كيف تدار شؤون المسجد الأقصى فعليًا؟
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
حين تقتحم قوات الاحتلال الإسرائيلي المسجد الأقصى أو تغلق أبوابه أو تمنع طواقمه من أداء عملها، يتكرر السؤال نفسه: كيف تدار شؤون المسجد الأقصى؟ هذا السؤال ليس إداريًا بحتًا، بل سياسي وسيادي بامتياز، لأن إدارة الأقصى تعني من يملك القرار في الصلاة والصيانة والحراسة والدخول إلى المكان، ومن يحاول انتزاع هذا القرار بالقوة وفرض وقائع جديدة تحت الاحتلال.
كيف تدار شؤون المسجد الأقصى في الأصل؟
من الناحية القانونية والتاريخية، يتبع المسجد الأقصى المبارك لإدارة دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية. وهذه ليست مسألة بروتوكول، بل تعبير عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وعن وضع تاريخي استقر قبل الاحتلال الإسرائيلي لشرقي القدس وبعده. وتشمل هذه الإدارة كامل مساحة المسجد الأقصى البالغة 144 دونمًا، بما فيها المصليات المسقوفة، والساحات، والأبواب، والمآذن، والمصاطب، وقبة الصخرة، والمصلى القبلي، وباب الرحمة وسائر المعالم داخل الحرم.
عمليًا، تتولى الأوقاف الإشراف على شؤون العبادة، وتنظيم عمل الحراس والسدنة والموظفين، ومتابعة الصيانة والترميم، وإدارة المدارس الشرعية وبعض الأنشطة الدينية والتعليمية داخل المسجد. وهي الجهة التي تحدد، في الأصل، ما يتعلق بفتح الأبواب وإغلاقها ضمن مقتضيات العمل الديني والإداري، وتتابع شؤون النظافة والكهرباء والمياه والمكتبات والمخطوطات، فضلًا عن تنسيق حضور المصلين في المناسبات والمواسم الدينية.
لكن هذه الصورة ليست كاملة إذا قُدمت كأنها إدارة مستقرة تعمل بحرية. الواقع أن الأوقاف تدير الأقصى تحت ضغط يومي من الاحتلال، وفي مساحة صراع مفتوح على السيادة والهوية والوظيفة الدينية للمكان.
إدارة دينية تحت احتلال يفرض قيوده
بعد احتلال شرقي القدس عام 1967، أبقت سلطات الاحتلال الإدارة الدينية الداخلية للمسجد بيد الأوقاف الإسلامية، لكنها لم تتخل عن سيطرتها الأمنية والعسكرية على المدينة ومحيط الأقصى وأبوابه الخارجية. هنا بدأ التناقض الأساسي: إدارة دينية إسلامية من جهة، وقوة احتلال تتحكم بالمداخل والحركة والاقتحامات وتفرض المنع والإبعاد من جهة أخرى.
هذا يعني أن الأوقاف مسؤولة عن المسجد، لكن الاحتلال يملك القدرة على تعطيل قراراتها، أو تقييد عملها، أو منع موظفيها من الوصول، أو اعتقال حراسها، أو إبعاد مديرها وموظفيها، أو إغلاق باب بعينه، أو السماح للمقتحمين بالدخول في أوقات يفرضها بقوة السلاح. لذلك فإن من يسأل كيف تدار شؤون المسجد الأقصى يجب أن يفهم أن الجواب مركب: الإدارة الرسمية للأوقاف، أما السيطرة الميدانية الضاغطة فهي للاحتلال الذي يسعى باستمرار لتقويض هذه الإدارة لا لمجرد مراقبتها.
في السنوات الأخيرة، تصاعد هذا التدخل إلى مستويات أخطر. لم يعد الاحتلال يكتفي بالتحكم الأمني حول الأقصى، بل صار يعمل على تقليص دور الأوقاف نفسها، والتدخل في الصيانة، والاعتراض على أعمال الترميم، وفرض موازين جديدة في باب الرحمة، وملاحقة الحراس، وتوفير الحماية المنظمة لاقتحامات المستوطنين والجماعات التهويدية.
