الجوع كسلاح: شهادة من داخل سجون الاحتلال
عامر أبو عرفة
“ليس نقصًا في الطعام، بل فائض في القسوة”، يُعدّ التجويع أحد أقسى أشكال التعذيب التي يمكن أن يتعرّض لها الإنسان، ليس فقط لما يُخلّفه من ألم جسدي، بل لما يحمله من إذلالٍ ممنهج واستهداف مباشر للكرامة الإنسانية. فحين يُمنع الإنسان من الطعام، لا يُنتقص من جسده فحسب، بل يُختبر في إنسانيته.
داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، لم يكن الطعام مجرّد حاجة بيولوجية، بل تحوّل إلى أداة عقاب وسيطرة، تُستخدم لكسر الإرادة وإخضاع المعتقلين.
كانت إدارة السجون تتعمّد تقليل كميات الطعام المقدّمة للأسرى، إلى جانب رداءة جودته، وانعدام أي مقوّمات غذائية حقيقية فيه، في سياسة ثابتة لا تخطئها العين.
أي اعتراض، مهما بدا بسيطًا، كان يُقابل بعقوبات قاسية، شملت اقتحام الأقسام، تخريب الغرف، الاعتداء على الأسرى، وإدخال الكلاب إلى الأقسام لترهيبهم وإذلالهم. في هذا الواقع، لم يكن مسموحًا للمعتقل أن يكون إنسانًا له رأي أو موقف؛ بل كان مطلوبًا منه أن يتحوّل إلى جسدٍ صامت، ينفّذ الأوامر بلا سؤال.
«الجوع ليس مجرد إحساس في المعدة، بل حالة تلتهم الروح وتعيد تشكيل الإنسان من الداخل».
— كنوت هامسون، رواية الجوع
في إحدى الحوادث التي ما زالت راسخة في ذاكرة الأسرى، قدّمت إدارة السجن في عوفر قرب رام الله، وجبة فاصولياء غير صالحة للاستهلاك، أقرب إلى الحصى منها إلى الطعام. وعندما اعترض بعض الأسرى، جاء الردّ حاسمًا: إمّا أن تُوزَّع الوجبة كما هي، أو يُفرض العقاب الجماعي.
وبسبب الجوع الشديد، اضطرّ الأسرى إلى تناولها، ما أدى إلى إصابة عدد كبير منهم بآلام حادة، قضوا على إثرها ساعات طويلة في الحمّامات.
هذه الحادثة باتت معروفة لدى كل من مرّ بتجربة الاعتقال في سجن عوفر، بوصفها مثالًا فاضحًا على استخدام الطعام أداةً للعقاب.
ورغم قسوة أشكال التعذيب الأخرى—كالضرب، أو استخدام الغاز، أو سحب الفراش وإجبار الأسرى على النوم فوق الحديد—إلا أن الجوع ظلّ العقوبة الأشدّ أثرًا. فهذه الممارسات، مهما بلغت قسوتها، تنتهي بمرور الوقت، بينما الجوع كان دائمًا ومتواصلًا: نفس الطعام، نفس الكمية، بلا طعم، بلا ملح، وبلا أي قيمة غذائية تُذكر… فقط ما يُبقي الجسد حيًا بالكاد.
«الضرب يوجع الجسد، أمّا الجوع فيكسر الإنسان من داخله».
على مدار عامين، عشت على الوجبات ذاتها. تحوّلت الرغبة في أي طعام مختلف، أو حتى فنجان قهوة، إلى حلم بعيد المنال. واستُخدم هذا الحرمان وسيلة ابتزاز ومساومة، يُدفع فيها الأسير للتنازل عن مبدأه، أو الصمت، أو التعاون مع الإدارة، مقابل فتاتٍ من الطعام أو قطعة حلوى. هكذا تحوّل الجوع إلى سلاح إذلال وتركيع، تُقايَض فيه الكرامة الإنسانية بالحاجة إلى البقاء.
