مخططات الضم في الضفة .. الوقائع والمخاطر
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
عند تناول مخططات الضم في الضفة الغربية، لا يقتصر الأمر على تصريحات انتخابية أو سجالات حزبية داخل كيان الاحتلال، بل يتصل بمسار تراكمي يجري فرضه ميدانيًا منذ سنوات.
يتجلى هذا المسار في توسيع الاستيطان، وشق الطرق الالتفافية، ومصادرة الأراضي، وتعزيز صلاحيات الإدارة المدنية، بما يفضي تدريجيًا إلى تحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى سيادة استعمارية دائمة. في هذا السياق تتحدد معالم المواجهة الراهنة في الضفة الغربية، حيث يجري إعادة تشكيل الجغرافيا والإطار القانوني والبنية السكانية بما يخدم مشروعًا إحلاليًا يسعى إلى ابتلاع الأرض الفلسطينية بشكل متدرج وممنهج.
الضم، في معناه السياسي والقانوني، هو نقل أرض محتلة من وضعها الخاضع لقواعد الاحتلال العسكري إلى وضع تعدّه دولة الاحتلال جزءاً من نطاق سيادتها. لكن خصوصية الحالة الفلسطينية أن الاحتلال لم ينتظر إعلاناً شاملاً ونهائياً كي يبدأ الضم فعلياً. فقد بنيت خلال العقود الماضية منظومة كاملة تجعل أجزاء واسعة من الضفة مرتبطة ببنية الاحتلال الأمنية والقضائية والاقتصادية، فيما يُترك الفلسطيني محاصراً داخل جيوب منفصلة، محكوم عليه بالتنقل بين الحواجز والبوابات والتصنيفات الإدارية.
ما المقصود فعلياً بمخططات الضم في الضفة؟
وفق الخبراء؛ فإن مصطلح مخططات الضم في الضفة، يشير إلى أكثر من سيناريو. هناك الضم الرسمي الذي قد يعلن بقرار حكومي أو تشريع برلماني يشمل المستوطنات الكبرى أو منطقة الأغوار أو مناطق مصنفة ج. وهناك الضم الزاحف، وهو الأخطر في كثير من الأحيان؛ لأنه يجري بصمت وبأدوات إدارية وقانونية تبدو متفرقة، لكنها تصب في نتيجة واحدة: تثبيت السيطرة الإسرائيلية ومنع أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني متصل جغرافياً وقابل للحياة.
هذا الضم الزاحف يتجلى في توسيع المستوطنات القائمة، والاعتراف بالبؤر الاستيطانية، وربطها بشبكات طرق وبنية تحتية خاصة، ومنح المستوطنين امتيازات مدنية كاملة، بينما يبقى الفلسطيني تحت حكم عسكري قاس. هنا لا يعود السؤال: هل بدأ الضم؟ بل: إلى أي مدى تقدم، وكيف يمكن وقفه أو فضح آلياته؟
من الفكرة إلى التنفيذ على الأرض
لم تظهر هذه المخططات من فراغ. المشروع الصهيوني منذ بدايته قام على السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أقل عدد ممكن من الفلسطينيين. وبعد احتلال الضفة الغربية عام 1967، بدأت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بمختلف تلاوينها، في بناء حقائق مادية تحول دون الانسحاب الحقيقي. المستوطنات لم تكن مجرد تجمعات سكنية، بل أدوات سيادة واستيلاء وتفتيت.
خلال السنوات الأخيرة، تسارعت الخطوات بشكل أوضح. فالتشريعات الإسرائيلية، وقرارات وزراء اليمين، ونقل صلاحيات متزايدة من المؤسسة العسكرية إلى وزارات مدنية يقودها مستوطنون، كلها مؤشرات على أن الاحتلال يريد التخلص من الشكل المؤقت للاحتلال والإقرار بواقع الضم كأمر دائم. ما يُسوَّق داخلياً باعتباره “تطبيعاً قانونياً” للمستوطنات هو في الحقيقة شرعنة مباشرة لسرقة الأرض الفلسطينية.