ماذا تدير الأوقاف يوميًا داخل الأقصى؟
الإدارة اليومية للمسجد الأقصى ليست عنوانًا عامًا، بل عمل متشعب يبدأ من تفاصيل العبادة ولا ينتهي عند حماية البنية المعمارية والتراثية للمكان. فهناك الحراس الذين يتابعون الأبواب والساحات، ويرصدون الانتهاكات، وينظمون الحركة الداخلية وفق طبيعة المكان الديني. وهناك موظفو الصيانة الذين يتعاملون مع شبكات الكهرباء والمياه، ومعالجة الأعطال، والحفاظ على الأبنية التاريخية الحساسة.
كما تشمل الإدارة متابعة شؤون المصليات، وفرش المسجد، وتنظيم مكبرات الصوت، واستقبال شهر رمضان والمواسم الكبرى، والتنسيق مع لجان العلم والوعظ، والعناية بالمكتبات والمخطوطات والمراكز الدينية المرتبطة بالمسجد. هذه الأعمال تبدو خدمية، لكنها في الأقصى تحمل معنى الرباط الإداري والثبات المؤسسي في وجه مشروع إحلالي يريد إفراغ المكان من مرجعيته الإسلامية.
الحراس تحديدًا يؤدون دورًا يتجاوز الوظيفة الروتينية. فهم شهود ميدانيون على الاقتحامات والانتهاكات، وغالبًا ما يكونون في مقدمة من يتعرضون للاعتداء أو الاعتقال أو الإبعاد. ولهذا يستهدفهم الاحتلال باستمرار، لأنه يدرك أن وجودهم المنظم هو أحد آخر الخطوط التي تثبت أن للمسجد إدارة إسلامية قائمة وليست رمزية فقط.
من يفتح الأبواب ومن يقرر الدخول؟
في الحالة الطبيعية، تكون إدارة الأوقاف هي المرجعية في شؤون المسجد الداخلية، لكن الاحتلال فرض معادلة مشوهة عند الأبواب. فبعض الأبواب الخارجية يخضع أمنيًا لشرطة الاحتلال، التي تتحكم في إدخال المصلين، وتمنع فئات عمرية معينة، وتحتجز البطاقات الشخصية، وتغلق المداخل في أوقات التوتر، أو تفرض شروطًا على الوصول إلى المسجد أيام الجمعة وشهر رمضان.
هذه النقطة أساسية لأن السيطرة على الباب تعني عمليًا التأثير في وظيفة المسجد. فإذا كانت الأوقاف تدير المكان من الداخل، لكن الاحتلال يقرر من يدخل ومن يُمنع، فهو يحاول مصادرة جوهر الإدارة لا شكلها فقط. ولهذا يرى الفلسطينيون أن معركة الأقصى ليست حول ترتيبات إدارية ضيقة، بل حول حق المسلمين في إدارة مسجدهم والوصول إليه بلا إذن من قوة احتلال.
الأخطر أن الاحتلال يستخدم هذه السيطرة الأمنية لتكريس الاقتحامات الاستيطانية تحت اسم الزيارات. فهو يفتح المجال للمستوطنين خلال فترات محددة، ويوفر لهم الحماية المسلحة، ويمنع اعتراض المصلين والمرابطين، وفي أحيان كثيرة يبعد من يتصدى لهذه الاقتحامات. بهذا المعنى، هو لا ينظم الدخول فقط، بل يعيد تشكيله لخدمة مشروع سياسي وديني مضاد.
كيف تُتخذ القرارات المتعلقة بالترميم والصيانة؟
من حيث المبدأ، الترميم والصيانة من اختصاص الأوقاف الإسلامية والجهات الفنية التابعة لها. ويشمل ذلك إصلاح المباني التاريخية، وصيانة القباب والأسقف والجدران، ومعالجة الرطوبة والتشققات، والحفاظ على الهوية العمرانية الإسلامية للأقصى. غير أن الاحتلال يتدخل مرارًا لعرقلة هذه الأعمال أو إخضاعها لشروطه، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمناطق يعتبرها حساسة أمنيًا أو سياسيًا.
وقد ظهر ذلك بوضوح في محطات متعددة، حين حاول الاحتلال منع أو تأخير أعمال ترميم، أو تصويرها على أنها تغيير للوضع القائم، بينما هو نفسه يفرض تغييرات واسعة على محيط الأقصى وعلى البلدة القديمة كلها عبر الحفريات والأنفاق ومشاريع التهويد. هذا التناقض مقصود: يريد منع الإدارة الإسلامية من أداء دورها الطبيعي، ثم يدّعي أن وجوده ضروري لإدارة المكان.
