عائلة مقدسية ترفض إغراءات التهجير فتتوحد ضدها مؤسسات الاحتلال

  • الثلاثاء 30, يونيو 2026 11:04 ص
  • عائلة مقدسية ترفض إغراءات التهجير فتتوحد ضدها مؤسسات الاحتلال
القدس- في أزقة حي "بطن الهوى" ببلدة سلوان الملاصقة للمسجد الأقصى، تتجسد فصول مأساة مقدسيّة تختزلها سياسة الاستيلاء والضغط الممنهج التي تقودها جمعية "عطيرت كوهنيم" الاستيطانية، بغطاء قضائي وسياسي إسرائيلي.
عائلة مقدسية ترفض إغراءات التهجير فتتوحد ضدها مؤسسات الاحتلال
الجزيرة نت
القدس- في أزقة حي "بطن الهوى" ببلدة سلوان الملاصقة للمسجد الأقصى، تتجسد فصول مأساة مقدسيّة تختزلها سياسة الاستيلاء والضغط الممنهج التي تقودها جمعية "عطيرت كوهنيم" الاستيطانية، بغطاء قضائي وسياسي إسرائيلي.
تبرز قصة المقدسي زهير الرجبي وأشقائه السبعة، الذين يعيشون مع عائلاتهم المكونة من 62 فرداً، في بناية تضم 7 وحدات سكنية.
بات صمودهم في مواجهة أوامر الإخلاء معركة وجودية، بعد أن واجهوا ضغوطا تمثلت في مطالبتهم بدفع مبلغ 1.5 مليون و500 ألف شيكل (نحو 666.6 ألف دولار) كعقوبة غير مباشرة على نجاحهم في استصدار قرار بتجميد تهجيرهم.
تعود جذور عائلة الرجبي إلى حي الشرف الملاصق لحي المغاربة، الذي هُجّر منه قرابة ثلاثة آلاف مقدسي عام 1967، وحوّله الاحتلال لاحقاً إلى ما يسمى "حارة اليهود". وعقب هذا التهجير أصرت العائلة على التمسك بالقدس، إذ كانت قد اشترت، قبل النكبة عام 1948، أرضا في حي بطن الهوى مساحتها 150 متراً مربعاً.
موطن العائلة
يروي زهير الرجبي -للجزيرة نت- حكاية المنزل قائلا: "بناه والدي خضر ووالدتي حجرا حجرا؛ فكانت أمي تحمل الحجارة على ظهرها لتُعين أبي الذي كان يعمل في الفرن لتأمين قوتنا في ذلك الوقت".
ومع اتساع العائلة، خصص خضر سطح المنزل لزهير وأشقائه، لتتحول المساحة إلى مجمع يضم اليوم 62 فرداً يعيشون في حالة توتر وصدمة نفسية مستمرة، نتيجة سياسات الاحتلال التهجيرية.
يوضح الرجبي أن محكمة الاحتلال أمهلتهم حتى 17 مايو/أيار الماضي لإخلاء العقار، إلا أن العائلة استصدرت عبر محاميها قراراً بتجميد الإخلاء مؤقتا لمدة 60 يوماً.
أثار قرار التجميد غضب الجمعية الاستيطانية التي سارعت إلى رفع دعوى مضادة أمام المحكمة المركزية الإسرائيلية، طالبتهم فيها بدفع مبلغ 1.5 مليون شيكل (نحو 500 ألف دولار)، وبأثر رجعي كبديل إيجار مزعوم عن 7 سنوات، إضافة إلى غرامة قدرها 18 ألف شيكل (نحو 6 آلاف دولار) شهريا بدءا من تاريخ تقديم الدعوى وحتى إخلاء العقار، فضلا عن تحميلهم رسوم المحكمة وأتعاب المحاماة وجميع المصاريف القضائية، وهو ما جعل الأسرة تعيش حالة قلق في انتظار ما ستؤول إليه القضية.
ولم يتوقف التنكيل عند الجانب المالي، إذ تعرضت العائلة لتهديدات مباشرة من محامي الجمعية الاستيطانية الذي توعدهم بعد قرار تجميد الإخلاء، قائلا: "سأريكم ما سأفعل بكم".
حملات ضغط
تتضاعف مأساة عائلة الرجبي مع اقتراب مناسباتها الاجتماعية، يقول زهير بمرارة: "لدي حفل زفاف لولديّ خلال الأيام القادمة، ولا أعلم كيف سأقيمه في ظل احتمالية عدم تمديد قرار تجميد الإخلاء".