الأغوار تحتل موقعاً مركزياً في هذا المخطط. ليس فقط بسبب مساحتها الواسعة وخصوبتها وأهميتها الزراعية، بل لأنها تمثل العمق الشرقي للضفة وحدودها مع الأردن. السيطرة عليها تعني خنق أي سيادة فلسطينية مستقبلية، وتحويل المدن الفلسطينية إلى جزر داخلية بلا منفذ حقيقي. لذلك لم يكن الحديث المتكرر عن ضم الأغوار تفصيلاً، بل عنواناً مكثفاً لفكرة أوسع: الاستيلاء على المناطق الأكثر استراتيجية وترك الفلسطينيين في معازل سكانية مكتظة.
رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان يؤكد أن القرار الخطير الذي اتخذه ما يسمى بـ”الكابينت” الإسرائيلي مؤخرًا بإقرار إنشاء عشرات المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية بشكل سري، يمثل قفزة في غاية الخطورة في إطار تسارع مشروع الاستعمار الاستيطاني على الأراضي الفلسطينية، ومحاولة فجة لفرض وقائع لا رجعة عنها على الأرض الفلسطينية المحتلة.
ووفق شعبان؛ فإن هذا القرار يأتي استكمالًا لسلسلة قرارات اتخذها الكابينت خلال عام 2025، تمثلت في فصل 13 حيا استيطانيا واعتبارها مستوطنات قائمة بذاتها، إلى جانب إقرار إنشاء 22 موقعًا استيطانيا في مرحلة لاحقة، ثم قرار إضافي بإنشاء 19 موقعاً آخر، ما يعكس نهجا تراكميا ومنهجيا لتوسيع المشروع الاستيطاني وتحويله من توسع تدريجي إلى قفزات كمية ونوعية متسارعة تهدف إلى فرض وقائع لا رجعة عنها على الأرض.
كيف ينفذ الضم من دون إعلان شامل؟
الاحتلال تعلم من التجارب السابقة أن الإعلان الصريح قد يثير اعتراضات دولية أوسع، حتى لو بقيت في حدود الشجب. لذلك يجري أحياناً تفكيك مشروع الضم إلى خطوات أصغر. تُصادر الأرض بحجة أنها “أراضي دولة”، ثم تمنع المجتمعات الفلسطينية من البناء، ثم تقام بؤرة استيطانية، ثم تُشرعن لاحقاً، ثم تُوصل بالبنية التحتية، ثم تُدرج ضمن خطط تطوير طويلة الأمد. هكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة.
في المقابل، يستخدم التخطيط العمراني كسلاح مباشر. القرى الفلسطينية في مناطق واسعة من الضفة تُحاصر بمخططات هيكلية مجحفة أو تُحرم منها أصلاً، ما يعني أن أي منزل أو مدرسة أو منشأة زراعية تصبح مهددة بالهدم. هذه ليست إجراءات إدارية محايدة، بل جزء من هندسة ديموغرافية هدفها دفع الفلسطيني إلى الرحيل القسري أو تقليص حضوره في مناطق مستهدفة.
تتضح الصورة أكثر في القدس ومحيطها، حيث يعمل الاحتلال منذ سنوات على وصل الكتل الاستيطانية الكبرى ببعضها، وقطع الامتداد الطبيعي بين شمال الضفة وجنوبها، وعزل المدينة عن عمقها الفلسطيني. وإذا كان ضم القدس قد أُعلن منذ زمن، فإن ما يجري حولها اليوم هو استكمال للمشروع نفسه على نطاق أوسع.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان؛ فإن الاحتلال ومنذ مطلع العام 2023 وبالتزامن مع تشكيل حكومة اليمين المتطرف التي كان موضوع الاستيطان الاستعماري أهم شعاراتها وأهدافها، من خلال قيامها بمصادرة أكثر من 75 ألف دونم من أراضي الفلسطينيين وفق مسميات مختلفة، منها إعلانات أراضي الدولة والمحميات الطبيعية والأوامر العسكرية.