هنا يجب التمييز بين الإدارة الفعلية والقدرة المنفذة. الأوقاف هي صاحبة الاختصاص الشرعي والقانوني، لكن قدرتها على التنفيذ ليست مطلقة بسبب الاحتلال. وهذا أحد أوجه الصراع اليومي في القدس: ليس فقط من يملك الحق، بل من يملك القوة لتعطيل هذا الحق.
مجلس الأوقاف ودوره في إدارة المسجد الأقصى
إلى جانب الجهاز التنفيذي التابع لدائرة الأوقاف، يوجد مجلس للأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في القدس، يضطلع بدور إسنادي وإشرافي في الملفات الكبرى المرتبطة بالأقصى والمقدسات. وقد اكتسب هذا المجلس أهمية مضاعفة في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع اتساع الاستهداف الإسرائيلي ومحاولات فرض ترتيبات جديدة داخل المسجد ومحيطه.
دور المجلس لا يلغي دور دائرة الأوقاف، بل يعززه سياسيًا ومؤسسيًا. فهو يسهم في تثبيت الموقف الإسلامي من القضايا الخلافية، ويتابع المستجدات، ويصدر المواقف حيال الاقتحامات والإغلاقات والاعتداءات على الحراس والمصلين. لكن مرة أخرى، تبقى المشكلة الأساسية أن الاحتلال يتعامل مع هذه المرجعيات بوصفها عائقًا أمام مشروعه، لا شريكًا في تنظيم المكان.
لماذا يحاول الاحتلال تقليص هذه الإدارة؟
الجواب واضح: لأن بقاء الأوقاف مرجعية حقيقية داخل المسجد الأقصى يعني بقاء الاعتراف العملي بعروبته وإسلاميته، ويعني أن الاحتلال لم ينجح في فرض سيادة كاملة على أقدس مقدسات القدس الإسلامية. لذلك يعمل على استنزاف هذه الإدارة خطوة خطوة، عبر الإبعادات، والاستدعاءات، والاعتقالات، ومنع الترميم، والتحكم بالأبواب، وتوسيع الاقتحامات، وطرح تقسيم زماني ومكاني ولو بشكل تدريجي غير معلن في بعض المراحل.
هذه السياسة لا تستهدف الموظفين فقط، بل تستهدف وعي الناس أيضًا. فحين تُصوَّر شرطة الاحتلال على أنها صاحبة القرار في الأقصى، وحين يُعامل الحراس والموظفون كأنهم مجرد عاملين ثانويين، يجري تزييف حقيقة المكان. الحقيقة أن إدارة الأقصى إسلامية، وأن الاحتلال قوة طارئة تحاول فرض الوقائع بالقوة المسلحة، لا بالحق ولا بالشرعية.
بين الإدارة والسيادة.. أين تقف المعركة اليوم؟
لا يمكن الفصل بين إدارة المسجد الأقصى ومسألة السيادة عليه. من الناحية الشكلية، قد يقول البعض إن الأوقاف لا تزال تدير شؤون المسجد، وهذا صحيح جزئيًا. لكن من الناحية الميدانية، الاحتلال ينازعها هذه الإدارة كل يوم، ويحاول تقليصها وتحويلها إلى دور محدود داخل فضاء يتحكم هو بمفاصله الأمنية. وهذا هو لب الصراع.
لذلك فإن الدفاع عن الأقصى لا يقتصر على منع اقتحام أو رفض إغلاق، بل يشمل أيضًا حماية المرجعية التي تدير المسجد وتحفظ هويته ووظيفته الدينية. وكل اعتداء على الحراس، أو منع للترميم، أو إبعاد للموظفين، أو فرض لقيود الدخول، هو اعتداء مباشر على إدارة المسجد نفسها.
في الوعي الفلسطيني، لا تُقاس إدارة الأقصى بالأختام واللوائح فقط، بل بالثبات في وجه مشروع الاقتلاع. وما دام الاحتلال يسعى إلى تفكيك المرجعية الإسلامية داخل المسجد، فإن تثبيت هذه المرجعية يبقى جزءًا من معركة القدس كلها. والخلاصة العملية التي ينبغي أن تبقى حاضرة: الأقصى يُدار من قبل الأوقاف الإسلامية صاحبة الحق، لكنه يُحاصر يوميًا من احتلال يسعى إلى انتزاع هذا الحق، ولهذا فإن حماية الإدارة هنا ليست شأنًا إداريًا بل واجب دفاع عن المكان والهوية والرواية.
