندة الله لي في كلّ أمر، أنا واثقة أنّ الله استجاب دعاءك لي يا أبي، بل أشعر بذلك في كلّ يوم.

وبالفعل يا ياسمين فقد ساندك الله ورجعت عينك كما كانت بفضل الله.

 

12

 

خرج أبو طلحة ومن معه بعفو عامّ، قمت بزيارة الجميع مباركـًا لهم بالإفراج، وبعد شهر تقريبًا من الإفراج مات والد أبي طلحة، ذهبت لتعزيته في ديوان للعزاء قريب من بيته، وعندما احتضنته لامس ساعدي شيئًا صلبًا تحت إبطه سألته:

*- ما الشّيء الّذي تحت إبطك؟ ... هل هو سلاح؟

·        نعم، أنا لا أخرج إلّا والمسدّس على جنبي.

*- ولكنّ هل هناك داعٍ لذلك.

·        لا، ... إنّما شيء اعتدتُ عليه منذ زمن.

غادرت العزاء وقد وعدني أبو طلحة بزيارتي في مركز الدّراسات وبعد ما يقارب ثلاث شهور اتّصل بي أبو طلحة وأخبرني أنّه في السّجن وطلب مني تقديم كفالة له من محكمة صلح شمال عمان، أدركت من اسم المحكمة أنّ القضية ليست سياسية، وفي اليوم التّالي ذهبت إلى المحكمة وقدّمت الكفالة للقاضي، لكنّه رفض، وقال لي:

 

*- لن أقبل الكفالة إلّا بتقديم صكّ صلح أو موافقة خطيّة على الكفالة من الشّاكي.

زرت أبا طلحة في السّجن وأخبرته بما طلبه القاضي وسألته:

*-من الشّاكي؛ لأذهب إليه فأحاول الحصول على الصّلح أو موافقته على الكفالة؟

وأخذ أبو طلحة يروي لي ما حدث معه وأنّ الشّاكي هي زوجة أخيه فقد قام بضربها لقناعته أنّها أساءت إلى أمّه.

وبعد الزّيارة مباشرة ذهبت إلى بيت أبي طلحة وقابلت أمه وأخبرتها بما قاله القاضي لي، فذهبت معي إلى بيت أخيه زوج المرأة صاحبة الشّكوى فوجدنا معظم إخوته هناك، أخبرتهم بما اشترطه القاضي لأجل الكفالة، ولكن الإخوة أجمعوا دون استثناء أنّ التّنازل عن الشّكوى مقابل رحيل أبي طلحة عن البيت، رفضت الأمّ هذا الشّرط، ولكن الإخوة أصرّوا على شرطهم وقال أخوهم الكبير:

*- هذه العمارة بعد وفاة أبينا أصبحت مِلكًا للجميع، ونحن لا نريد أبا طلحة بيننا...

ردّت الأمّ: هذه العمارة ليست... انتظروني دقيقة

غادرت الأمّ وحضرت بعد دقائق تحمل أوراقا... وقالت:

*- هذه العمارة ملكي أنا، الأرض والبناء من تركة أبي وأمي، وهذا سند الملكية باسمي.

رمت الأمّ الأوراق على الطّاولة وأخذ الأبناء يقرأون مذهولين وفي وسط الذّهول قالت الأمّ:

*- تعلمون أنّي استنكرت كلَّ أعمال العنف الّتي قام بها أبو طلحة بحقّ أيّ فرد من أفراد العائلة، وقد وبّخته كثيرًا وشتمته على كلّ أفعاله، ولكن عليكم أن تتذكّروا جيّدًا أنّه ولدي، وهو أخوكم من دمكم ولحمكم أيضـًا.

قال زوج المرأة الشّاكية

*- الأخ الّذي يعتدي على إخوته ليس منّا بل هو عدو لهم.

ردّت الأمّ:

*- بل هو ابن بارٌّ، لكنّه سلك طريقًا خاطئًا للوقوف بجانبي،

أبو طلحة يجب أن يرجع للبيت ومن لا يعجبه ذلك عليه هو أن يرحل.

وغادرت الأمّ غاضبة....

صدقت أمّ أبي طلحة فهو لا ريب ابن بارّ، ولكنّه سلك طريقًا خاطئًا للوقوف بجانبها، قد توفّي والده وله سبعة أبناء كلّهم متزوجون إلاّ أبا طلحة، يسكن الجميع في عمارة واحدة، وقبل وفاة والده كانت لا تجرؤ أيّ كنّةٍ على مسّ أمّه بكلمة أو معاملتها بشكل غير لائق، لأنّ أباه كان يعتبر الإساءة لها جريمة يجب أن يعاقب فاعلها، وبعد وفاة الأب أحسّت الأمّ بالانكسار، وأخذت تتراجع إلى الوراء شيئًا فشيئًا وأخذت بعض الكنّات يعاملنها بما لا يليق، أحسّ أبو طلحة بأمّه إحساسًا يناطح السّحاب، فعمل بكلّ ما أوتي من قوّة لجبر كسرها وشدّها من يدها لتتقدّم إلى الأمام، أو على الأقلّ لكي لا  تتراجع إلى الوراء، ثمّ شنّ هجومًا عنيفًا على زوجات إخوته اللاّتي عاملن أمّه بما لا يليق، فسبّب لأمّه مشكلات مع أبنائها ونسائهم، فسبّته كثيرًا وتبرّأت من أفعاله ولكنّه لم يبالِ، وبقي يناضل؛ لتبقى أمّه كبيرة بين الكنّات، ولكنّه فشل في جعل أمّه سيّدة  كبيرة، ورغم فشله فقد وضع في قلب نساء إخوته وعقلهن أنّ أمّه حماها مصان، وأنّ هنالك من هو مستعدّ وبحرارة وحماسة يغلي للثّأر لها، والهجوم بلا تعقّل إذا حصل مسّ بطرف ثوبها، كان يقول لها عندما يضايقها أحد:

 

     *- أنا سيفك يا أمّاه، أنا سياج عزتك وكرامتك، أنا نعلك إن أصبحت يومًا حافية، أنا معطفك عند البرد، أنا دنانيرك يا أمّاه فانفقيها فيما شئتِ وكيفما شئتِ ومتى ما شئتِ.

