القدس ما قبل العاصفة
د.موسى عكاري
باحث في الشأن الفلسطيني
تمهيد
منذ مطلع العام 2022 تشهد مدينة القدس المحتلة تصاعداً تدريجياً للأحداث الميدانية، وذلك نتيجة لتفاقم حالة الغضب لدى الشباب المقدسيين، رداً على سياسات حكومة الاحتلال الرامية الى تهويد الأرض وترحيل السكان، فيما تدرك قوات الاحتلال ومخابراته عبر تقديراتهم المبنية على ما حدث في العام الماضي، بأنهم أمام جولة لا مفرَّ منها من الصدام مع الشباب الفلسطيني في مدينة القدس وفي كافة المدن الفلسطينية، وأن ما تشهده أحياء مدينة القدس ومنذ بداية شهر آذار الجاري ما هي إلا إرهاصات لانتفاضة جديدة، إذ لا يخلو يوم دون حدوث مواجهة مع قوات الاحتلال ومستوطنيه.
فوبيا رمضان
الأحداث المتوقعة على الساحة الفلسطينية خلال الأسابيع المقبلة، شكّلت لدى حكومة الاحتلال وأجهزتها الأمنية ما يُمكن تسميته "فوبيا رمضان"، حيث تدرك حكومة الاحتلال بأن هناك مواجهة تلوح بالأفق عمادها هذه المرة التقويم السنوي المليئ بأعواد ثقاب مشتعلة، حيث تتصادم فيه الأعياد والمناسبات "الوطنية" الصهيونية بالمناسبات الدينية والوطنية الفلسطينية، وأبرزها المناسبات التالية:
• في 30 مارس من المتوقع أن يتم إحياء ذكرى "يوم الأرض"، (الذي عبّرت عنه حماس عام 2018 في قطاع غزة عبر إطلاقها لمسيرات العودة، والتي كان يفترض أن تتواصل حتى الخامس عشر من مايو 2018، إلا أنها استمرت حتى العام 2020).
• وفي 2 أبريل يبدأ شهر رمضان المبارك، ما يؤدي في كل عام إلى اندلاع مواجهات عنيفة وخاصة بعد صلاة الجمعة.
• وفي عشية يوم 15 أبريل سيحل عيد الفصح اليهودي، يليه إطلاق "مراسم الكهنوت" التقليدية في ساحة حائط البراق إلى جانب اقتحام مجموعات من المستوطنين إلى المسجد الأقصى.
• وبعد ذلك سيأتي عيد الفطر، والذي سيصادف يوم احياء ذكرى سقوط قتلى جيش الاحتلال.
• بعد أسبوع من ذلك وفي 10 مايو تأتي ذكرى معركة "سيف القدس".
• وفي 15 مايو سيخرج الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده لإحياء "يوم النكبة"، ويحتفل فيه الكيان بولادة دولته المزعومة.
هذه التواريخ المتداخلة تحمل في طياتها الكثير من إمكانات التفجير، لذلك فإن ممارسات قوات الاحتلال الميدانية لا سيما في مدينة القدس والداخل الفلسطيني (اللد والرملة وعكا والنقب) من جانب، واستفزازات زعران المستوطنين الذين يتداعون للحشد في المسجد الأقصى المبارك من الجانب الآخر، ستنعكس بشكل مباشر على تفاقم الأوضاع وتدحرجها ابتداءً على شكل هبة وانتفاضة شعبية، أو قد تتطور لمواجهة عسكرية على غرار معركة "سيف القدس". في ذات السياق، لا بدّ أيضاً من تسليط الضوء على الأجندات التي يتحرك بها النائب المتطرف ايتمار بن غفير، التي تتقاطع مع أجندات رئيس الوزراء السابق بينيامين نتنياهو، والساعية لاسقاط الحكومة التي يقودها بينت (المستندة في شرعيتها على بيضة القبّان حزب القائمة العربية الموحدة "راعام")، عبر افتعال صراع مباشر مع الفلسطينيين في مدينة القدس يتدجرج الى معركة مع قطاع غزة .
محاولة احتواء الموقف
وللتقليل من فرص احتدام الموقف الميداني ونزع فتيل التوتر المتزايد في أحياء مدينة القدس وشوارعها، فقد شهدت الأسابيع الماضية تحركاً صهيونياً ملحوظاً عبر مستويين:
الأول: على المستوى الحكومي، حيث باشر قادة ووزراء من حكومة الاحتلال بعدة زيارات ماراثونية بين عمان ورام الله وواشنطن، لإطلاع الإمريكان والأردنيين وسلطة رام الله حول ما قد تؤول اليه الأحداث خلال المرحلة المقبلة، وضرورة تنسيق العمال لضمان ضبط النفس وعدم التصعيد.
الثاني: على مستوى الأجهزة الأمنية، وقد حدَّدت قوات الشرطة الصهيونية أربعة قضايا رئيسية يجب التعامل معها بحذر لمنع تدهور الأوضاع خلال الأيام المقبلة، وهي:
1. قرارات الهدم. 2. المسجد الأقصى المبارك. 3. منطقة باب العامود. 4.حي الشيخ جراح.