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
حين تقتحم قوات الاحتلال الإسرائيلي المسجد الأقصى أو تغلق أبوابه أو تمنع طواقمه من أداء عملها، يتكرر السؤال نفسه: كيف تدار شؤون المسجد الأقصى؟ هذا السؤال ليس إداريًا بحتًا، بل سياسي وسيادي بامتياز، لأن إدارة الأقصى تعني من يملك القرار في الصلاة والصيانة والحراسة والدخول إلى المكان، ومن يحاول انتزاع هذا القرار بالقوة وفرض وقائع جديدة تحت الاحتلال.
كيف تدار شؤون المسجد الأقصى في الأصل؟
من الناحية القانونية والتاريخية، يتبع المسجد الأقصى المبارك لإدارة دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية. وهذه ليست مسألة بروتوكول، بل تعبير عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وعن وضع تاريخي استقر قبل الاحتلال الإسرائيلي لشرقي القدس وبعده. وتشمل هذه الإدارة كامل مساحة المسجد الأقصى البالغة 144 دونمًا، بما فيها المصليات المسقوفة، والساحات، والأبواب، والمآذن، والمصاطب، وقبة الصخرة، والمصلى القبلي، وباب الرحمة وسائر المعالم داخل الحرم.
عمليًا، تتولى الأوقاف الإشراف على شؤون العبادة، وتنظيم عمل الحراس والسدنة والموظفين، ومتابعة الصيانة والترميم، وإدارة المدارس الشرعية وبعض الأنشطة الدينية والتعليمية داخل المسجد. وهي الجهة التي تحدد، في الأصل، ما يتعلق بفتح الأبواب وإغلاقها ضمن مقتضيات العمل الديني والإداري، وتتابع شؤون النظافة والكهرباء والمياه والمكتبات والمخطوطات، فضلًا عن تنسيق حضور المصلين في المناسبات والمواسم الدينية.
لكن هذه الصورة ليست كاملة إذا قُدمت كأنها إدارة مستقرة تعمل بحرية. الواقع أن الأوقاف تدير الأقصى تحت ضغط يومي من الاحتلال، وفي مساحة صراع مفتوح على السيادة والهوية والوظيفة الدينية للمكان.
إدارة دينية تحت احتلال يفرض قيوده
بعد احتلال شرقي القدس عام 1967، أبقت سلطات الاحتلال الإدارة الدينية الداخلية للمسجد بيد الأوقاف الإسلامية، لكنها لم تتخل عن سيطرتها الأمنية والعسكرية على المدينة ومحيط الأقصى وأبوابه الخارجية. هنا بدأ التناقض الأساسي: إدارة دينية إسلامية من جهة، وقوة احتلال تتحكم بالمداخل والحركة والاقتحامات وتفرض المنع والإبعاد من جهة أخرى.
هذا يعني أن الأوقاف مسؤولة عن المسجد، لكن الاحتلال يملك القدرة على تعطيل قراراتها، أو تقييد عملها، أو منع موظفيها من الوصول، أو اعتقال حراسها، أو إبعاد مديرها وموظفيها، أو إغلاق باب بعينه، أو السماح للمقتحمين بالدخول في أوقات يفرضها بقوة السلاح. لذلك فإن من يسأل كيف تدار شؤون المسجد الأقصى يجب أن يفهم أن الجواب مركب: الإدارة الرسمية للأوقاف، أما السيطرة الميدانية الضاغطة فهي للاحتلال الذي يسعى باستمرار لتقويض هذه الإدارة لا لمجرد مراقبتها.
في السنوات الأخيرة، تصاعد هذا التدخل إلى مستويات أخطر. لم يعد الاحتلال يكتفي بالتحكم الأمني حول الأقصى، بل صار يعمل على تقليص دور الأوقاف نفسها، والتدخل في الصيانة، والاعتراض على أعمال الترميم، وفرض موازين جديدة في باب الرحمة، وملاحقة الحراس، وتوفير الحماية المنظمة لاقتحامات المستوطنين والجماعات التهويدية.