لماذا تشكل هذه المخططات خطراً وجودياً؟
الخطر الأول جغرافي. أي ضم واسع أو متدرج يعني تقطيع أوصال الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة، وفصل التجمعات الفلسطينية عن أراضيها الزراعية ومواردها المائية. وهذا لا يضرب فقط فكرة الدولة الفلسطينية، بل يضرب أيضاً شروط الصمود اليومي للناس الذين يعيشون من الأرض ويعتمدون على الحركة بين القرى والمدن.
الخطر الثاني قانوني وسياسي. الضم يحاول تحويل الجريمة إلى أمر طبيعي، وإعادة تعريف الاحتلال بوصفه سيادة. حين يحدث ذلك، يصبح التراجع أصعب، وتتحول المستوطنات في الخطاب الإسرائيلي والدولي لدى بعض الأطراف إلى “واقع قائم” بدلاً من كونها بنية استعمارية غير شرعية. هذا التحول في اللغة ليس بسيطاً، لأنه يمهد لتآكل الموقف الدولي ويشجع مزيداً من العدوان.
أما الخطر الثالث فهو ديموغرافي وإنساني. في المناطق المهددة بالضم أو التي تعيش ضماً فعلياً، يتعرض الفلسطينيون لمزيج من التضييق الاقتصادي، والاقتحامات، واعتداءات المستوطنين، ومنع البناء، وقيود الحركة. الغاية ليست فقط السيطرة على المكان، بل إنهاك الإنسان الفلسطيني وكسر إرادته ودفعه إلى الرحيل. لذلك فإن الضم ليس ملفاً قانونياً مجرداً، بل سياسة اقتلاع بطيء.
الموقف الدولي وحدود الرهان عليه
لا خلاف على أن القانون الدولي يعتبر الضفة الغربية أرضاً محتلة، ويرفض الاستيطان وضم الأراضي بالقوة. لكن التجربة الفلسطينية الطويلة أثبتت أن وضوح النصوص لا يعني بالضرورة وجود إرادة لفرضها. كثير من العواصم تدين، ثم تواصل التعامل مع الاحتلال كأنه طرف فوق المساءلة. هذه الفجوة بين الموقف المعلن والسلوك العملي منحت الاحتلال وقتاً ثميناً لتوسيع مشروعه.
هنا يجب التعامل بواقعية سياسية. الضغط الدولي مهم، والعزل القانوني والأخلاقي للاحتلال ضروري، لكن التعويل على الإدانات وحدها أثبت محدوديته. ما لم يتحول الرفض الدولي إلى كلفة حقيقية على الاحتلال، فإن مخططات الضم ستستمر بأشكال مختلفة. هذه حقيقة مرة، لكنها ضرورية لفهم طبيعة المعركة.
ما الذي يعنيه الضم للفلسطينيين في الضفة؟
يعني أولاً أن الحياة اليومية ستصبح أكثر قسوة وتعقيداً. المزارع قد يمنع من الوصول إلى أرضه، والقرية قد تحاصر، والمدينة قد تُقطع عن محيطها، والعائلة قد تفقد حقها في البناء أو التوسع الطبيعي. كما يعني تعميق الفوارق بين مناطق الضفة نفسها، بحيث يُدفع كل تجمع فلسطيني إلى مواجهة مصيره منفرداً تحت ضغط أمني ومعيشي هائل.
ويعني ثانياً أن المواجهة لم تعد فقط مع جندي على حاجز، بل مع منظومة كاملة تسعى إلى تثبيت الاستيطان كحقيقة نهائية. لذلك تتخذ المقاومة هنا أشكالاً متعددة: رباط في الأرض، وتوثيق للانتهاكات، ومواجهة شعبية، وإسناد قانوني وإعلامي، وفضح للرواية الإسرائيلية التي تقدم الضم كمسألة أمن أو نزاع حدودي. الحقيقة أنه مشروع استعماري صريح، وأي توصيف أقل من ذلك يضلل الصورة.
