الأسير الفلسطيني… رومانسية تمشي على جراحها

مقالات وأبحاث

  • الأربعاء 04, فبراير 2026 11:31 ص
  • الأسير الفلسطيني… رومانسية تمشي على جراحها
ليس كل من حمل قلبًا كان رقيقًا، لكن كل من اختار أن يتألم كي يحيا الآخرون، لا بدّ أن يكون أكثر البشر عشقًا للحياة.
الأسير الفلسطيني… رومانسية تمشي على جراحها
عامر أبو عرفة
ليس كل من حمل قلبًا كان رقيقًا، لكن كل من اختار أن يتألم كي يحيا الآخرون، لا بدّ أن يكون أكثر البشر عشقًا للحياة.
الأسير الفلسطيني لا يكتب الرومانسية بالحبر، بل بالوقت المسروق من عمره، وبالجسد الذي يُقدَّم قربانًا لفكرةٍ اسمها الوطن.
في الزنزانة، حيث يضيق المكان حتى عن التنفّس، يتّسع القلب على نحوٍ مدهش، هناك، يتعلّم الأسير أن الحب لا يحتاج سماءً مفتوحة، وأن العشق الحقيقي قادر على العيش في شقوق الجدران.
هو لا يقاتل لأن قلبه قاسٍ، بل لأن قلبه شديد الرهافة، يخاف على الأرض من التيه، وعلى أهله من الانكسار، وعلى الحلم من الذبول، فالأسير ليس ابن العنف، بل ابن المعنى، لم يخرج من طبيعته البشرية، بل بلغ ذروتها.
هو ذاك الإنسان الذي تعلّق بربّه كما يتعلّق الغريق بخشبة النجاة، فصار الإيمان له نافذةً حين أُغلقت الأبواب، ونورًا صغيرًا يرافقه في ليلٍ طويل، وفي كل سجدةٍ مؤجَّلة، كان يعيد ترتيب روحه كي لا تتآكلها القسوة.
هو عاشقٌ متيمٌ بكل ذرة تراب، يعرف أسماء الأشجار كما يعرف ملامح أطفاله، ويحفظ رائحة البيت كما يحفظ اسمه، ينام وفي قلبه زوجة تنتظر، وأمّ تدعو، وطفلٌ يكبر دون أن يراه، لكنه يراه كل ليلة. الحرية عنده ليست شعارًا، بل وجهٌ مألوف، وصوتٌ حميم، وحياة تستحق أن تُستعاد.
كما وصفهم الله: رحماء بينهم، قلوبهم لينة، وإن بدت أياديهم خشنة، حملوا أقسى الأدوات ليحموا أرقّ الأشياء: ضحكة طفل، كرامة عجوز، وصلاةً لم تُكسَر، لم يكن السلاح نقيض الرومانسية لديهم، بل امتدادها الأخير حين خان العالم لغته.
يعرفون تمامًا ما الذي ينتظرهم، ويمضون. لا لأنهم يهوون الألم، بل لأنهم يعشقون المعنى أكثر من راحتهم. اختاروا الباقي على المؤقت، والجوهر على النجاة الفردية، والحلم الكبير على أعمارٍ صغيرة.
الأسير الفلسطيني لا يُختصر في صورة سجين، بل يُقرأ كنصٍّ مفتوح عن الحبّ حين يصبح موقفًا، وعن الرومانسية حين تخلع الزينة وتلبس الجراح، وتمشي بثبات نحو الحرية، حتى لو كانت الطريق زنزانة.