تَكَسَّر قلبه وطموحه وهو يحاول جبر كسرها، تيبّست يداه وهو يحاول رفعها إلى أعلى أو الحيلولة دون نزولها إلى أسفل، لأجل ذلك أحبّته كثيرًا، لقد كان حبّه في كفة وحبّ إخوته جميعًا في كفّة.

خرج أبو طلحة من السّجن بعد أن تنازلت زوجة أخيه عن الشّكوى في حقه وقمت بعمل الكفالة له، ورافقني إلى مركز الدراسات للغداء معًا، وأخذت وعد منه أن يزورني في المركز دون انقطاع، سألني:

*- في أيّ ساعة تغلق المركز؟

·         التّاسعة ليلًا.

*- وقت مناسب لي.

·        لا داعي للاتّصال فأنا موجود دائمًا.

 

 

 

13

 

بعد أيّام في السّاعة الثّامنة والنّصف ليلًا كنت جالسًا في مكتبي لا صوت إلّا دوران مروحة السّقف، لم أسمع بابًا يفتح ولم أسمع خطوات إنّما فوجئت برجلين ملثّمين بيد أحدهما حبل والآخر لفّة لاصق عريض، وخلال ثوانٍ أغلق فمي وقيّدت يداي ورجلاي باللّاصق وأُجلستُ على الكرسي وخاطبني أحدهم وكأنّه قاضٍ يلقي قرار الحكم على متّهم:

*- طارق الحسن لأنّك هربت من إخوانك الماسون ولديك الرّغبة والإرادة بإفشاء أسرار البنّائين الأحرار فقد حُكِم عليك بالقتل، أطفأ أحدهم المروحة وعلّق الآخر الحبل في عنق المروحة، ثم حُملتُ وأنا جالس على الكرسي ووُضِعت تحت المروحة، حبل المشنقة يتدلّى فوقي، أوقِفتُ فوق الكرسي، أحسست بخشونة الحبل على عنقي ولم يبقَ إلّا دفع الكرسي من تحت رجلي، وإذا بمسدس أبي طلحة يصوّب على رأس أحدهما، وفي لحظة صمت دفع أحد الرجلين أبا طلحة وهربا بلمح البصر.

 

أنزلني أبو طلحة ونزع قيودي وجلست على الكرسي والحبل ما يزال في عنقي، سألني أبو طلحة بعد إزالة الحبل عن عنقي:

·        من هؤلاء يا أبا ياسمين وهل ما حدث له علاقة بنشاطك السّياسيّ؟

*- لا علاقة له إطلاقًا بالسّياسة إنّما هو ثأر قديم، ولا أتذكّر منه شيئًا.

·        هل تريد الذّهاب إلى الشّرطة؟

*- لا، ولكن لا بدّ من معرفة قصّة هذا الثّأر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

14

 

وصلت إلى البيت وفي خيالي مشهد المحقّق في دائرة المخابرات وهو يقول:

·        لكنّك كنت تزوّدنا بالمعلومات عن المنظّمة العالميّة الّتي كنت عضوًا فاعلًا فيها.

*- ما هي هذه المنظّمة؟

·        سيأتي يوم وتعرف ما هي هذه المنظّمة؛ لأنّ قادتها لن يتركوك تحتفظ بأسرارهم وتمضي في طريقك.

ثم ينتقل خيالي إلى مشهد قرار قتلي من قبل الماسون:

*- "طارق الحسن بسبب هروبك من إخوانك الماسون، ولديك الرّغبة والإرادة بإفشاء أسرار البنائين الأحرار فقد حُكِمَ عليك بالقتل"، لقد قلت في نفسي إذًا الأمر واضح لا لبس فيه لقد كنت ماسونيًّا"...!

دخلت المكتب وأخذت أفتّش في كلّ أوراقي القديمة لعلّي أجدُ شيئًا وخلال بحثي دخلت أمّك فقلت لها:

*- هل يوجد مكان غير هذه الأماكن المعروفة كنت أخفى فيها أوراقًا أو مستندات؟

أشارت إلى كتب خلف كرسي المكتب وهي جزء من المكتبة

·        لقد رأيتك أكثر من مرّة تخرج هذه الكتب وتضعها على المكتب، ثمّ تنشغل في مكانها الفارغ والحقيقة كنت أظنّ أنك تخفي شيئًا في هذا المكان.

جلست على المكتب وأمسكت بنسخة من رسالة الماجستير لخالد كانت موضوعة على سطح المكتب، قلت لأمّك محاولًا تغيير الحديث.

*- هذه رسالة الماجستير لخالد قرأتها مرّة وتستحق أن تُقرأ أكثر من مرّة.

غادرت أمّك غرفة المكتب وأقفلت الباب وراءها وعلى الفور أخرجت الكتب الّتي أشارت إليها أمّك، أخذت أبحث في مكان الكتب فلم أجد شيئًا، فضربت بيدي الخشب في عمق مكان الكتب فالتفّت الخشبة وظهر دفتر مذكرات ملصق بالخشبة.

