مع اقتراب شهر رمضان.. القدس أضحت ثكنة عسكرية وإجراءات تنذر بعدوان

  • الثلاثاء 10, فبراير 2026 09:14 ص
  • مع اقتراب شهر رمضان.. القدس أضحت ثكنة عسكرية وإجراءات تنذر بعدوان
بينما يتجهز المسلمون في كل بقاع الأرض لاستقبال شهر رمضان المبارك، تعيش مدينة القدس مرحلة جديدة من التصعيد الصهيوني المنهجي، وتفرض فيها سلطات الاحتلال إجراءات غير مسبوقة تهدف إلى عسكرة المدينة وتحويلها إلى فضاء أمني مغلق.
مع اقتراب شهر رمضان.. القدس أضحت ثكنة عسكرية وإجراءات تنذر بعدوان واسع
المركز الفلسطيني للإعلام
بينما يتجهز المسلمون في كل بقاع الأرض لاستقبال شهر رمضان المبارك، تعيش مدينة القدس مرحلة جديدة من التصعيد الصهيوني المنهجي، وتفرض فيها سلطات الاحتلال إجراءات غير مسبوقة تهدف إلى عسكرة المدينة وتحويلها إلى فضاء أمني مغلق.
انتشار مكثف للقوات، تشديد الحواجز، توسيع صلاحيات الشرطة، وتعيينات أمنية ذات طابع متطرف، كلها مؤشرات على سياسة استباقية يسعى الاحتلال من خلالها إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وتقييد وصول المصلين إلى المسجد الأقصى، وكسر الحالة الروحية والاجتماعية التي تميز مدينة القدس والمسجد الأقصى في شهر رمضان المبارك.
هذه الإجراءات لا تبدو عابرة أو موسمية، بل تعكس توجهاً سياسياً وأمنياً عميقاً لإدارة المدينة بعقلية القوة، في تجاهل صارخ لحقوق المقدسيين والوضع القانوني والتاريخي القائم.
عسكرة غير مسبوقة
الباحث في شؤون القدس إسماعيل مسلماني، قال إن مدينة القدس تشهد في الأسابيع الأخيرة إجراءات غير مسبوقة في عسكرة المشهد العام، في إطار استعدادات صهيونية استباقية لشهر رمضان المبارك، تستهدف فرض واقع أمني مشدد وتحويل المدينة إلى ثكنة عسكرية مفتوحة.
وأوضح “مسلماني”، في تصريح خاص لـ”المركز الفلسطيني للإعلام”، أن هذه الإجراءات تتجاوز ما اعتادت عليه المدينة في المواسم السابقة، سواء من حيث حجم القوات المنتشرة أو طبيعة الأدوات المستخدمة، مشيرًا إلى أن الاحتلال يعتمد مقاربة أمنية تقوم على الردع المسبق، وليس التعامل مع أحداث طارئة.
وبين أن عسكرة القدس تشمل تكثيف الحواجز العسكرية داخل الأحياء المقدسية، ونشر وحدات خاصة وشرطة حرس الحدود بكثافة غير معهودة، إلى جانب توسيع صلاحيات القوات العاملة في محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة.
ويرى “مسلماني” أن الاحتلال يسعى من خلال هذه السياسات إلى تقليص أعداد المصلين الوافدين إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، وخلق حالة من الخوف والضغط النفسي على المقدسيين، بما يحدّ من قدرتهم على ممارسة شعائرهم الدينية بحرية.
ويعتقد أن ما يجري لا يمكن فصله عن سياق سياسي أوسع، يتمثل في محاولات فرض السيادة الصهيونية بالقوة على المدينة، وتكريس واقع أمني جديد يُدار بمنطق السيطرة لا بمنطق القانون أو احترام الوضع التاريخي والقانوني القائم.
ولفت الباحث المقدسي إلى أن عسكرة المدينة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تترافق مع إجراءات إدارية وقانونية، مثل الإبعادات، والاستدعاءات، وقرارات المنع من الدخول إلى الأقصى، والتي تُستخدم كأدوات ردع جماعي بحق المقدسيين.
وأكد “مسلماني”، أن هذه السياسات تمثل انتهاكًا واضحًا لحرية العبادة، وتخالف التزامات الاحتلال بموجب القانون الدولي، محذرًا من أن استمرارها قد يقود إلى تفجير الأوضاع في المدينة في ظل الاحتقان القائم.
ودعا إلى تحرك عربي وإسلامي ودولي جاد لوقف هذه السياسات، وحماية المدينة وسكانها من محاولات فرض واقع قسري جديد مع حلول شهر رمضان.
صلاحيات عدوانية واسعة
رئيس مركز القدس حسن خاطر، من جهته، يرى أن الإجراءات الصهيونية المشددة تعززت بشكل خاص بعد التعيينات الأمنية الأخيرة التي أُجريت بإشراف وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، ما يعكس توجهاً نحو مزيد من العسكرة والقمع قبيل شهر رمضان المبارك.
وأوضح “خاطر”، في تصريح خاص لـ”المركز الفلسطيني للإعلام”، أن هذه التعيينات منحت شخصيات متطرفة صلاحيات واسعة في إدارة الملف الأمني في القدس، وهو ما تُرجم ميدانياً بزيادة غير مسبوقة في أعداد القوات، وتشديد القبضة الأمنية على الأحياء المقدسية والمسجد الأقصى ومحيطه.