كيف يجب قراءة المرحلة المقبلة؟
المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد الإسرائيلي، سواء عبر قرارات رسمية جديدة أو عبر توسيع الضم الزاحف. اليمين الإسرائيلي لا يخفي برنامجه، بل يعلن بوضوح أن الضفة ليست أرضاً قابلة للتفاوض بل مجالاً للتوسع الدائم. وفي ظل اختلال موازين القوى، قد يفضّل الاحتلال التقدم بخطوات مجزأة لتفادي ردود الفعل الكبيرة، مع الاستفادة من الانشغال الإقليمي والدولي بأزمات أخرى.
لكن هذا لا يعني أن المشروع يسير بلا مقاومة أو بلا كلفة. التجربة الفلسطينية تقول إن الأرض التي يُراد ابتلاعها تبقى ساحة اشتباك مفتوحة، وإن محاولات فرض الوقائع تواجه دائماً بصمود الناس وتمسكهم بحقهم. كما أن تعرية الضم بوصفه امتداداً مباشراً للاستيطان والفصل العنصري تبقى مهمة مركزية في المعركة الإعلامية والسياسية، وهي مهمة لا تقل أهمية عن المواجهة الميدانية.
في هذا السياق، يظل دور المنصات الفلسطينية المتخصصة، ومنها المركز الفلسطيني للإعلام، أساسياً في متابعة التفاصيل التي تحاول الرواية الإسرائيلية تمريرها كإجراءات تقنية أو تنظيمية. لأن أخطر ما في الضم أنه يتسلل أحياناً بلغة بيروقراطية باردة، فيما نتائجه على الأرض بالغة العنف والوضوح.
الحديث عن الضم ليس شأناً مستقبلياً مؤجلاً، بل وصف لواقع يتشكل كل يوم فوق التلال والوديان والقرى المهددة. وكل قراءة جادة لما يجري في الضفة يجب أن تبدأ من هذه النقطة: الاحتلال لا يدير الأرض مؤقتاً، بل يعمل على ابتلاعها. ومن هنا تصبح حماية الرواية، وإسناد صمود الناس، وكشف البنية الاستعمارية للمشروع، جزءاً من معركة الدفاع عن فلسطين نفسها، لا مجرد نقاش سياسي عابر.
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
عند تناول مخططات الضم في الضفة الغربية، لا يقتصر الأمر على تصريحات انتخابية أو سجالات حزبية داخل كيان الاحتلال، بل يتصل بمسار تراكمي يجري فرضه ميدانيًا منذ سنوات.
يتجلى هذا المسار في توسيع الاستيطان، وشق الطرق الالتفافية، ومصادرة الأراضي، وتعزيز صلاحيات الإدارة المدنية، بما يفضي تدريجيًا إلى تحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى سيادة استعمارية دائمة. في هذا السياق تتحدد معالم المواجهة الراهنة في الضفة الغربية، حيث يجري إعادة تشكيل الجغرافيا والإطار القانوني والبنية السكانية بما يخدم مشروعًا إحلاليًا يسعى إلى ابتلاع الأرض الفلسطينية بشكل متدرج وممنهج.
الضم، في معناه السياسي والقانوني، هو نقل أرض محتلة من وضعها الخاضع لقواعد الاحتلال العسكري إلى وضع تعدّه دولة الاحتلال جزءاً من نطاق سيادتها. لكن خصوصية الحالة الفلسطينية أن الاحتلال لم ينتظر إعلاناً شاملاً ونهائياً كي يبدأ الضم فعلياً. فقد بنيت خلال العقود الماضية منظومة كاملة تجعل أجزاء واسعة من الضفة مرتبطة ببنية الاحتلال الأمنية والقضائية والاقتصادية، فيما يُترك الفلسطيني محاصراً داخل جيوب منفصلة، محكوم عليه بالتنقل بين الحواجز والبوابات والتصنيفات الإدارية.
ما المقصود فعلياً بمخططات الضم في الضفة؟
وفق الخبراء؛ فإن مصطلح مخططات الضم في الضفة، يشير إلى أكثر من سيناريو. هناك الضم الرسمي الذي قد يعلن بقرار حكومي أو تشريع برلماني يشمل المستوطنات الكبرى أو منطقة الأغوار أو مناطق مصنفة ج. وهناك الضم الزاحف، وهو الأخطر في كثير من الأحيان؛ لأنه يجري بصمت وبأدوات إدارية وقانونية تبدو متفرقة، لكنها تصب في نتيجة واحدة: تثبيت السيطرة الإسرائيلية ومنع أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني متصل جغرافياً وقابل للحياة.