فتحت الدفتر وشرعت في القراءة...

15

 

" دخلت إلى المحفل معصب العينين بعصابة سوداء يقودني ثلاثة من أعضاء المحفل وبعد ديباجة عن البنّائين الأحرار أقسمت وتعهّدت بعد الانضمام إلى الماسون أن أستمرّ بالحضور إلى الاجتماعات ومشاركة الماسون، وأقسمت أن أحفظ أسرار الماسونية وأن أصونها ثمّ أزيلت العصابة السّوداء عن عينيّ، رأيت أمامي رجل كبير السّن يجلس على طاولة عليها كتاب ضخم مفتوح، على وجه الكتاب فرجار ومسطرة قائمة بشكل متعامد.

وجّه الرّجل الكبير كلامه اليّ:

*- أيّها المستنير أنتَ على وشك الاطلاع على أسرار الدّرجة الأولى للبنّائين الأحرار... إذا حاولت الهرب أو أفشيت سرًّا من أسرارنا فإنّ القتل جزاؤك، وأشار بيديه إلى الشّنق.

خرجت من المحفل الذي كان في مدينة نيويورك وأنا الآن عضوًا في الماسون فوجدت بيتر ينتظرني بسيارته...

بيتر هو الشّخص الّذي قام بتزكيتي عند المحفل، بيتر رجل أعمالٍ ماسونيّ يملك عدّة مطاعم ونواديًا من بينها نادٍ للعراة!"

 "... لا تزال المرّة الأولى الّتي دخلت فيها النّادي عاريًا عالقة في ذهني فقد كنت محرجًا للغاية، ومندهشًا من سلوك العراة القادح في النّادي، يكأنّهم لم يخلعوا ملابسهم قطّ، وجدت رجالًا ونساء يتحدّثون ويأكلون ويشربون وهم عراة! ولكنّ الحياة تعوّد، وسرعان ما اعتدت على المشهد وألفته وتآكل شعور الإحراج.

وبعد أشهر من انتسابي إلى الماسون دُعِيت أنا وبيتر إلى مشاهدة إحدى برامج الحوار والحديث (التّوك شو) داخل الإستوديو، إنَّ هذا البرنامج تبثّه قناة يملكها خمسة من الماسون ويقدّم البرنامج أحد أعضاء الماسون أيضًا، جلسنا مع الجمهور وشاهدنا الحلقة الأولى، وفي كلّ أسبوع نذهب لنشاهد حلقة مع الجمهور في الإستوديو، إلّا أنّ إحدى الحلقات كانت غريبة جدًّا، فقد كان يجلس على المنصّة رجل وعلى يمينه زوجته وأطفاله وعلى يساره رجل هو عشيقه، وعلاقته به كعلاقته بزوجته، ويعيشون معًا في بيت واحد،

 

ولمَّا احتجّ  أحد من الجمهور على هذا الوضع الشّاذّ، ردّ عليه الرّجل وعشيقه بكلّ ثقة: 

 *- إنّ جميع أفراد الأسرة موافقون على هذ الوضع، وإنَّ أيَّ تدخّل في شؤونهم سيكون إهدارًا لحريتهم وحقهم في الاختيار.

علت الصّدمة وجوه الجميع، ومدَّت أعناقهم لهذه العائلة والصّمت ساد، ولم يستطع أحد الرّد على حُجّة الرّجل وعشيقه، فهم لم يجدوا أرضيّة ثابتة أخلاقيّة أو إنسانيّة تؤمن بها الأغلبيّة، يمكنهم الوقوف عليها والاعتبار بها، فلا قيم ثابتة ولا أخلاق متّفق عليها ولا عقائد مجمع عليها، إنَّ كلَّ القيم والأخلاق والعقائد نسبيّة، ما عند بعضهم حقّ فهو عند غيرهم باطل، وما عند بعضهم صوت عند غيرهم صدًى وفي وسط صمت الجمهور خرج رجل وقال:

*- إنَّ هذا الوضع خاطئ وغير مقبول، ذلك أنَّ الأطفال لا يزالون قصرًا وفي سنّ لا تسمح لهم بالاختيار، فاختيار الأب لعشيقه؛ ليعيش مع أسرته فيه تدمير لحقهم في الاختيار.

فتنفّس الجمهور الصّعداء وأخذوا يهاجمون الرّجل وعشيقه، لكنّ المذيع الماسونيّ أرجع الحوار للمنظور النّسبيّ فقال منهيًا الحلقة:

·        رغم كلّ شيء لا بدّ أن نهنّئ الرّجل وعشيقه على شجاعتهما وقبولهما الحضور لهذا البرنامج.

 سألت بيتر بعد خروجنا من الاستديو:

*- هل كان من الضّروريّ أنْ يُظهِر مقدّم البرنامج تقبّله لسلوك الرّجل وعشيقه؟

·        نعم، ضروريّ، دون ذلك سيوصف بغلظة الطّبع وضيق الأفق، فاتّساع الأفق أصبح جزءًا من طريقة حياتنا، أتدري ماذا يعني اتّساع الأفق الّذي نروّج له في مجتمعنا؟ إنّه يعني أن تتقبل كلّ أشكال السّلوك مهما كانت غرابتها قادحة ومهما كان شذوذها متطرّفًا، وأن تتقبّل كلّ الشّخصيات مهما كانت غريبة أو شاذة، غاضيين البصر عن أنّ الإنسان كائن متحيّزٌ بالضّرورة، ولا يمكن أن يكون صديق الجميع."