لذلك فقد أصدر مفتش عام شرطة الاحتلال كوبي شبتاي، قراراً مؤقتاً يمنع بموجبه تنفيذ أوامر الهدم الصادرة بحق بيوت المقدسيين خشية التصعيد الأمني، كما واوعز وزير الأمن الداخلي عومر بارليف الى مفتش الشرطة بأن يمنع أعضاء الكنيست (في إشارة الى عضو الكنيست المتطرف ايتمار بن غفير) من دخول المسجد الأقصى خلال أيام شهر رمضان المبارك، إلا أنه قد تراجع عن هذا القرار بعد معارضة المستشارة القانونية للحكومة. كذلك فقد قررت شرطة الاحتلال عدم نصب سواتر حديدية في منطقة باب العامود لتجنب الأحداث العارمة التي وقعت فيه العام الماضي. أما بخصوص ملف حي الشيخ جراح فقد صدر قراراً لتجميد إخلاء عائلة سالم، وإلغاء قرار إخلاء عائلات الجاعوني وسكافي والكرد، وإزالة كافة الحواجز التي نصبت في حي الشيخ جراح.
حتمية المواجهة
وبينما تسعى حكومة الاحتلال خلال الأيام المقبلة لتجنب التصعيد وألا تخرج الأمور عن سيطرتها، إلا أن ما فات من أيام على الشهر الجاري تؤشر نحو ارتفاع ملحوظ في جرأة الشبان المقدسيين على المواجهة، حيث شهدت مدينتي القدس والنقب خلال شهر آذار الجاري تصاعداً طردياً في وتيرة أعمال المقاومة، فمنذ مطلع الشهر الجاري نفذ الشبان المقدسيون سبع عمليات طعن، أدت إلى مقتل 4 مستوطنين واصابة 12 بين صفوف جنود الاحتلال والمستوطنين، إلى جانب سلسلة من عمليات الرشق بالحجارة والزجاجات الحارقة.
• ففي يومي الأربعاء والخميس 2-3 من الشهر الجاري، قام أحد شبان مخيم شعفاط بتنفيذ عمليتي طعن في بلدة حزما شمال مدينة القدس، أدتا لإصابة مستوطن وأحد جنود الاحتلال.
• وفي مساء يوم الاثنين 7 من الشهر الجاري، نفذ البطل الشهيد عبد الرحمن علي عملية طعن لإثنين من أفراد شرطة الاحتلال في سوق القطانين بالبلدة القديمة.
• وفي فجر يوم الأحد 6 من الشهر الجاري، قام البطل كريم جمال القواسمي من جبل الزيتون، بتنفيذ عملية طعن أدت لإصابة اثنين من أفراد شرطة الاحتلال عند باب "حطة"، أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك.
• وفي نفس اليوم استشهد الشبل البطل فادي جفال خلال مواجهات ليلية شهدتها بلدة أبو ديس بالقدس.
• وفي يوم 20 من الشهر الجاري، نفذ أحد الشبان عملية طعن في حي رأس العامود، أدت الى إصابة شرطيين من قوات الاحتلال، فيما نجح المنفذ من الانسحاب من مكان العملية.
• وفي يوم 22 من الشهر الجاري أيضاً، نفذ أحد شبان فلسطينيي الداخل محمد ابو القيعان عملية طعن في مدينة النقب، أودت بحياة أربعة مستوطنين وجرح اثنين آخرين.
على ضوء ذلك، فإن الشارع المقدسي سيشهد خلال الأيام المقبلة حالة من الغليان المتصاعد، والتي تشكّل في ذاتها أيضاً فرصة لقوى المقاومة للتعبير عن مشروعها عبر تحقيق الأهداف التالية:
1. إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وثوابتها وعلى رأسها قضية القدس، وتعزيز دور المقاومة كحامية للمسجد الأقصى المبارك.
2. سد الطريق على محاولات حكومة الاحتلال لتكريس الأمر الواقع في المسجد الأقصى المبارك، (عبر التجهيز للبناء المعنوي للهيكل، والتقسيم الزماني عبر اقتحامات المستوطنين اليومية).
3. ابراز دور الداخل الفلسطيني (مناطق ال 48) كجزء لا يتجزأ من حالة النضال الفلسطينية، وإعادة فلسطين في الخطاب السياسي والإعلامي الى ما قبل قرار التقسيم الجائر.
4. استعادة زمام المبادرة في الساحات الداخلية والإقليمية والدولية، عبر اضعاف السلطة وإبراز قوى المقاومة كفاعل مركزي في الميدان وفي السياسة.
5. إحداث تحول على مكانة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، عبر زيادة الضغط الشعبي للإطاحة به.
أخيراً
مما لا شك فيه ومن خلال مراجعة هبات وانتفاضات شعبنا الفلسطيني في الماضي، وليس آخرها هبة باب العامود ومعركة "سيف القدس"، أن كل مواجهة مع الاحتلال ستزيد من فرص تراجعه عن مخططاته، وتقلِّل من قدرته على فرض إرادته على شعبنا، وذلك على ضوء ابداعات شعبنا في اساليب مقاومته في كل جولة.
تأتي الجولة الجديدة من الصدام مع الاحتلال، لتشكل فرصة جديدة تُثبت عبرها المقاومة بأنها على قدر التحدي، وأنها في جميع الظروف جاهزة للرد على الصلف الصهيوني والدفاع عن شعبنا، وقادرة على لجم مشاريع العدو التهويدية في مدينة القدس، وعلى ترسيم قواعد لعبة تضمن إبقاء القضية الفلسطينية حية عصِّية لا تقبل الضياع أو الذوبان، واستعداداً لجولة أخرى عسى الله أن يأذن فيها بالفتح أو أمرٍ من عنده.