وتسابق العائلة الزمن لانتزاع قرار تمديد جديد من محكمة الاحتلال المركزية، وسط مخاوف من أن يستغل المستوطنون انشغالهم بالحفل للاستيلاء على المنزل.
ويتزامن هذا الضغط مع حملات تنكيل وحصار شرطي واستخباراتي يومي؛ فزهير الذي يمثل لجنة أهالي حي بطن الهوى، وقضى 16 عاماً في سجون الاحتلال، تعرض للاعتقال مرارا، كما اقتحم الاحتلال منزله ودمر محتوياته. فضلا عن اعتداءات المستوطنين على أطفال العائلة، و"ضغوطا استخباراتية وصلت إلى حد التهديد الصريح، حيث اتصل ضابط مخابرات إسرائيلي بزهير قائلا: "أحرقوا البيوت واخرجوا".
وأكدت العائلة عزمها تقديم اعتراض رسمي لإسقاط هذه الدعوى، مشيرة إلى "تناقض جوهري في ادعاءات الجمعية الاستيطانية"؛ ويوضح زهير: "قضيتهم مبنية على زعمهم ملكية قطعة الأرض المقام عليها العقار منذ عام 1829، في حين أن ما نملكه نحن هي عقارات وبيوت، وهم أنفسهم يعترفون بملكيتنا لها بدليل أنهم عرضوا علينا سابقا ملايين الشواكل لشرائها، وهو ما رفضناه بالمطلق، والآن يحاولون إخلاءنا ومطالبتنا بأموال في قضية تخص الأرض".
أدوات للاستيلاء
ولا تنظر محافظة القدس إلى قضية عائلة الرجبي باعتبارها حالة فردية، وإنما جزءا من سياسة أوسع تستهدف الوجود الفلسطيني في سلوان عبر أدوات مختلفة.
ويقول مسؤول الإعلام في المحافظة، عمر رجوب، للجزيرة نت، إن جمعية "عطيرت كوهنيم" تمثل إحدى أبرز الأذرع الاستيطانية العاملة على الاستيلاء على العقارات الفلسطينية في القدس، من خلال الادعاء بوجود ملكيات يهودية تعود إلى ما قبل 1948، رغم أنها لا تملك أي صفة رسمية تخولها تمثيل تلك الادعاءات.
وأوضح رجوب أن الجمعية تستند بذلك، مثل مؤسسات استيطانية أخرى، إلى "قانون الشؤون الإدارية والقانونية" الإسرائيلي الصادر في سبعينيات القرن الماضي، والذي يتيح المطالبة بعقارات يُزعم أنها كانت مملوكة ليهود قبل عام 1948، في حين يُحرم الفلسطينيون من المطالبة بأملاكهم التي فقدوها في العام نفسه.
واستُخدم هذا القانون – بحسبه - لتسويق ادعاءات بملكية مزعومة ليهود يمنيين لمساحة تبلغ نحو 5200 متر مربع في حي بطن الهوى، وهو ما يهدد ما بين 750 و800 مقدسي، ينتمون إلى نحو 75 عائلة.
وأضاف "وتيرة الدعاوى القضائية تصاعدت بصورة ملحوظة منذ 2015، إذ تواجه اليوم 84 عائلة خطر الإخلاء، بينما أُجبرت 33 عائلة على مغادرة منازلها فعلا لصالح المستوطنين، في حين تبقى أحياء بطن الهوى ووادي حلوة من أكثر المناطق استهدافًا بأوامر الإخلاء".
عمر رجوب: تصاعدت وتيرة الدعاوى القضائية منذ عام 2015، إذ تواجه اليوم 84 عائلة خطر الإخلاء، وأُجبرت 33 عائلة على مغادرة منازلها لصالح المستوطنين
ضغط ممنهج
وتمتد الضغوط إلى فرض مطالبات مالية باهظة، يرى رجوب أنها تحولت إلى وسيلة ضغط إضافية لدفع المقدسيين إلى مغادرة منازلهم.
وقال إن مطالبة عائلة الرجبي بدفع مبلغ مالي كبير بأثر رجعي، إلى جانب إلزامها مبالغ مالية شهرية "ليست سوى واحدة من أدوات الضغط الممنهج والعقاب الجماعي، تتبناها الجمعيات الاستيطانية عبر المحاكم الإسرائيلية لتسريع إخلاء الفلسطينيين من منازلهم".