هذا الضم الزاحف يتجلى في توسيع المستوطنات القائمة، والاعتراف بالبؤر الاستيطانية، وربطها بشبكات طرق وبنية تحتية خاصة، ومنح المستوطنين امتيازات مدنية كاملة، بينما يبقى الفلسطيني تحت حكم عسكري قاس. هنا لا يعود السؤال: هل بدأ الضم؟ بل: إلى أي مدى تقدم، وكيف يمكن وقفه أو فضح آلياته؟
من الفكرة إلى التنفيذ على الأرض
لم تظهر هذه المخططات من فراغ. المشروع الصهيوني منذ بدايته قام على السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أقل عدد ممكن من الفلسطينيين. وبعد احتلال الضفة الغربية عام 1967، بدأت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بمختلف تلاوينها، في بناء حقائق مادية تحول دون الانسحاب الحقيقي. المستوطنات لم تكن مجرد تجمعات سكنية، بل أدوات سيادة واستيلاء وتفتيت.
خلال السنوات الأخيرة، تسارعت الخطوات بشكل أوضح. فالتشريعات الإسرائيلية، وقرارات وزراء اليمين، ونقل صلاحيات متزايدة من المؤسسة العسكرية إلى وزارات مدنية يقودها مستوطنون، كلها مؤشرات على أن الاحتلال يريد التخلص من الشكل المؤقت للاحتلال والإقرار بواقع الضم كأمر دائم. ما يُسوَّق داخلياً باعتباره “تطبيعاً قانونياً” للمستوطنات هو في الحقيقة شرعنة مباشرة لسرقة الأرض الفلسطينية.
الأغوار تحتل موقعاً مركزياً في هذا المخطط. ليس فقط بسبب مساحتها الواسعة وخصوبتها وأهميتها الزراعية، بل لأنها تمثل العمق الشرقي للضفة وحدودها مع الأردن. السيطرة عليها تعني خنق أي سيادة فلسطينية مستقبلية، وتحويل المدن الفلسطينية إلى جزر داخلية بلا منفذ حقيقي. لذلك لم يكن الحديث المتكرر عن ضم الأغوار تفصيلاً، بل عنواناً مكثفاً لفكرة أوسع: الاستيلاء على المناطق الأكثر استراتيجية وترك الفلسطينيين في معازل سكانية مكتظة.
رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان يؤكد أن القرار الخطير الذي اتخذه ما يسمى بـ”الكابينت” الإسرائيلي مؤخرًا بإقرار إنشاء عشرات المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية بشكل سري، يمثل قفزة في غاية الخطورة في إطار تسارع مشروع الاستعمار الاستيطاني على الأراضي الفلسطينية، ومحاولة فجة لفرض وقائع لا رجعة عنها على الأرض الفلسطينية المحتلة.
ووفق شعبان؛ فإن هذا القرار يأتي استكمالًا لسلسلة قرارات اتخذها الكابينت خلال عام 2025، تمثلت في فصل 13 حيا استيطانيا واعتبارها مستوطنات قائمة بذاتها، إلى جانب إقرار إنشاء 22 موقعًا استيطانيا في مرحلة لاحقة، ثم قرار إضافي بإنشاء 19 موقعاً آخر، ما يعكس نهجا تراكميا ومنهجيا لتوسيع المشروع الاستيطاني وتحويله من توسع تدريجي إلى قفزات كمية ونوعية متسارعة تهدف إلى فرض وقائع لا رجعة عنها على الأرض.