 

 في حلقة أخرى تكلّم شخص من الجمهور عن مدى البؤس الّذي يعيش فيه الإنسان في بلاده، عن تدمير الأسرة، وانتشار الشّذوذ وتفاقم ظاهرة المخدِّرات، وانتشار الجريمة، وانتشار الأمراض النّفسيّة بين الشباب، والاستخدام المذهل والكبير للحبوب المهدِّئة والمنومة وعقاقير الاكتئاب، وبالتّالي إحساس قاسٍ بالوحدة.

ردّ عليه المذيع:

  *- لعلّهم سعداء بكلّ هذا، ومن أنتَ لتصدر حكمًا على حياتهم الدّاخليّة؟ 

وبعد هذه الحلقة قال لي بيتر:

·        أنت مدعوٌّ إلى شرب كوب من القهوة.    

جلست مع بيتر داخل المطعم وأثناء احتساء القهوة، رنَّ هاتف بيتر، أخبره المتّصل أنَّ ابنه جون قد تعرض لإطلاق نار في فخذه، انطلقتُ مع بيتر إلى المستشفى، فوجدنا جمهرة من النّاس وعددًا كبيرًا من قوات الأمن، وما إن وصلنا إلى قسم الطّوارئ حتّى علمنا أنّ إطلاق النّار نتج عنه خمسة من القتلى من بينهم مطلق الرّصاص وسبعة من المصابين،

اطمأنّ بيتر على ابنه، فالرّصاصة جاءت في فخذه الأيمن في نقطة غير خطرة وبعيدة عن العظم، دخلت مع بيتر إلى قسم الطّوارئ؛ فوجد بيتر ضابطًا يعرفه من (الإف بي أي ) فسأله عما جرى بالضّبط، قال الضّابط وهو يسير نحو المصعد ونحن نرافقه:

*- حفلة لطلبة السّنة الثّانية في قسم الاجتماع خارج الجامعة وفي منتصف الحفلة.

نزلنا في المصعد، أكمل الضّابط كلامه:

*- أخرج أحد الطّلبة مسدسًا وأخذ يطلق الرّصاص على الحضور بشكل عشوائيّ ولمّا أفرغ مخزن الطّلقات، أخرج مسدسًا أخر.

وصلنا إلى ثلاجة الموتى سأل الضّابط شرطيًّا يقف بالقرب من صناديق الجثث.

*- هل حضر أحد من أهاليهم؟

·        لا... جميع الضّحايا ليسوا من هذه الولاية، فأهاليهم يسكنون في ولايات أخرى، ونصفهم لا أهل لهم سوى أمهاتهم...

 

اقترب الضّابط من بيتر وأكمل حديثه.

*- وبدأ يطلق الرّصاص من المسدس الّثاني ولما أفرغ طلقاته، أخرج رصاصة من جيبه ووضعها في المسدس وأطلق الرّصاصة على رأسه وانتحر، لا تسألني عن الدّافع لهذه الجريمة... لظنّي بعدم وجود دافع سوى رغبة في القتل.

فارقنا الضابط واتّجهنا نحو غرفة جون ابن بيتر، وفي الطّريق تساءلت:

*- كيف لشابّ لم يكمل العقد الثّاني من عمره، أن يمتلك هذا المخزون من الكراهية والحقد والجنون؟

·        إنّها طريقتنا في الحياة، حياة لديها رحم خصبة لإنجاب مثل هؤلاء، مع أنّ هذه الجريمة تكرّرت في مدارسنا وجامعاتنا في السّابق وسوف تتكرّر في المستقبل.

 

 

 

 

 

16

 

" خرج جون ابن بيتر من المستشفى، وأنا أجرّه على كرسي متحرّك، وبيتر أمامنا، ولما وصلنا البيت، غادر بيتر للّحاق باجتماع ضروريّ سيعقد بعد ساعة، ورغم العلاقة الّتي تربطني مع بيتر كانت هذه المرّة الأولى الّتي أدخل فيها بيته، قدت جون إلى غرفته، ولمّا دخلنا الغرفة رأيت صورًا فوتوغرافيّة للوحات غريبة انتشرت على جدران الغرف الأربع، الصّور جميعها كانت بمقاس 80 سم في 60 سم، إحدى هذه الصّور عبارة عن طبق فيه طعام وبجوار الطّعام جماجم بشرية، وصورة أخرى عبارة عن طبق طعام فيه طائر ميت يوحي بالتّقزز والاشمئزاز، وعلى الجهة المقابلة صورة طبق فيه طعام وبدلًا من الجماجم أيادي وأقدام بشريّة، وصورة أخرى عبارة عن طبق كبير فيه جثة لطفل ميّت، قلت:

 *- صور غريبة!

·        جمالها وإبداعها في غرابتها، إنَّها للفنان الوحش (ويتكين)، انظر إلى الجماجم، إنَّها جماجم بشريّة حقيقية، وهذه الأقدام والأيادي إنّها لبشر حقيقيين،

·        لقد حصل عليها من المشرحة، وجثة الطّفل هذه إنَّها حقيقية أيضًا، وهنا قمّة الإبداع وقمّة الجمال وقمّة الحريّة أيضًا... 

*- ولكنّي أجد صعوبة بالغة في فهم هذه اللّوحات!

·        إنَّها تذكّر الإنسان بالموت، وتتكلّم عن الغرور الإنسانيّ وأنّ كلّ شيء إلى زوال.

*- ولكنّها طريقة غريبة للتّعبير عن الغرور والموت.

·        إنّها غريبة عندك، لكنّها عند كثيرين قمّة الفنّ والإبداع، ومنهم من يدفع في سبيل الحصول عليها آلاف الدّولارات.