وأشار إلى أن حكومة الاحتلال تتعامل مع شهر رمضان باعتباره “تحدياً أمنياً”، وليس مناسبة دينية، ما يدفعها إلى تبني سياسات استباقية تقوم على التضييق والمنع والعقاب الجماعي بدلاً من احترام حق العبادة.
ويعتقد “خاطر”، أن عسكرة القدس لم تعد إجراءً مؤقتاً مرتبطاً بالمواسم، بل باتت سياسة دائمة تهدف إلى إعادة هندسة الفضاء العام في المدينة، وتحويله إلى مساحة خاضعة بالكامل للسيطرة الأمنية الصهيونية.
وأكد أن هذه السياسات تستهدف بالدرجة الأولى الوجود الفلسطيني في القدس، وتسعى إلى كسر العلاقة العضوية بين المقدسيين والمسجد الأقصى، عبر نشر الخوف، وتقييد الحركة، وفرض إجراءات تفتيش وإذلال يومية.
ويرى رئيس مركز القدس أن ما يجري يشكل انتهاكاً صارخاً للوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة المقدسة، ويكشف عن نوايا حكومة الاحتلال في فرض وقائع جديدة بالقوة، بعيداً عن أي التزامات قانونية أو أخلاقية.
وحذّر “خاطر” من أن استمرار هذه الإجراءات، خاصة في ظل حكومة يمينية متطرفة، ينذر بتداعيات خطيرة على استقرار المدينة، وقد يدفع نحو انفجار واسع تتحمل دولة الاحتلال مسؤوليته الكاملة.
وشدد أن القدس بحاجة إلى حماية دولية حقيقية، مؤكداً أن الصمت على عسكرة المدينة وتشديد الخناق على المقدسيين يشجع الاحتلال على المضي قدماً في سياساته، داعياً إلى تحرك عاجل لوقف هذا التصعيد قبل حلول شهر رمضان.
معطيات حقوقية كاشفة
وتتقاطع تقديرات الباحثَين إسماعيل مسلماني وحسن خاطر مع ما توثّقه منظمات حقوقية محلية ودولية بالأرقام والمعطيات، إذ تشير تقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ومنظمات إسرائيلية مثل: “بتسيلم” و”جمعية حقوق المواطن في إسرائيل” إلى تصاعد ممنهج في القيود المفروضة على الفلسطينيين في القدس قبيل شهر رمضان وخلاله.
ووفق معطيات “أوتشا”، فإن عدد الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش المؤقتة في شرقي القدس ومحيطها يرتفع بنسبة تتجاوز 40% خلال شهر رمضان مقارنة ببقية أشهر العام، فيما يُنشر آلاف من عناصر الشرطة وحرس الحدود داخل البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى، لا سيما في أيام الجمع وليالي العشر الأواخر.
وتُظهر إحصاءات منظمات حقوقية مقدسية أن سلطات الاحتلال أصدرت، خلال العام الماضي وحده، أكثر من 1,200 قرار إبعاد ومنع دخول إلى المسجد الأقصى، بينها مئات القرارات التي فُرضت في الأسابيع التي سبقت شهر رمضان، وطالت شباناً، ونساءً، وحراساً، وخطباء، وناشطين مقدسيين، لفترات تراوحت بين أسبوع وستة أشهر.
كما وثّقت هذه المنظمات تسجيل مئات حالات المنع على الحواجز المؤدية إلى القدس، خاصة عند حاجزي قلنديا وبيت لحم، حيث يُمنع آلاف الفلسطينيين من الضفة الغربية من الوصول إلى المدينة، رغم حصول بعضهم على تصاريح رسمية.
وتؤكد “بتسيلم” أن شرطة الاحتلال تستخدم خلال شهر رمضان إجراءات “فضفاضة التعريف”، مثل “الاشتباه الأمني” أو “الإخلال بالنظام العام”، لتبرير منع المصلين من الدخول، فيما تُسجَّل سنوياً عشرات حالات الاعتداء الجسدي والتنكيل بالمصلين داخل محيط المسجد الأقصى.
وتشير معطيات “جمعية حقوق المواطن” إلى أن شرطة الاحتلال فرضت في مواسم سابقة قيوداً عمرية شملت منع من هم دون سن 40 أو 50 عاماً من دخول المسجد الأقصى في أيام محددة، وهو ما تعتبره الجمعية انتهاكاً مباشراً لحرية العبادة المكفولة بموجب المادة (18) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وتخلص المنظمات الحقوقية إلى أن هذه الإجراءات لا تُعدّ تدابير أمنية مؤقتة، بل جزءاً من سياسة دائمة تهدف إلى إدارة القدس بعقلية السيطرة الأمنية، وهو ما يتقاطع مع توصيف مسلماني لعسكرة المدينة وتحويلها إلى “ثكنة مفتوحة”، ومع تحذيرات خاطر من أن التعيينات الأمنية المتطرفة منحت الشرطة صلاحيات عدوانية واسعة، تُترجم ميدانياً إلى تضييق ممنهج على الوجود الفلسطيني في المدينة، وتقويض الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى والقدس المحتلة.