المسلم بين نهجين: نهج اليأس و التردد و نهج الإقدام و المبادرة
د. صالح نصيرات
سيبقى القرآن الكريم موردا ومنهلا عذبا للمؤمنين، فهو مصدر عزتهم ومرشّد طريقهم، وهاديهم بإذن الله إلى سواء السبيل. والمسلم يقرأ القرآن الكريم ليس باحثا عن الأجر و البركة فقط، ولكن الأصل فيه أن يبحث عن اللآلئ في أعماقه، فيعقل ويتدبر أوامر الله، ويستقرئ أحوال الناس، ويستخلص العبر لتكون دروسا له في مراغمة هذه الحياة.
الآيتان الكريمتان "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون" و " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون" تختصران نهجين متناقضين: نهج القاعدين السلبيين، ونهج المبادرين الإيجابيين, وهذان النهجان موجودان اليوم، ولعل النهج السلبي الذي أساسه اليأس والقنوط، وعدم اليقين بوعد الله هو الغالب على المسلمين اليوم. فأكثرهم متواكلون مترددون، ينتظرون المعجزات والكرامات وظهور المهدي لينقذهم مما هم فيه، ولذلك نجد اليوم حوارات وتساؤلات كثيرة عن آخر الزمان. فكثيرون اليوم مشغولون بظهور علامات الساعة الكبرى، وكل يبحث عن ذلك لتبرئة نفسه من العمل، وإشغال وقته الثمين فيما لا ينفع. ويبدو أن الأمة عبر تاريخها الممتد تقع في حبائل التبرير والقعود كلما ابتعدت عن الفهم الصحيح لدينها، فتقع فريسة التجهيل و التضليل.
ويترتب على ذلك النهج شلل فكري وعملي، لذلك تراهم منسحبين من الحياة، يعكف يعضهم على الذكر والقعود في المساجد يتذاكرون في أعداد الحسنات التي سينالونها من تحريك السنتهم بالذكر ظنا منهم أنه المنجى، وهو فهم يجانب الصواب، لكنه تلبيس إبليس. وربما فهم بعض الناس ما نقول هنا فهما خاطئا وهو أننا نهون من شأن الذكر، ولكننا ننطلق من فهم قرآني كريم "يا ايها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" فالذكر هنا ممدوح بل مأمور به لأنه في موقع النزال، إذ الذكر يعني معية الله للمؤمن، واستشعاره بهذه المعية الإلهية سبب في رفع معنوياته، وتِرفُّعِه عن الدنيا، و السعي للتضحية والإقدام دون وجل أو خوف. وممدوح أيضا في كل الأحوال.
أما القاعدون من غير أولي الضرر فربما أوصلهم هذا النهج إلى الى الانحراف عن الجادة، اليأس من رحمة الله مخالفين قوله تعالى الذي جعله من علامات الكفر "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".
مقابل هذا النهج السلبي نجد نهجا ممدوحا في كتاب الله سبحانه. وهو القائم على المبادرة والإقدام واجتراح الحلول، والتفكير الإيجابي الذي يعظّم الخير ويتوقعه. ولعل قوله تعالى " أنعم الله عليهم" في وسط الآية دلالة على أن النهج الإيجابي نعمة من نعم الله على العبد، وإذا كان ذلك صحيحا، فالنعمة هذه ستترجم بنصر عظيم وفتح مبين. واليوم يتمترس أقوام من الملاحدة والمرتدين، والشعوبيين، و الزنادقة خلف حصون بناها لهم خصوم هذا الدين ليقذفوا بسهامهم الخبيثة هذا الدين ورموزه، ووصل بهم الأمر إلى التحقير والاستهزاء بأعظم ما لدى المسلم.
من المصائب التي حلّت بكثير من الناس اليوم مانراه من عكوف على التوافه من الأخبار والمسلسلات والفيديوهات، وأكثر من وقع صيدا ثمينا في شبكات التافهين هم الشباب من الجنسين. وقد رصد باحثون في التربية وعلوم النفس و الاجتماع والجريمة ظواهر سلبية طفت على السطح، فقرع هؤلاء الباحثون أجراس الإنذار من تعاظم تلك المخاطر على المجتمعات، بل على الإنسانية.