قلت في نفسي:

  *- لا بأس هذا جزء من طريقتنا في الحياة، لا أريد أن أكون غليظ الطبع ضيق الأفق، يجب أن أتقبّل كلّ أنواع السّلوك مهما بدى لي غريبًا أو شاذًّا.

 

حضر بيتر إلى البيت في وقت متأخّر وكان جون قد نام وأنا بجانب سريره أتأمّل اللّوحات المعلّقة على جدران الغرفة، جلسنا في غرفة المكتب قال بيتر:

*- أنتَ ماسونيّ جيّد، لم أتوقّع منك البقاء مع جون إلى هذه السّاعة المتأخّرة.

·        لقد أمضيت وقتًا ممتعًا مع جون.

فتح بيتر خزنة أسفل المكتب وأخرج منها ملفًّا وقال:

*- اقترب... اقترب.

فتح الملفّ واسترسل في الكلام وهو يقلّب أوراق الملف ويقول:

*- هذه وثيقة استقلال أمريكا عن بريطانيا... انظر إلى الموقّعين أكثر من الربّع ماسونيّ.... وهذه صورة طبق الأصل عن الدّستور الأمريكيّ أكثر من ثلث الموقّعين عليه ماسونيون.

انظر إلى صور الآباء المؤسّسين للولايات المتّحدة... معظمهم ماسونيون... وهذه صور لرؤساء أمريكا إلى هذا اليوم، أكثر من ثلثهم من الماسون...

انظر إلى صور جورج واشنطن وهو باللّباس الماسونيّ الكامل، أُخِذت هذه الصّورة عند تنصيبه لولاية ثانية، هذا الرّئيس الّذي تراه بلباسه الماسونيّ الكامل صورته على الدّوﻻر وعلى الوجه الآخر للدوّلار صورة الهرم والعين شعار الماسونية... وهذه صورة الرّئيس (بنجامين فرانكلين) وهو ماسونيّ وهو من الآباء المؤّسسين للولايات المتّحدة وصورته على ورقة المئة دولار.

أغلق بيتر الملفّ ونظر ناحيتي وقال:

*- الحركة الماسونيّة هي المؤسّس الفعلي للولايات المتّحدة الأمريكيّة، وقد أطلعتك على نسخ طبق الأصل من الوثائق الأصلية.

 

 

 

 

 

 

 

 

17

 

" توثّقت علاقتي بجون وأصبحت أرافقه في سهراته الّتي يحبّها ويعشقها وكان من ضمنها ثلاث من السّهرات الّتي تتأبّى على النّسيان، كانت الأولى لحضور فيلم اسمه النّوم، فقد استمرّ عرض الفيلم مدّة ثلاث ساعات، يبدأ الفيلم مع شخص نائم ثمّ يتحرّك كلّ عشر دقائق وهو نائم حتّى نهاية الفيلم، وبعد نهاية الفيلم سمعت آراء الجمهور، الّتي وصف أغلبها الفيلم بالإبداع والواقعيّة، أمّا السّهرة الثّانية فكانت لحضور مسرحيّة لفرقة مسرح الواقعيّة الرّاديكاليّة، وكان عنوان المسرحيّة الّتي شاهدنها تلك اللّيلة هي (أخت فيدل كاسترو) وكان الّرجال فيها يمثّلون دور النّساء، بينما النّساء يمثلن دور الرّجال وفي منتصف المسرحيّة ودون سابق إنذار أخرج الممثلون جميعهم دون استثناء أعضاءهم التّناسليّة للجمهور، فقابل الجمهور ذلك بالتّصفيق الحار، وفي نهاية المسرحيّة وقف الجمهور وصفّق بحرارة وأنا أسمع عبارات الإعجاب والتّمجيد لهذه المسرحيّة،

 

 

تساءلت وأنا أدفع جون على الكرسي المتحرّك خارج المسرح:

*- يا ترى ما القيمة أو الفكرة أو المعنى الذي قدّمته لنا المسرحيّة.

·        لقد قدّمت شيئًا عظيمًا هو الصّدمة للجمهور، قدّمت قيمة الحريّة في مجتمعنا، لقد اختارت المسرحيّة أن تصدم الجمهور بالطّريقة الّتي تراها مناسبة دون، أي قيد، هنا تكمن عظمة حريّتنا."

" أمّا السّهرة الثّالثة الّتي كانت بعد شهر من حضورنا المسرحيّة، فكانت في معرض فنّيّ يعرض لوحات مقلّدة طبق الأصل لفنّان معجب بالفنّان (ويتكين) والفنّان (اندريه سيرانو) وفي هذه السّهرة كان جون يمشي على قدميه ولم يعد بحاجة للكرسي المتحرّك، دخلنا المعرِض فوجدنا عشرات اللّوحات، ولكنّ أكثر الحاضرين تجمعون أمام ثلاث لوحات.

اللّوحة الأولى صورة جنين حديث الولادة مشوّه مثبّت على صليب، واللّوحة الثّانية صورة رجل بلا رأس يجلس على كرسي ولمّا وقفنا أمام صورة الرّجل بلا رأس جاءت امرأة؛ لتنظر فلمّا رأت الصّورة ابتعدتْ إلى سلّة القمامة وتقيأت،

فرأها الفنّان الّذي قلّد اللّوحة، فلمّا عادت ووقفت في وسط الصّالة، خاطبها الفنّان بصوت أسمع من حوله:

*- إحدى علامات المرأة الجميلة أنّها تحتفظ بجمالها حتّى عندما تتقيّأ.

 كانت اللّوحتان السّابقتان للفنّان (ويتكين).... انتقلت مع جون إلى اللّوحة الثّالثة وكان مكتوب فوقها بخط عريض وكبير عنوان اللّوحة وهو (فلتتبوّل على المسيح) وهي عبارة عن صورة المسيح على الصّليب كما تخيّلها الفنّان وهو داخل البول.