كيف ينفذ الضم من دون إعلان شامل؟
الاحتلال تعلم من التجارب السابقة أن الإعلان الصريح قد يثير اعتراضات دولية أوسع، حتى لو بقيت في حدود الشجب. لذلك يجري أحياناً تفكيك مشروع الضم إلى خطوات أصغر. تُصادر الأرض بحجة أنها “أراضي دولة”، ثم تمنع المجتمعات الفلسطينية من البناء، ثم تقام بؤرة استيطانية، ثم تُشرعن لاحقاً، ثم تُوصل بالبنية التحتية، ثم تُدرج ضمن خطط تطوير طويلة الأمد. هكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة.
في المقابل، يستخدم التخطيط العمراني كسلاح مباشر. القرى الفلسطينية في مناطق واسعة من الضفة تُحاصر بمخططات هيكلية مجحفة أو تُحرم منها أصلاً، ما يعني أن أي منزل أو مدرسة أو منشأة زراعية تصبح مهددة بالهدم. هذه ليست إجراءات إدارية محايدة، بل جزء من هندسة ديموغرافية هدفها دفع الفلسطيني إلى الرحيل القسري أو تقليص حضوره في مناطق مستهدفة.
تتضح الصورة أكثر في القدس ومحيطها، حيث يعمل الاحتلال منذ سنوات على وصل الكتل الاستيطانية الكبرى ببعضها، وقطع الامتداد الطبيعي بين شمال الضفة وجنوبها، وعزل المدينة عن عمقها الفلسطيني. وإذا كان ضم القدس قد أُعلن منذ زمن، فإن ما يجري حولها اليوم هو استكمال للمشروع نفسه على نطاق أوسع.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان؛ فإن الاحتلال ومنذ مطلع العام 2023 وبالتزامن مع تشكيل حكومة اليمين المتطرف التي كان موضوع الاستيطان الاستعماري أهم شعاراتها وأهدافها، من خلال قيامها بمصادرة أكثر من 75 ألف دونم من أراضي الفلسطينيين وفق مسميات مختلفة، منها إعلانات أراضي الدولة والمحميات الطبيعية والأوامر العسكرية.
لماذا تشكل هذه المخططات خطراً وجودياً؟
الخطر الأول جغرافي. أي ضم واسع أو متدرج يعني تقطيع أوصال الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة، وفصل التجمعات الفلسطينية عن أراضيها الزراعية ومواردها المائية. وهذا لا يضرب فقط فكرة الدولة الفلسطينية، بل يضرب أيضاً شروط الصمود اليومي للناس الذين يعيشون من الأرض ويعتمدون على الحركة بين القرى والمدن.
الخطر الثاني قانوني وسياسي. الضم يحاول تحويل الجريمة إلى أمر طبيعي، وإعادة تعريف الاحتلال بوصفه سيادة. حين يحدث ذلك، يصبح التراجع أصعب، وتتحول المستوطنات في الخطاب الإسرائيلي والدولي لدى بعض الأطراف إلى “واقع قائم” بدلاً من كونها بنية استعمارية غير شرعية. هذا التحول في اللغة ليس بسيطاً، لأنه يمهد لتآكل الموقف الدولي ويشجع مزيداً من العدوان.
أما الخطر الثالث فهو ديموغرافي وإنساني. في المناطق المهددة بالضم أو التي تعيش ضماً فعلياً، يتعرض الفلسطينيون لمزيج من التضييق الاقتصادي، والاقتحامات، واعتداءات المستوطنين، ومنع البناء، وقيود الحركة. الغاية ليست فقط السيطرة على المكان، بل إنهاك الإنسان الفلسطيني وكسر إرادته ودفعه إلى الرحيل. لذلك فإن الضم ليس ملفاً قانونياً مجرداً، بل سياسة اقتلاع بطيء.
الموقف الدولي وحدود الرهان عليه
لا خلاف على أن القانون الدولي يعتبر الضفة الغربية أرضاً محتلة، ويرفض الاستيطان وضم الأراضي بالقوة. لكن التجربة الفلسطينية الطويلة أثبتت أن وضوح النصوص لا يعني بالضرورة وجود إرادة لفرضها. كثير من العواصم تدين، ثم تواصل التعامل مع الاحتلال كأنه طرف فوق المساءلة. هذه الفجوة بين الموقف المعلن والسلوك العملي منحت الاحتلال وقتاً ثميناً لتوسيع مشروعه.