وفي تقرير للجزيرة نت يذكر بعض خصائص الجيل الجديد " نشأ "الجيل زد" في بيئة عالمية مضطربة لم تعرف الاستقرار كما خبرته الأجيال السابقة. فمنذ سنوات طفولتهم، ترافق مسار حياتهم مع تهديدات المناخ المتصاعدة، وإجراءات الإغلاق الطويلة التي فرضتها جائحة كورونا (كوفيد-19)، إضافة إلى القلق المستمر من أزمات اقتصادية عالمية وانهيارات مالية متكررة. هذه الخلفية صنعت جيلا يحمل طموحا للتغيير، لكنه يواجه في المقابل ضغوطا نفسية استثنائية.
فهذا الجيل هو الأكثر عرضة للقلق والتوتر، لا سيما بفعل الضغط المستمر الذي تولده وسائل التواصل الاجتماعي عبر المقارنات الدائمة وصناعة الصورة المثالية.
ومنذ عام 2020 ارتفعت نسبة المعلنين عن معاناتهم من مشكلات في الصحة العقلية بشكل ملحوظ، مما أعاد تسليط الضوء على الحاجة إلى بيئات عمل ومؤسسات أكثر دعما".
كيف نربي الإيجابية في جيل المستقبل؟
للمجتمعات وسائلها الخاصة في التربية حيث تختلف من مجتمع لآخر. فالمجتمعات الإسلامية تجد الأسرة نفسها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن تربية أبنائها. وهذه إيجابية مهمة، وحتى تتحقق التربية أهدافها، فالمطلوب من الأبوين القيام بعدد من المهام التي تخصهم حتى يكونوا مؤهلين للقيام بتلك المهمة ومن ذلك:
1-فهم طبيعة هذا الجيل من حيث الفرص الموجود لديهم للتعلم و الانخراط في عالم رقمي جديد، وهذا الفهم يتأتى من خلال القراءة التي توفر لهم بعض الحلول، والاستماع للخبراء الجادين، والعلماء الفاعلين.
2-تحديد القيم المطلوبة لهذ الجيل بناء على الدراسات التي يقدمها العلماء والخبراء.
3- التعاون مع المدرسة من أجل متابعة ما يجري وما يحدث فيها، لحل المشكلات دون إبطاء.
4- منح الأبناء فرصا للتعبير عن ذواتهم ومعاناتهم وعدم التنمر عليهم أو تحقير آرائهم، إذ يؤدي ذلك إلى الشعور بالدونية و الاحتقار فينعزلون ويصبح التفاهم معهم أكثر صعوبة.
5- توفير فرص لإشغالهم بالنافع من الأعمال، مثل إرسالهم إلى دور القرآن الكريم لحفظه وفهمه وتدبره ليكون لهم نورا هاديا في حياتهم. والبحث عن رفاق الخير من الناجحين في حياتهم، المتخلقين بقيم الإسلام، وإبعادهم عن المنحرفين والفاشلين، والتردد على المسجد، وممارسة رياضات تنمي قدراتهم الجسدية، والمشاركة في مسابقات علمية وغيرها.
6- توفير فرص للعمل معهم على مبادرات مجتمعية تخص التعاون على الخير، و المحافظة على البيئة وحمايتها، وكذلك المبادرات الاجتماعية لتقديم المساعدات للمحتاجين
7- عدم تركهم نهبا لمنظمات مشبوهة تنشر الفساد باسم تأهيلهم على مهارات الحياة، وتثير الناس بعضهم على بعض، وتربيهم على التمرد على قيم المجتمع.
8- تأهيل أنفسهم للتزود بمهارات الحوار والإقناع والتفاهم.
وخلاصة القول أن أمتنا اليوم بحاجة لعقليات إيجابية ترى الخير وتعظمه من خلال فهمها لكتاب الله وسنة رسوله وسيرته صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة الكرام والأبطال في تاريخ الإسلام، وإبعادهم عن كل ما يعيق تلك الإيجابية من مثل العزلة ومرافقة الفاشلين ومتابعة التافهين من المؤثرين.