في تلك اللّحظة قلت لجون:

·        سأنتظرك في الخارج.

*- انتظر دقيقة لا أريد أن يفوتك هذا المشهد الجميل، انظر إلى ذلك الصّحفيّ إنّه يستعد لعمل لقاء مع الفنّان.

وبعد لحظات لبس الفنّان قناع زورو، وأخذ يتكلّم عن الحريّة اّلتي تشعّ من اللّوحات ولمّا أنهى الفنّان حديثه مع الصّحفيّ اقتربت منه فتاتان، التفت جون نحوي وقال: 

*- هل تعلم من هاتان الفتاتان، ذات الرّداء الأحمر صديقته والّتي تمسك بيدها عشيقتها، وهم ينامون ثلاثتهم في سرير واحد، إنَّه يقلّد ويتكين تمامًا، لكنّ الفرق أنّ ويتكين كان ينام مع زوجته وعشيقتها في نفس السّرير.

·        أرى أنّ ما نشاهده يثير إعجابك.

*- ما يثير إعجابي هي رائحة الحريّة الّتي أشمها في هذه القاعة.

قلت في نفسي.

·        لابدّ أن أتقبّل هذه الحريّة... إنّها طريقة حياتنا.

ورغم محاولاتي الكثيرة أن ابتلع فكرة الحريّة الّتي يرددها جون، ولكني لم أستطع، فقد تنقلت في أنحاء الولايات المتّحدة كثيرًا، وهناك الآلاف من الصّحف ومحطّات الرّاديو والبث التّلفزيونيّ، كانت كلّها تحمل نفس الرّسالة للنّاس، نفس المادّة الإخبارية ولكن بأشكال مختلفة، لم ألاحظ فرقًا جوهريًّا بين الصّحف والمحطات جميعها، كلّهم يوجّه نفس الرّسالة ويسقى من ماء واحد، وهي متناغمة ذات تأثير مذهل ومخيف أيضًا، وكلّ يوم أتعرّف أكثر على تلك الرّسالة وعلى النّبع الوحيد لها،

ومن الطّريف أنّ جميع ملاك وكالات الإعلام الكبرى هم من الماسون اليهود.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

18

 

اتّصل بي بيتر بعد غياب أربعة أشهر إذ لم أشاهده في المحفل ولم يردّ على اتّصالاتي الهاتفيّة العديدة على بيته، وعندما التقينا سألته على الفور.

  *- أين هذ الغيبة ولماذا انقطعت عن المحفل ولم تجب على اتصالاتي؟

·        سأخبرك بكلّ شيء، ولكن أريدك أن ترافقني في مهمّة لزيارة الكنائس لترشيح ما نراه مناسبًا للانضمام إلى الجمعيّة الّتي اختاروني عضوًا فيها.

*- هل تركت البنّائين الأحرار، أنت تعلم مصير ذلك.

·        لا تخاف لن أُقتل ولن أصاب بأيّ أذى، قلت لك سأخبرك بكلّ شيء، فرحلتنا طويلة فالكنائس في بلادنا كثيرة، بعضها مختلف وبعضها الآخر متناقض، في كلّ يوم تخرج لنا عبادة جديدة وتُجعَل لها كنيسة.

 زُرت كثيرًا من الكنائس مع بيتر، الحاضرون جميعهم يؤدون الصلاة، لكنّ بعض الكنائس وبعض الصّلوات كانت مختلفة عن الباقي، ورسمت ذكرى من الصّعب محوها فقد شاهدت كيف تؤدّى الطّقوس في كنيسة الشّيطان، والغريب أنّ من يؤدون الطّقوس في كنيسة الشّيطان لا يؤمنون بالشّيطان وينكرون وجوده.

 أمّا في كنيسة الشّواذّ فقد سمعت موعظة من القسّ الشّاذّ عن كيفية ممارسة العبادة الّتي أسماها تجارب روحّية، قال فيها:

*- كن سهلًا في تجاربك الرّوحيّة، اجعل من شرب قهوة الصّباح تجربة روحيّة، كن سهلًا لا تعقّد نفسك بأفعال معيّنة ولا أقوال معيّنة ولا طقوس معينة، اجعل من ممارسة الرّياضة تجربة روحيّة، اجعل من سماعك أغنية تجربة روحيّة، اجعل من مشاهدتك فلمًا تجربة روحية، كن سهلًا، فالتّجارب الرّوحيّة تكون عميقة الأثر إذا كانت سهلة بلا عقد أو قيود.

سألت بيتر والقسّ الشّاذّ مستمرّ في موعظته:

·        هل هذا الواعظ الّذي يخطب بنا شاذّ؟

 *- نعم، إنَّ كلّ ما تراه عينك من البّشر هم من الشّواذّ.

وفي كنيسة أخرى قصدناها كانت شعائر الصّلاة فيها تتغيّر باستمرار حسب رغبة أعضاء الكنيسة ومزاجهم، فقد علمت من الأعضاء الحاضرين قبل بداية الصّلاة أنّ الصلاة السّابقة قبل أيّام كانت عبارة عن شخص يلقي قصائد من الشّعر، والصّلاة الّتي قبلها كانت حديث أحد المتعبّدين عن مشاعره المؤلمة عندما تركته صديقته وذهبت مع شاب مريض نفسيًّا، وأثناء حديثي مع أحد الحاضرين صعدت امرأة أمام الجمهور لأداء الصّلاة وما إن صعدت حتّى ساد الصّمت، فأخذت المرأة بالرّقص ثمّ بدأت تنزع ملابسها قطعة قطعة أثناء رقصها حتّى تعرّت بالكامل، ثمّ ارتدت ملابسها قطعة قطعة وهي ترقص حتّى ارتدت ملابسها كاملة، وبذلك تكون المرأة والحاضرون قد أدّوا صلاتهم، ولمّا همّت المرأة بالنّزول، خاطبها راعي الكنيسة بقوله:

- إنّها طريقة غير تقليديّة للتّعبير عن الإيمان الدّينيّ.

