حين تخجل الجغرافيا وتتكلم الإنسانية: يوسوكي فوروساوا.. الساموراي

مقالات وأبحاث

  • الأحد 05, يوليو 2026 09:26 ص
  • حين تخجل الجغرافيا وتتكلم الإنسانية: يوسوكي فوروساوا.. الساموراي
في قلب طوكيو، حيث الصخب الذي لا يهدأ، وحيث تدور عجلة الحياة اليابانية بآلية صارمة لا تعترف بالهوامش، يقف رجلٌ واحد. ليس عربياً، ولا مسلماً، لا تربطه بغزة صلة رحم، ولا تجمع بينه وبين القدس لغة أو ثقافة. اسمه يوسوكي فوروساوا. لكنه منذ اليوم الثاني لعدوان أكتوبر، اتخذ قراراً هزّ ركود العاصمة اليابانية: أن يخرج إلى الشارع، وحيداً أو نادراً، حاملاً العلم الفلسطيني، ومكتشحاً بالكوفية، ليهتف لعدالة قضية تبعد عنه آلاف الكيلومترات.
حين تخجل الجغرافيا وتتكلم الإنسانية: يوسوكي فوروساوا.. الساموراي الوحيد في ساحة الضمير
بقلم: [د. ضرار ابو سيسي]
في قلب طوكيو، حيث الصخب الذي لا يهدأ، وحيث تدور عجلة الحياة اليابانية بآلية صارمة لا تعترف بالهوامش، يقف رجلٌ واحد. ليس عربياً، ولا مسلماً، لا تربطه بغزة صلة رحم، ولا تجمع بينه وبين القدس لغة أو ثقافة. اسمه يوسوكي فوروساوا. لكنه منذ اليوم الثاني لعدوان أكتوبر، اتخذ قراراً هزّ ركود العاصمة اليابانية: أن يخرج إلى الشارع، وحيداً أو نادراً، حاملاً العلم الفلسطيني، ومكتشحاً بالكوفية، ليهتف لعدالة قضية تبعد عنه آلاف الكيلومترات.
لم يتوقف يوماً واحداً. لم ينل منه تعب الصيف، ولا زمهرير الشتاء، ولا نظرات الاستغراب في عيون المارة. في المقابل، وعلى بعد مسافة قريبة جداً من الجرح، يتمدد الصمت في شوارع وعواصم عربية وإسلامية بأسرها، وكأن غزة كوكبٌ مهجور في مجرة أخرى!
البُعد الإنساني: عندما تفوق "الإنسانية المجردة" روابط الدم
إن الملحمة اليومية التي يسطرها يوسوكي فوروساوا تُسقط كل التبريرات والذرائع التي يتذرع بها الإنسان العربي "السلبي". إنها تعيد تعريف مفهوم "التضامن". فوروساوا لا يتظاهر لأنه يملك فائضاً من الوقت، بل لأنه يملك فائضاً من الإنسانية لم تطمسه خطابات التخدير أو حسابات المصالح الضيقة.
بالنسبة لهذا الياباني، غزة ليست مجرد بقعة جغرافية منكوبة، بل هي "مقياس لضمير العالم". يرى فيها امتداداً لإرث إنساني يرفض الظلم والدمار، ربما مستدعياً من لا وعيه الجمعي الياباني آلام هيروشيما وناجازاكي. لقد فهم فوروساوا أن السكوت على إبادة غزة هو ضوء أخضر لإبادة الإنسانية جمعاء.
السؤال الحارق الذي يطرحه هذا المشهد: كيف استطاع هذا الرجل أن يجد في قلبه مكاناً لآلام أطفال غزة بشكل يومي ومستمر، في حين أصاب "البلادة المكتسبة" قلوب ملايين العرب والمسلمين الذين يكتفون بمشاهدة المجازر عبر الشاشات كأنه فيلم سينمائي طويل؟
البُعد السياسي: انكسار الرهان على "العروبة" وانبعاث القضية عالمياً
سياسياً، يمثل خروج فوروساوا اليومي إدانة صارخة للمنظومة الرسمية والشعبية في العالم العربي والإسلامي. لعقود طويلة، تم تسويق القضية الفلسطينية على أنها "قضية العرب الأولى" و"قضية المسلمين المركزية". لكن الواقع الراهن صدم هذه السردية؛ فالشعوب التي تجمعها بفلسطين الجغرافيا، والتاريخ، والدين، والمصير المشترك، غرقت في وحل السلبية، والخوف، والانكفاء على الذات، تارة بحجة "الواقعية السياسية" وتارة أخرى بحجة "العجز".
في المقابل، يحدث تحول جيوسياسي وثقافي خطير؛ فالقضية الفلسطينية اليوم تنخلع من ثوبها الإقليمي الضيق لتصبح قضية حرية عالمية. إن فوروساوا، والطلاب في جامعات أمريكا وأوروبا، والناشطين في جنوب أفريقيا، هم الذين يقودون اليوم الخطوط الأمامية للدفاع عن فلسطين في المحافل الدولية والرأي العام العالمي.
لقد نقل هؤلاء الأحرار قضية فلسطين من "خندق الهوية" إلى "فضاء القيم الإنسانية المشتركة".
أين أنتم يا عرب؟ أين أنتم يا مسلمين؟
حين نرى يوسوكي فوروساوا يقف بالساعات في شوارع طوكيو، حاملاً لافتة كُتبت بجهد صلب، صامداً أمام صقيع الشتاء، يتردد صدى سؤال قاسم وسياط أخلاقية تدمي الوجدان:
أين تلك الحشود التي كانت تملأ الميادين؟
أين "الأمة" التي تداعى سائر جسدها بالسهر والحمى؟
كيف ينام العربي ملء جفونه، ويأكل ملء بطنه، ويمارس حياته كأن شيئاً لم يكن، بينما ياباني في أقصى الأرض يهجر راحته يومياً ليدافع عن كرامة أمتنا المستباحة؟
إن السلبية العربية اليوم لم تعد مجرد "تقاعس"، بل أصبحت شريكة في الجريمة بصمتها. فالعدو لا يستقوي فقط بسلاحه ودعم حلفائه، بل يستقوي بـ"اعتادنا" على المنظر، وبحالة الموت السريري التي أصابت الشارع العربي.
خاتمة: الكوفية لا تحتاج إلى هوية.. بل إلى "إنسان"
إن درس يوسوكي فوروساوا هو أبلغ درس أخلاقي في عصرنا الحديث. لقد أثبت للعالم أن نصرة الحق لا تحتاج إلى جواز سفر فلسطيني، ولا إلى لسان عربي، ولا إلى انتماء ديني؛ كل ما تحتاجه هو "قلب لم يمت بعد".
يا أيها المواطن العربي والمسلم المستسلم لسلبيته: انظر إلى هذا الياباني العظيم، واخجل من قعودك. إن فوروساوا لا يدافع عن غزة فحسب، إنه يدافع عن بقايا الشرف الإنساني الذي تخلت عنه عواصمنا. وإذا كان رجل واحد في طوكيو قادراً على إشعال شمعة الأمل يومياً دون توقف، فما هي حُجتك أمام التاريخ، وأمام الله، وأمام نفسك؟
لقد حان الوقت لنستيقظ من هذا السبات الرهيب، فغزة لا تحتاج إلى دموعنا، بل تحتاج إلى مواقف تحاكي، على الأقل، ثبات هذا الساموراي الحر