وبفعل هذا الواقع القاسي، نشأت توترات وإشكاليات بين الأسرى أنفسهم. فالجوع يكشف الفوارق بين النفوس، ويُظهر معادن البشر في أوقات المحن. ومع ذلك، حاول الأسرى تنظيم حياتهم الداخلية، وتقسيم القليل المتوفّر بعدالة وتساوٍ.
إلا أن إدارة السجون لم تكن لتسمح حتى بهذا الحدّ الأدنى من التنظيم، فتدخّلت عمدًا لإفشال أي محاولة للنظام، وتحويل الأقسام إلى حالة من الفوضى، يقف أمامها الجنود متفرّجين، في مشهد اتسم بسادية واضحة.
الأعياد اليهودية… مواسم مضاعفة للتجويع
وحين تأتي الأعياد اليهودية، لا تأتي محمّلة بالطقوس فقط، بل بالجوع مضاعفًا، خاصة في عيد “البيسح”. تقلّ الكميات، وتُستبدل قطع الخبز الصغيرة بشرائح يابسة، يطلق عليها الأسرى سخريةً اسم “قراقيش”.
يُطلب من الأسير أن يتكيّف… أو يصمت… أو ينكسر.
فالجوع هنا لا يُدار كضرورة، بل كرسالة واضحة: نحن نملك وقتكم، وأجسادكم، وحتى شهيتكم للحياة.
لكن ما لم يدركه السجّان، أن الجوع، رغم قسوته، لا يقتل المعنى دائمًا. أحيانًا، يصنع ذاكرة لا تُمحى، وشهادة لا تموت، وصوتًا يخرج من الزنازين، محمّلًا بما يكفي من الوجع ليُدين.
في النهاية، حين يُمنع الإنسان من الطعام، لا يُمنع من الأكل فقط، بل يُختبر في إنسانيته. وهناك، في ذلك الاختبار القاسي، يتبيّن الفرق بين من يستخدم الجوع سلاحًا، ومن يحمله جرحًا… ويكتب.
عامر أبو عرفة
“ليس نقصًا في الطعام، بل فائض في القسوة”، يُعدّ التجويع أحد أقسى أشكال التعذيب التي يمكن أن يتعرّض لها الإنسان، ليس فقط لما يُخلّفه من ألم جسدي، بل لما يحمله من إذلالٍ ممنهج واستهداف مباشر للكرامة الإنسانية. فحين يُمنع الإنسان من الطعام، لا يُنتقص من جسده فحسب، بل يُختبر في إنسانيته.
داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، لم يكن الطعام مجرّد حاجة بيولوجية، بل تحوّل إلى أداة عقاب وسيطرة، تُستخدم لكسر الإرادة وإخضاع المعتقلين.
كانت إدارة السجون تتعمّد تقليل كميات الطعام المقدّمة للأسرى، إلى جانب رداءة جودته، وانعدام أي مقوّمات غذائية حقيقية فيه، في سياسة ثابتة لا تخطئها العين.
أي اعتراض، مهما بدا بسيطًا، كان يُقابل بعقوبات قاسية، شملت اقتحام الأقسام، تخريب الغرف، الاعتداء على الأسرى، وإدخال الكلاب إلى الأقسام لترهيبهم وإذلالهم. في هذا الواقع، لم يكن مسموحًا للمعتقل أن يكون إنسانًا له رأي أو موقف؛ بل كان مطلوبًا منه أن يتحوّل إلى جسدٍ صامت، ينفّذ الأوامر بلا سؤال.
«الجوع ليس مجرد إحساس في المعدة، بل حالة تلتهم الروح وتعيد تشكيل الإنسان من الداخل».
— كنوت هامسون، رواية الجوع
في إحدى الحوادث التي ما زالت راسخة في ذاكرة الأسرى، قدّمت إدارة السجن في عوفر قرب رام الله، وجبة فاصولياء غير صالحة للاستهلاك، أقرب إلى الحصى منها إلى الطعام. وعندما اعترض بعض الأسرى، جاء الردّ حاسمًا: إمّا أن تُوزَّع الوجبة كما هي، أو يُفرض العقاب الجماعي.