 

 

 

 

 

19

 

وبعد عناء طويل في زيارة الكنائس أخبرني بيتر عن جمعيته الجديدة.

*- لقد تركت المحفل، تظنّ أنّي سوف أموت مشنوقًا، لا تقلق لقد انتقلت إلى جمعيّة سريّة تسمح المحافل بالانتقال إليها.

·        وما طبيعة هذه الجمعيّة؟

*- إنّها جمعيّة بلا اسم وليس لها مكان محدد، ولا لباس ولا أيّ شيء يدلّ عليها أو يثبت وجودها، وأعضاؤها يعرفون بعضهم، أغلب أعضائها من أصحاب النّفوذ وأصحاب المليارات، والمؤثّرين، هناك جمعيّات كثيرة على شاكلتها، متنافسة ومتصارعة، وكلّهم متفقون على العلمانيّة، فصل الدّين عن الحياة فصلًا كاملًا، وطريقتنا الخاصّة في العيش.

لقد أمضيت ساعات في قراءة مذكراتي القيمة حتّى وصلت إلى يوم مغادرتي من الولايات المتحدة راجعًا إلى البلاد، إذ قال لي بيتر وهو يودّعني:

*- ستجد لك إخوة كثر في الشّرق الأوسط، في جميع المجالات، السياسية، والاقتصادية والإعلام والبنوك، لن تشعر بالوحدة أبدًا."

وضعت المذكّرات على الطّاولة وجلست على المكتب مسلوبًا بما قرأت، فوقعت عيناي على رسالة الماجستير لخالد (الشّيطان وطريقته في الحياة) وأخذتُ أتصوّر شخصيّة الشّيطان وطريقته في الحياة ثمّ أتصوّر ما قرأت في مذكراتي، فكان التّشابه بين طريقة الشّيطان في الحياة وبين طريقة الغرب في حياتهم شديدًا، وكانت اقتراب الإنسان الغربيّ من شخصية الشّيطان في طريقه لفقدان إنسانيّته واضحًا، وهذه الشّخصية والطريقة في الحياة تُفرض علينا منذ زمن، وما زالت تُفرض حتى وصلت إلى كلّ جوانب حياتنا، وما زلنا نسير في ذات الطريق، كنت أتصوّر بوضوح جريمة فصل الدّين عن الحياة، لكنّي لم أكن أتصوّر من هم المجرمون الحقيقيّون الّذين لم يكتفوا بفصل الدّين عن الحياة، وأمسكوا بزمام البشريّة وساروا بها إلى طريق الشّيطان في الحياة، وفي كلّ خطوة في هذا الطّريق نفقد جزءًا من إنسانيّتنا،

إنَّهم يحفرون قبرًا يتّسع لجميع البَشر، قبر تدفن فيه إنسانيّتنا، كنتُ أظنّ قبل قراءة المذكّرات أنّ عودة الإسلام إلى الحياة هي قضيّة الإسلام ذاته منذ أن طرد من دياره واغتصب عرشه، وقذفت أحكامه في غياهب السّجون، والآن أؤمن أنّ عودة الإسلام إلى الحياة هي قضيّة الإنسان ذاته، الّذي يُسلخ من إنسانيّته ببشاعة دون أن يدري، عودة الإسلام إلى الحياة تعني عودة الإنسانيّ إلى البشرية والحياة، ومن المستحيل عودة إنسانيّتنا إلى الحياة إلا بعودة الإسلام إلى عرشه سيدًا حاكمًا على الحياة ليحمي إنسانيّتنا من الاندثار والزوال...

ومنذ هذه اللّحظة بدأت أنتظر يوم قتلي مشنوقًا من قبل الماسون...

وبعد أيام التقيت خالدًا وسلمته  تنازلًا عن مركز الدراسات يؤول إليه بعد وفاتي

قرأ خالد سند التنازل وابتسم وقال:

·        هل حدث شيء تريد أن تخبرني به؟

-*  قبل أن أخبرك، أجبني أنت أولًا على تساؤلي، لماذا يريد الشيطان أن يجرد البشر من إنسانيّتهم؟ 

·        حتى يسيطر عليهم، الإنسان بفطرته السليمة لا يمكن أن يسمح لأيّ إنسان بالسيطرة عليه، فلا بدّ أن يُجرَّد من إنسانيته حتى تسهل السيطرة عليه.

-* نعم لأجل السيطرة عليه، ونحن في هذا الزمن بوجود نخب متنفذة على مستوى العالم، تسير بنا في طريق حياة الشيطان لأجل السيطرة علينا، طريق الإسلام في الحياة هي طريقة البشر بفطرتهم الإنسانية في الحياة...

أتريد معرفة سبب تنازلي عن المركز في هذا الوقت؟

لدي قناعة أنّني سأقتل بسبب ثأر قديم اقترفته قبل قطعي عن الماضي لا تسألني أكثر من ذلك"...