د. صالح نصيرات
سيبقى القرآن الكريم موردا ومنهلا عذبا للمؤمنين، فهو مصدر عزتهم ومرشّد طريقهم، وهاديهم بإذن الله إلى سواء السبيل. والمسلم يقرأ القرآن الكريم ليس باحثا عن الأجر و البركة فقط، ولكن الأصل فيه أن يبحث عن اللآلئ في أعماقه، فيعقل ويتدبر أوامر الله، ويستقرئ أحوال الناس، ويستخلص العبر لتكون دروسا له في مراغمة هذه الحياة.
الآيتان الكريمتان "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون" و " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون" تختصران نهجين متناقضين: نهج القاعدين السلبيين، ونهج المبادرين الإيجابيين, وهذان النهجان موجودان اليوم، ولعل النهج السلبي الذي أساسه اليأس والقنوط، وعدم اليقين بوعد الله هو الغالب على المسلمين اليوم. فأكثرهم متواكلون مترددون، ينتظرون المعجزات والكرامات وظهور المهدي لينقذهم مما هم فيه، ولذلك نجد اليوم حوارات وتساؤلات كثيرة عن آخر الزمان. فكثيرون اليوم مشغولون بظهور علامات الساعة الكبرى، وكل يبحث عن ذلك لتبرئة نفسه من العمل، وإشغال وقته الثمين فيما لا ينفع. ويبدو أن الأمة عبر تاريخها الممتد تقع في حبائل التبرير والقعود كلما ابتعدت عن الفهم الصحيح لدينها، فتقع فريسة التجهيل و التضليل.
ويترتب على ذلك النهج شلل فكري وعملي، لذلك تراهم منسحبين من الحياة، يعكف يعضهم على الذكر والقعود في المساجد يتذاكرون في أعداد الحسنات التي سينالونها من تحريك السنتهم بالذكر ظنا منهم أنه المنجى، وهو فهم يجانب الصواب، لكنه تلبيس إبليس. وربما فهم بعض الناس ما نقول هنا فهما خاطئا وهو أننا نهون من شأن الذكر، ولكننا ننطلق من فهم قرآني كريم "يا ايها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" فالذكر هنا ممدوح بل مأمور به لأنه في موقع النزال، إذ الذكر يعني معية الله للمؤمن، واستشعاره بهذه المعية الإلهية سبب في رفع معنوياته، وتِرفُّعِه عن الدنيا، و السعي للتضحية والإقدام دون وجل أو خوف. وممدوح أيضا في كل الأحوال.
أما القاعدون من غير أولي الضرر فربما أوصلهم هذا النهج إلى الى الانحراف عن الجادة، اليأس من رحمة الله مخالفين قوله تعالى الذي جعله من علامات الكفر "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".
مقابل هذا النهج السلبي نجد نهجا ممدوحا في كتاب الله سبحانه. وهو القائم على المبادرة والإقدام واجتراح الحلول، والتفكير الإيجابي الذي يعظّم الخير ويتوقعه. ولعل قوله تعالى " أنعم الله عليهم" في وسط الآية دلالة على أن النهج الإيجابي نعمة من نعم الله على العبد، وإذا كان ذلك صحيحا، فالنعمة هذه ستترجم بنصر عظيم وفتح مبين. واليوم يتمترس أقوام من الملاحدة والمرتدين، والشعوبيين، و الزنادقة خلف حصون بناها لهم خصوم هذا الدين ليقذفوا بسهامهم الخبيثة هذا الدين ورموزه، ووصل بهم الأمر إلى التحقير والاستهزاء بأعظم ما لدى المسلم.
من المصائب التي حلّت بكثير من الناس اليوم مانراه من عكوف على التوافه من الأخبار والمسلسلات والفيديوهات، وأكثر من وقع صيدا ثمينا في شبكات التافهين هم الشباب من الجنسين. وقد رصد باحثون في التربية وعلوم النفس و الاجتماع والجريمة ظواهر سلبية طفت على السطح، فقرع هؤلاء الباحثون أجراس الإنذار من تعاظم تلك المخاطر على المجتمعات، بل على الإنسانية.