وبسبب الجوع الشديد، اضطرّ الأسرى إلى تناولها، ما أدى إلى إصابة عدد كبير منهم بآلام حادة، قضوا على إثرها ساعات طويلة في الحمّامات.
هذه الحادثة باتت معروفة لدى كل من مرّ بتجربة الاعتقال في سجن عوفر، بوصفها مثالًا فاضحًا على استخدام الطعام أداةً للعقاب.
ورغم قسوة أشكال التعذيب الأخرى—كالضرب، أو استخدام الغاز، أو سحب الفراش وإجبار الأسرى على النوم فوق الحديد—إلا أن الجوع ظلّ العقوبة الأشدّ أثرًا. فهذه الممارسات، مهما بلغت قسوتها، تنتهي بمرور الوقت، بينما الجوع كان دائمًا ومتواصلًا: نفس الطعام، نفس الكمية، بلا طعم، بلا ملح، وبلا أي قيمة غذائية تُذكر… فقط ما يُبقي الجسد حيًا بالكاد.
«الضرب يوجع الجسد، أمّا الجوع فيكسر الإنسان من داخله».
على مدار عامين، عشت على الوجبات ذاتها. تحوّلت الرغبة في أي طعام مختلف، أو حتى فنجان قهوة، إلى حلم بعيد المنال. واستُخدم هذا الحرمان وسيلة ابتزاز ومساومة، يُدفع فيها الأسير للتنازل عن مبدأه، أو الصمت، أو التعاون مع الإدارة، مقابل فتاتٍ من الطعام أو قطعة حلوى. هكذا تحوّل الجوع إلى سلاح إذلال وتركيع، تُقايَض فيه الكرامة الإنسانية بالحاجة إلى البقاء.
وبفعل هذا الواقع القاسي، نشأت توترات وإشكاليات بين الأسرى أنفسهم. فالجوع يكشف الفوارق بين النفوس، ويُظهر معادن البشر في أوقات المحن. ومع ذلك، حاول الأسرى تنظيم حياتهم الداخلية، وتقسيم القليل المتوفّر بعدالة وتساوٍ.
إلا أن إدارة السجون لم تكن لتسمح حتى بهذا الحدّ الأدنى من التنظيم، فتدخّلت عمدًا لإفشال أي محاولة للنظام، وتحويل الأقسام إلى حالة من الفوضى، يقف أمامها الجنود متفرّجين، في مشهد اتسم بسادية واضحة.
الأعياد اليهودية… مواسم مضاعفة للتجويع
وحين تأتي الأعياد اليهودية، لا تأتي محمّلة بالطقوس فقط، بل بالجوع مضاعفًا، خاصة في عيد “البيسح”. تقلّ الكميات، وتُستبدل قطع الخبز الصغيرة بشرائح يابسة، يطلق عليها الأسرى سخريةً اسم “قراقيش”.
يُطلب من الأسير أن يتكيّف… أو يصمت… أو ينكسر.
فالجوع هنا لا يُدار كضرورة، بل كرسالة واضحة: نحن نملك وقتكم، وأجسادكم، وحتى شهيتكم للحياة.
لكن ما لم يدركه السجّان، أن الجوع، رغم قسوته، لا يقتل المعنى دائمًا. أحيانًا، يصنع ذاكرة لا تُمحى، وشهادة لا تموت، وصوتًا يخرج من الزنازين، محمّلًا بما يكفي من الوجع ليُدين.
في النهاية، حين يُمنع الإنسان من الطعام، لا يُمنع من الأكل فقط، بل يُختبر في إنسانيته. وهناك، في ذلك الاختبار القاسي، يتبيّن الفرق بين من يستخدم الجوع سلاحًا، ومن يحمله جرحًا… ويكتب.