 

 

 

 

 

 

 

 

20

 

في يوم عاصف غزير المطر وُجِد أبي ميتًا يجره سيل الزّرقاء وحبل المشنقة مشدود على عنقه، مات أبي مقتولًا والقاتل مجهول وأثناء تغسيله، وجدوا على عضده الأيمن مشدًّا وتحته الدّفتر الّذي أهداه إياه عثمان، احتفظت أمّي بالدّفتر وطلبت من ناهد أن تلبس شالًا على رأسها في أيّام العزاء فقط، إلاّ أنّ ناهد رفضت وقالت لأمّي:

*- ليس الآن يا أمّي.

وبعد أيّام العزاء مباشرة فوجئتُ بناهد وهي مرتدية الحجاب واللّباس الشّرعيّ كاملًا، وتطلب منّي مرافقتها لزيارة قبر أبي، ذهبنا إلى القبر، ووقفت ناهد أمام القبر صامتة بلا دموع، عيناها لا تفارقان القبر، أحسست أنّ ناهد تـريد أن تكون وحدها، غادرت وانتظرتها عند السّيّارة، وما إن مشيت عدّة خطوات حتّى سمعت صوت بكائها، لا أدري لماذا أجهشت بالبكاء إلى هذه الدّرجة، هل لعقوقها أبي الّذي كان يرجو أن يراها بالحجاب،

وهي الآن تصرّ على الوقوف أمام القبر بلباسها الشّرعيّ، لتقول لأبيها أنّي أحقّق لك ما كنت تـرجو، وأعود إليك بعد أن فارقت الحياة.

وبعد وفاة أبي بسنة تزوّجتُ من شابٍّ يكمّلني في كثير من جوانب شخصيّته، ولا سيّما الخوف، وبصّرني في جوانب القوّة الّتي أحملها ولا أعرفها، فهو شجاع لم أشعر يومـًا أنّ الخوف له مكان في قلبه، تأثّرت به دون أن أشعر، وأخذ يداويني دون أن يشعر هو بذلك، أكثر ما يميّز علاقتي به أنّه دائمًا بجانبي يساندني في كلّ صغيرة وكبيرة، عندما أجده على هذه الحال أتذكّر دعوة أبي لي في أوّل زيارة له في سجنه.

ومضت الأيّام وناهد تزداد التزامًا بدينها، ويسّر الله لها شابًا من أقارب زوجي كان يبحث عن فتاة ملتزمة، تزوّجها رغم أنّها لم تره إلّا مرّتين فقط في بيتنا، ولكنّ الله شرح قلبها له بطريقة غريبة، بعد أن كانت ترفض الزّواج بهذه الطّريقة، وكنت خائفةً عليها من الفشل في زواجها لأنّها فتاة عصبيّة وعنيدة جدًّا، ويصعب عليها التّنازل لأحد، ولكنّ زوجها استطاع أن يستوعب كلّ نوبات غضبها وعنادها الشدّيد، وعدم تنازلها، واستطاع أن يمشي معها في حياة زوجيّة سعيدة،

كنت أقول لنفسي إنّ الله استجاب دعوة أبي لناهد حملت ناهد وعلِمت أنّ المولود ذكر، وأبدت رغبتها لزوجها بتسمية المولود على اسم أبيها (طارق)

وافق زوجها رغم أنّه كان يرغب بتسميته اسمًا آخر وقال لها:

*- إنّ أباك رجل صالح، أسأل الله أن يكون ابننا صالحًا مثله.

وجاء المخاض لناهد ورافقتها إلى المستشفى، وخرج طارق الصّغير إلى الدّنيا، إنّه يشبه أبي، نعم إنّه يشبه أبي كثيرًا، وأخذ الطّفل بالبكاء، فطلبتُ منها أن ترضعه، فكشفت عن عضدها وأخرجت من تحت المشد الدّفتر الذي أهداه عثمان لأبي، وفتحته وأخذت تقرأ فيه، ثم أرضعت طارق الصّغير ووضعت شفتيها على أذنه وقالت:

*- ارضع حليب أمّك المشبَّع بالغضب على اغتصاب حقوق الشّريعة، ارضع حليب أمّك المشبّع بالأمل بعودة الشّريعة سيّدة على الحياة... استمرّت ناهد بإرضاع طارق الصّغير مدّة سنتين وفي كلّ مرة ترضعه تضع شفتيها على أذنه وتسمعه الكلمات نفسها.

رحم الله أبي فقد كان غياب الإسلام عن الحياة همّه وقضيّته، سمعته مرارا يقول:

·        إنّني أسمع آهاتِ الإسلام وصراخه ألمًا وقهرًا وهو يُضرب بعُـرض الحائط خارج الحياة والدّولة.

في أحد الأيّام سمعته يخاطب شجرة عمرها مئات السّنين:

·        يا ترى كيف كان طعم حكم الشّريعة أيّتها الشّجرة، أنت من ذاق طعم حكم الإسلام وذقت طعم غيابه يا ليتك تخبرينا بالفرق، فمن ذاق عرف أيّتها الشّجرة.

وأذكر أنّي كنت جالسة معه في البيت فأمطرت السّماء فصعد إلى السّطح ونظر إلى السّماء وقال:

·        أيّها المطر المبارك، أنت حديث عهد بربّك، فأنت تنزل على أرض شرع الله فيها معطّل، ستحترق أيّها المطر كما احترقتُ أنا من قبل.

 

 

بقيت أسير في حياتي وأنا أشعر أنّ الله يساندني في كلّ أزمة في حياتي، وما يزال دعاء أبي لي يتردّد في أذني عند الكربات والحزن، فتنفرج الكربات ويزول الحزن، لأنّني أشعر أنّ الله يساندني....

رحم الله أبي...

رحم الله أبي....   

           

 

     

                 

 

 

 

 

 

                                                                      5/أيّار/2025

زياد غزال فريحات