وفي تقرير للجزيرة نت يذكر بعض خصائص الجيل الجديد " نشأ "الجيل زد" في بيئة عالمية مضطربة لم تعرف الاستقرار كما خبرته الأجيال السابقة. فمنذ سنوات طفولتهم، ترافق مسار حياتهم مع تهديدات المناخ المتصاعدة، وإجراءات الإغلاق الطويلة التي فرضتها جائحة كورونا (كوفيد-19)، إضافة إلى القلق المستمر من أزمات اقتصادية عالمية وانهيارات مالية متكررة. هذه الخلفية صنعت جيلا يحمل طموحا للتغيير، لكنه يواجه في المقابل ضغوطا نفسية استثنائية.
فهذا الجيل هو الأكثر عرضة للقلق والتوتر، لا سيما بفعل الضغط المستمر الذي تولده وسائل التواصل الاجتماعي عبر المقارنات الدائمة وصناعة الصورة المثالية.
ومنذ عام 2020 ارتفعت نسبة المعلنين عن معاناتهم من مشكلات في الصحة العقلية بشكل ملحوظ، مما أعاد تسليط الضوء على الحاجة إلى بيئات عمل ومؤسسات أكثر دعما".
كيف نربي الإيجابية في جيل المستقبل؟
للمجتمعات وسائلها الخاصة في التربية حيث تختلف من مجتمع لآخر. فالمجتمعات الإسلامية تجد الأسرة نفسها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن تربية أبنائها. وهذه إيجابية مهمة، وحتى تتحقق التربية أهدافها، فالمطلوب من الأبوين القيام بعدد من المهام التي تخصهم حتى يكونوا مؤهلين للقيام بتلك المهمة ومن ذلك:
1-فهم طبيعة هذا الجيل من حيث الفرص الموجود لديهم للتعلم و الانخراط في عالم رقمي جديد، وهذا الفهم يتأتى من خلال القراءة التي توفر لهم بعض الحلول، والاستماع للخبراء الجادين، والعلماء الفاعلين.
2-تحديد القيم المطلوبة لهذ الجيل بناء على الدراسات التي يقدمها العلماء والخبراء.
3- التعاون مع المدرسة من أجل متابعة ما يجري وما يحدث فيها، لحل المشكلات دون إبطاء.
4- منح الأبناء فرصا للتعبير عن ذواتهم ومعاناتهم وعدم التنمر عليهم أو تحقير آرائهم، إذ يؤدي ذلك إلى الشعور بالدونية و الاحتقار فينعزلون ويصبح التفاهم معهم أكثر صعوبة.
5- توفير فرص لإشغالهم بالنافع من الأعمال، مثل إرسالهم إلى دور القرآن الكريم لحفظه وفهمه وتدبره ليكون لهم نورا هاديا في حياتهم. والبحث عن رفاق الخير من الناجحين في حياتهم، المتخلقين بقيم الإسلام، وإبعادهم عن المنحرفين والفاشلين، والتردد على المسجد، وممارسة رياضات تنمي قدراتهم الجسدية، والمشاركة في مسابقات علمية وغيرها.
6- توفير فرص للعمل معهم على مبادرات مجتمعية تخص التعاون على الخير، و المحافظة على البيئة وحمايتها، وكذلك المبادرات الاجتماعية لتقديم المساعدات للمحتاجين
7- عدم تركهم نهبا لمنظمات مشبوهة تنشر الفساد باسم تأهيلهم على مهارات الحياة، وتثير الناس بعضهم على بعض، وتربيهم على التمرد على قيم المجتمع.
8- تأهيل أنفسهم للتزود بمهارات الحوار والإقناع والتفاهم.
وخلاصة القول أن أمتنا اليوم بحاجة لعقليات إيجابية ترى الخير وتعظمه من خلال فهمها لكتاب الله وسنة رسوله وسيرته صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة الكرام والأبطال في تاريخ الإسلام، وإبعادهم عن كل ما يعيق تلك الإيجابية من مثل العزلة ومرافقة الفاشلين ومتابعة التافهين من المؤثرين.