هنا يجب التعامل بواقعية سياسية. الضغط الدولي مهم، والعزل القانوني والأخلاقي للاحتلال ضروري، لكن التعويل على الإدانات وحدها أثبت محدوديته. ما لم يتحول الرفض الدولي إلى كلفة حقيقية على الاحتلال، فإن مخططات الضم ستستمر بأشكال مختلفة. هذه حقيقة مرة، لكنها ضرورية لفهم طبيعة المعركة.
ما الذي يعنيه الضم للفلسطينيين في الضفة؟
يعني أولاً أن الحياة اليومية ستصبح أكثر قسوة وتعقيداً. المزارع قد يمنع من الوصول إلى أرضه، والقرية قد تحاصر، والمدينة قد تُقطع عن محيطها، والعائلة قد تفقد حقها في البناء أو التوسع الطبيعي. كما يعني تعميق الفوارق بين مناطق الضفة نفسها، بحيث يُدفع كل تجمع فلسطيني إلى مواجهة مصيره منفرداً تحت ضغط أمني ومعيشي هائل.
ويعني ثانياً أن المواجهة لم تعد فقط مع جندي على حاجز، بل مع منظومة كاملة تسعى إلى تثبيت الاستيطان كحقيقة نهائية. لذلك تتخذ المقاومة هنا أشكالاً متعددة: رباط في الأرض، وتوثيق للانتهاكات، ومواجهة شعبية، وإسناد قانوني وإعلامي، وفضح للرواية الإسرائيلية التي تقدم الضم كمسألة أمن أو نزاع حدودي. الحقيقة أنه مشروع استعماري صريح، وأي توصيف أقل من ذلك يضلل الصورة.
كيف يجب قراءة المرحلة المقبلة؟
المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد الإسرائيلي، سواء عبر قرارات رسمية جديدة أو عبر توسيع الضم الزاحف. اليمين الإسرائيلي لا يخفي برنامجه، بل يعلن بوضوح أن الضفة ليست أرضاً قابلة للتفاوض بل مجالاً للتوسع الدائم. وفي ظل اختلال موازين القوى، قد يفضّل الاحتلال التقدم بخطوات مجزأة لتفادي ردود الفعل الكبيرة، مع الاستفادة من الانشغال الإقليمي والدولي بأزمات أخرى.
لكن هذا لا يعني أن المشروع يسير بلا مقاومة أو بلا كلفة. التجربة الفلسطينية تقول إن الأرض التي يُراد ابتلاعها تبقى ساحة اشتباك مفتوحة، وإن محاولات فرض الوقائع تواجه دائماً بصمود الناس وتمسكهم بحقهم. كما أن تعرية الضم بوصفه امتداداً مباشراً للاستيطان والفصل العنصري تبقى مهمة مركزية في المعركة الإعلامية والسياسية، وهي مهمة لا تقل أهمية عن المواجهة الميدانية.
في هذا السياق، يظل دور المنصات الفلسطينية المتخصصة، ومنها المركز الفلسطيني للإعلام، أساسياً في متابعة التفاصيل التي تحاول الرواية الإسرائيلية تمريرها كإجراءات تقنية أو تنظيمية. لأن أخطر ما في الضم أنه يتسلل أحياناً بلغة بيروقراطية باردة، فيما نتائجه على الأرض بالغة العنف والوضوح.
الحديث عن الضم ليس شأناً مستقبلياً مؤجلاً، بل وصف لواقع يتشكل كل يوم فوق التلال والوديان والقرى المهددة. وكل قراءة جادة لما يجري في الضفة يجب أن تبدأ من هذه النقطة: الاحتلال لا يدير الأرض مؤقتاً، بل يعمل على ابتلاعها. ومن هنا تصبح حماية الرواية، وإسناد صمود الناس، وكشف البنية الاستعمارية للمشروع، جزءاً من معركة الدفاع عن فلسطين نفسها، لا مجرد نقاش سياسي عابر.