وأشار إلى أن هذا الأسلوب استُخدم سابقا مع عائلة دويك في بطن الهوى، قبل أن تنجح الجهود القانونية الفلسطينية في إسقاط الدعوى المالية.
وإن عجزت العائلات عن دفع تلك المبالغ، فإنها تصبح مهددة بالحجز على أموالها وممتلكاتها، في سياسة تشبه ملاحقة بلدية الاحتلال للمقدسيين بالغرامات حتى بعد إجبارهم على هدم منازلهم بأيديهم، وفق مسؤول الإعلام في المحافظة.
"خطة الطوق"
إلى جانب الملاحقة القضائية، تعتمد سلطات الاحتلال سياسة تخطيطية تحد من التطور العمراني الفلسطيني في سلوان، عبر الامتناع عن إصدار تراخيص البناء، ثم استخدام البناء غير المرخص ذريعة لإصدار أوامر الهدم.
ولفت رجوب إلى أن مئات المنازل في أحياء البستان ووادي ياصول وعين اللوزة ووادي حلوة تواجه خطر الهدم، وهو ما يهدد آلاف الفلسطينيين بفقدان مساكنهم، ويحول الهدم إلى أداة إضافية من أدوات التهجير القسري.
ويمتد الاستهداف في بلدة سلوان، التي يقطنها 59 ألف مقدسي موزعون على 12 حيّاً، إلى باطن الأرض عبر حفريات وأنفاق مكثفة، وخاصة في حي وادي حلوة، وفق رجوب.
وقد تسببت الحفريات في تصدعات وانهيارات أرضية ألحقت أضراراً متزايدة بالمنازل الفلسطينية، في مسعى لفرض الرواية التوراتية وتوسيع المشاريع الاستيطانية والسياحية على حساب الوجود الفلسطيني التاريخي.
وأكد أن جميع هذه الأدوات تصب في تنفيذ ما يُعرف بـ"خطة الطوق"، التي تقوم على "ربط البؤر الاستيطانية ببعضها، وعزل الأحياء الفلسطينية، وتعزيز السيطرة على محيط المسجد الأقصى، بما يضعف الوجود الفلسطيني في المدينة".
ياسر مناع: ما يجري في سلوان يمثل جزءًا من استراتيجية استيطانية بعيدة المدى تقوم على ما يعرف بـ"الأنوية التوراتية"-
مزاعم "توراتية" للتهويد
من جهته، يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن ما يجري في سلوان يتجاوز النزاعات العقارية الفردية، ويمثل جزءا من إستراتيجية استيطانية بعيدة المدى تقوم على ما يعرف بـ"الأنوية التوراتية".
وأوضح للجزيرة نت أن هذه السياسة تعتمد على زرع بؤر استيطانية صغيرة داخل الأحياء الفلسطينية، ثم توسيعها تدريجيا وربطها ببعضها، بما يؤدي إلى تفتيت التجمعات الفلسطينية والحد من تمددها الطبيعي".
وتحظى سلوان -وفقا له- بمكانة خاصة في الفكر الاستيطاني، "إذ تُقدَّم باعتبارها منطقة ذات دلالات دينية وتاريخية، وهو ما يدفع الجمعيات الاستيطانية إلى تكثيف محاولاتها لإثبات ملكيات يهودية مزعومة، مستفيدة من منظومة قانونية ومؤسساتية توفر لها المعلومات والتسهيلات اللازمة لرفع الدعاوى وتسريع إجراءات الإخلاء".
وهذه السياسة – بحسبه - لا تعتمد على القوة العسكرية المباشرة بقدر اعتمادها على أدوات قانونية وإدارية، مثل دعاوى الإخلاء، والادعاءات العقارية، وعمليات الشراء الملتوية، وهو ما يصفه بـ"العنف الناعم". مضيفا "الجمعيات الاستيطانية اليوم لا تأتي كما فعلت العصابات الصهيونية عام 1948، بل تدير عملية السيطرة التدريجية تحت غطاء القانون، بما يجعل التهجير يبدو وكأنه إجراء قانوني".
ويشدد مناع على أن هذه الأدوات تتكامل مع مشاريع استيطانية وسياحية وأثرية تهدف إلى تغيير المشهد الجغرافي والديمغرافي في القدس، وتعزيز الأغلبية اليهودية، وإحكام السيطرة على محيط المسجد الأقصى، بما يسهم في فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلا.