القضية الفلسطينية في مفترق طرق

مقالات وأبحاث

  • الأحد 24, مايو 2026 08:39 ص
  • القضية الفلسطينية في مفترق طرق
تمرّ القضية الفلسطينية اليوم بلحظة مفصلية بالغة التعقيد؛ فبعد أكثر من عامين ونصف العام على الحرب المتواصلة في قطاع غزة، وعلى وقع تصاعد الضغوط الميدانية والسياسية المتزامنة في الضفة الغربية، تبدو المعادلة الإقليمية والدولية في طور إعادة رسم خريطتها الاستراتيجية الكبرى. لا تسعى هذه القراءة إلى الاصطفاف مع طرف أو مهاجمة آخر، بل إلى فهم ديناميكيات المشهد بعيون استراتيجية باردة، وتشخيص الفاعل والعاطل في ظل هذه المعطيات المتشابكة.
القضية الفلسطينية في مفترق طرق
نعيم مشتهى
تمرّ القضية الفلسطينية اليوم بلحظة مفصلية بالغة التعقيد؛ فبعد أكثر من عامين ونصف العام على الحرب المتواصلة في قطاع غزة، وعلى وقع تصاعد الضغوط الميدانية والسياسية المتزامنة في الضفة الغربية، تبدو المعادلة الإقليمية والدولية في طور إعادة رسم خريطتها الاستراتيجية الكبرى. لا تسعى هذه القراءة إلى الاصطفاف مع طرف أو مهاجمة آخر، بل إلى فهم ديناميكيات المشهد بعيون استراتيجية باردة، وتشخيص الفاعل والعاطل في ظل هذه المعطيات المتشابكة.
*ثمة خيطان رئيسان يتشابكان في صميم المشهد الراهن: خيط الضغط الميداني المتصاعد, من خلال الاستيطان في الضفة والحصار في غزة، وخيط الثبات الفلسطيني الذي يُعيد إنتاج نفسه بالرغم من التكاليف الهائل، وبين هذين الخيطين يتشكّل مستقبل المنطقة*.
أولًا: الضفة الغربية
لا يمكن فهم ما يجري في الضفة الغربية دون قراءة الأرقام الموثقة, فوفق تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الصادر مطلع 2026، وافقت السلطات الإسرائيلية على بناء ما يقارب 36,973 وحدة استيطانية في القدس الشرقية وحوالي 27,200 وحدة في باقي أنحاء الضفة, كما أُنشئت 84 بؤرة استيطانية جديدة, وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الاستيطان الإسرائيلي.
وعلى صعيد هدم المنشآت الفلسطينية، ارتفعت الأعداد من 659 منشأة عام 2023 إلى 903 عام 2024، وصولًا إلى 1,400 منشأة عام 2025, أي ما يعادل هدم أربع منشآت يومياً طوال عام كامل, وفي المقابل، تم منح 9 تصاريح بناء فقط للفلسطينيين في عام 2023، لذا فإن ما يحدث في الضفة ليس عشوائياً؛ بل هو مشروع ممنهج يقوم على ثلاثة أعمدة متكاملة:
السيطرة الجغرافية التدريجية: تبدأ بشق طريق التفافي يلتهم أراضي زراعية واسعة، ثم تُصادَر أرض بحجة أنها "أرض دولة"، ثم تُقام عليها بؤرة صغيرة، ثم تصل الكهرباء والمياه والحراسة العسكرية، وبعد سنوات تصبح مستوطنة قائمة بذاتها.
العزل الجغرافي: تستهدف المواقع الاستيطانية الجديدة خلق تواصل جغرافي يفصل شمال الضفة عن جنوبها، ويقضي عمليًا على أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
الضغط الاقتصادي والأمني: من خلال الاستيلاء على ينابيع المياه والأراضي الزراعية، وتهجير التجمعات البدوية في الأغوار ومسافر يطا، يُضيَّق الخناق على الحياة الفلسطينية اليومية حتى يُصبح البقاء مُرهِقًا بما يكفي لدفع الناس إلى "المغادرة الطوعية".
ثانيًا: غزة - حرب الإرادة والإنهاك
معادلة الضغط على الصمود
*في غزة تدور معركة من نوع مختلف, معركة إرادة وقدرة على التحمّل, هدفها لم يكن فقط القضاء على القدرة العسكرية لحماس، بل كسر إرادة السكان* من خلال جعل الحياة في غزة غير قابلة للاستمرار، بما يمكن تسميته "إستراتيجية الإنهاك"، غير أن هذه الاستراتيجية واجهت معضلة بنيوية: الإنهاك يعمل في الاتجاهين, فالحرب الطويلة أنهكت الاقتصاد الإسرائيلي جزئياً، وعمّقت الانقسامات الداخلية، وزادت العزلة الدبلوماسية, وبعد أكثر من عامين، لم تنهار الإرادة الشعبية في غزة بالصورة التي أرادها المخططون.
التهجير كسلاح إستراتيجية
دفع الناس من شمال غزة إلى جنوبها، ومن جنوبها نحو الحدود المصرية، هدف إلى خلق ضغط ديموغرافي وإنساني متراكم ليُفضي في نهاية المطاف إلى إعادة رسم خريطة السكان, لكن الرفض الفلسطيني القاطع للتهجير، المدعوم بمواقف مصر والأردن والسعودية، جعل هذا المسار يصطدم بجدار سياسي إقليمي صلب، لذا؛ فالحرب على غزة لم تحقق هدفها الاستراتيجي الأعمق والمتمثل بإسقاط إرادة الصمود على الأرض, لكن الثمن الإنساني الذي دُفع كان كارثياً بكل المقاييس.
ثالثًا: اغتيال عز الدين الحداد - الدلالات:
شبح القسام
في السابع عشر من مايو 2026، أعلنت قيادة جيش الاحتلال اغتيال القائد العام لكتائب القسام عز الدين الحداد (المعروف بـ"شبح القسام" ) في غارة مباشرة على مدينة غزة، لقي فيها حتفه مع زوجته وابنته. الرجل الذي طاردته أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية منذ حرب 2008، ونجا من غارات استهدفت منزله ثلاث مرات، كان قد قدّم ابنيه شهيدين قبله خلال الحرب الجارية.
حمّلته إسرائيل مسؤولية كونه أحد "مهندسي" هجوم السابع من أكتوبر 2023، وتولّى في مرحلته الأخيرة قيادة هيئة أركان الكتائب, وهو المنصب الأرفع تشغيلياً في البنية العسكرية لحماس داخل غزة.
دلالات التوقيت
تجاوزت عملية الاغتيال حدود الاستهداف العسكري التقليدي لتتحوّل إلى أداة سياسية معقدة, حيث أشارت تقارير إلى أن الحداد كان من أبرز المعارضين لخطة "مجلس السلام" التي طرحتها إدارة ترامب لنزع سلاح حماس، وأن إسرائيل أبلغت الأمريكيين مسبقاً بنيتها استهدافه, ما يكشف البُعد التفاوضي للاغتيال: إزاحة المعارضين الأقوياء لإعادة رسم موازين القوى داخل الحركة.
الأثر على بنية المقاومة
من الزاوية الاستراتيجية الباردة، اغتيال القيادة يُنتج تأثيرات متناقضة: من جهة يُعتقد أنه يُربك البنية التنظيمية على المدى القصير، ومن جهة أخرى يُرسّخ ثقافة الصمود داخل المجتمع الفلسطيني، ويُعقّد التفاوض, لأن البدائل القيادية قد تكون أقل مرونة.
السؤال الذي يطرحه المراقب الاستراتيجي: هل تؤدي الاغتيالات المتواصلة إلى تفكيك البنية أم إلى تصليبها؟ التجارب التاريخية لا تُعطي إجابة حاسمة في أي من الاتجاهين، ومن ذلك يمكننا القول أن الاغتيالات أداة ذات حدّين, تُحقق مكاسب تكتيكية لكنها تُعقّد المسار الاستراتيجي وتُغلق نوافذ التسوية.
رابعًا: الدول العربية - بين الثوابت والقيود
أكدت المملكة العربية السعودية أن موقفها يتمثل بعدم فتح علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ما لم يتم الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وإيقاف العدوان على غزة وانسحاب القوات الإسرائيلية, وقد أسهمت مصر والسعودية والأردن مجتمعةً في تشكيل حاجز سياسي فعلي أمام مخططات التهجير الجماعي.
غير أن الواقع الاستراتيجي يكشف معادلة أكثر تعقيدًا, الدول العربية الكبرى تحمل ثوابت لفظية واضحة، لكنها تعمل في ظل قيود بنيوية حقيقية:
الاعتمادية الاقتصادية والأمنية على الغرب: كثير من هذه الدول لا تستطيع استخدام ثقلها الاقتصادي أداةً للضغط دون أن تتحمّل تكاليف باهظة في علاقاتها مع واشنطن.
التناقض بين الرأي العام والسياسة الرسمية: الشارع العربي يطالب بمواقف أكثر حدّةً بكثير مما تقدر عليه الحكومات دون زعزعة استقرارها الداخلي.
غياب الإطار الجماعي الفاعل: التضامن العربي يبقى ثنائيًا وردّ فعليًا، لا استراتيجية إقليمية متكاملة ذات هيكل مؤسسي قادر على الضغط المنظّم، كما تمثل الدول العربية خطاً دفاعياً ضد أسوأ السيناريوهات، لكنها لا تمثّل رافعة استراتيجية حقيقية للتغيير.
سادسًا: المسار الدولي - التراكم القانوني وأفق التحول
خارج الإطار العربي، ثمة متغيرات دولية تستحق الرصد الاستراتيجي الدقيق:
المسار القانوني الدولي: تراكمت سوابق مهمة من خلال محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية, هذا المسار بطيء الأثر لكنه الأعمق، لأنه يُضيّق هامش الحركة السياسية لإسرائيل على المدى البعيد ويُكلّف شركائها الغربيين تكاليف دبلوماسية متزايدة.
التحوّل الجيلي في الغرب: يُمثّل ربما أهم متغيّر بعيد المدى, حيث أن الجيل الشاب في أوروبا وأمريكا يختلف جذرياً في نظرته للقضية مقارنةً بالأجيال السابقة، وهذا التحوّل سيُترجَم سياسياً مع الوقت في ضغط حقيقي على صانعي القرار.
الضغط الاقتصادي عبر المقاطعة والعقوبات الانتقائية: لا تزال محدودة الأثر حتى الآن، لكنها ترسم اتجاهاً تصاعدياً واضحًا, فما بات يُقلق "إسرائيل" فعلاً هو تأثير حركة BDS التراكمي على القطاع التكنولوجي والأسواق الأوروبية.
الخلاصة:
*يكشف المشهد الراهن عن معادلة مُربكة في ظاهرها، لكنها واضحة المنطق في عمقها*، حيث كلما ازداد الضغط على الشعب الفلسطيني، ازداد التوثيق الدولي لهذا الضغط وتراكمت تكاليفه السياسية والقانونية والأخلاقية على الطرف الممارس له، كما أن الدائرة المفرغة التي يشعر بها المراقب ليست فراغاً تامًا، بل هي حلزون بطيء الدوران, كما أنّ كل جولة تُضيف طبقةً إلى التراكم القانوني، وجيلًا إلى الرأي العام المتحوّل، وسابقةً إلى السجل التاريخي.