ماذا تدير الأوقاف يوميًا داخل الأقصى؟
الإدارة اليومية للمسجد الأقصى ليست عنوانًا عامًا، بل عمل متشعب يبدأ من تفاصيل العبادة ولا ينتهي عند حماية البنية المعمارية والتراثية للمكان. فهناك الحراس الذين يتابعون الأبواب والساحات، ويرصدون الانتهاكات، وينظمون الحركة الداخلية وفق طبيعة المكان الديني. وهناك موظفو الصيانة الذين يتعاملون مع شبكات الكهرباء والمياه، ومعالجة الأعطال، والحفاظ على الأبنية التاريخية الحساسة.
كما تشمل الإدارة متابعة شؤون المصليات، وفرش المسجد، وتنظيم مكبرات الصوت، واستقبال شهر رمضان والمواسم الكبرى، والتنسيق مع لجان العلم والوعظ، والعناية بالمكتبات والمخطوطات والمراكز الدينية المرتبطة بالمسجد. هذه الأعمال تبدو خدمية، لكنها في الأقصى تحمل معنى الرباط الإداري والثبات المؤسسي في وجه مشروع إحلالي يريد إفراغ المكان من مرجعيته الإسلامية.
الحراس تحديدًا يؤدون دورًا يتجاوز الوظيفة الروتينية. فهم شهود ميدانيون على الاقتحامات والانتهاكات، وغالبًا ما يكونون في مقدمة من يتعرضون للاعتداء أو الاعتقال أو الإبعاد. ولهذا يستهدفهم الاحتلال باستمرار، لأنه يدرك أن وجودهم المنظم هو أحد آخر الخطوط التي تثبت أن للمسجد إدارة إسلامية قائمة وليست رمزية فقط.
من يفتح الأبواب ومن يقرر الدخول؟
في الحالة الطبيعية، تكون إدارة الأوقاف هي المرجعية في شؤون المسجد الداخلية، لكن الاحتلال فرض معادلة مشوهة عند الأبواب. فبعض الأبواب الخارجية يخضع أمنيًا لشرطة الاحتلال، التي تتحكم في إدخال المصلين، وتمنع فئات عمرية معينة، وتحتجز البطاقات الشخصية، وتغلق المداخل في أوقات التوتر، أو تفرض شروطًا على الوصول إلى المسجد أيام الجمعة وشهر رمضان.
هذه النقطة أساسية لأن السيطرة على الباب تعني عمليًا التأثير في وظيفة المسجد. فإذا كانت الأوقاف تدير المكان من الداخل، لكن الاحتلال يقرر من يدخل ومن يُمنع، فهو يحاول مصادرة جوهر الإدارة لا شكلها فقط. ولهذا يرى الفلسطينيون أن معركة الأقصى ليست حول ترتيبات إدارية ضيقة، بل حول حق المسلمين في إدارة مسجدهم والوصول إليه بلا إذن من قوة احتلال.
الأخطر أن الاحتلال يستخدم هذه السيطرة الأمنية لتكريس الاقتحامات الاستيطانية تحت اسم الزيارات. فهو يفتح المجال للمستوطنين خلال فترات محددة، ويوفر لهم الحماية المسلحة، ويمنع اعتراض المصلين والمرابطين، وفي أحيان كثيرة يبعد من يتصدى لهذه الاقتحامات. بهذا المعنى، هو لا ينظم الدخول فقط، بل يعيد تشكيله لخدمة مشروع سياسي وديني مضاد.
كيف تُتخذ القرارات المتعلقة بالترميم والصيانة؟
من حيث المبدأ، الترميم والصيانة من اختصاص الأوقاف الإسلامية والجهات الفنية التابعة لها. ويشمل ذلك إصلاح المباني التاريخية، وصيانة القباب والأسقف والجدران، ومعالجة الرطوبة والتشققات، والحفاظ على الهوية العمرانية الإسلامية للأقصى. غير أن الاحتلال يتدخل مرارًا لعرقلة هذه الأعمال أو إخضاعها لشروطه، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمناطق يعتبرها حساسة أمنيًا أو سياسيًا.
وقد ظهر ذلك بوضوح في محطات متعددة، حين حاول الاحتلال منع أو تأخير أعمال ترميم، أو تصويرها على أنها تغيير للوضع القائم، بينما هو نفسه يفرض تغييرات واسعة على محيط الأقصى وعلى البلدة القديمة كلها عبر الحفريات والأنفاق ومشاريع التهويد. هذا التناقض مقصود: يريد منع الإدارة الإسلامية من أداء دورها الطبيعي، ثم يدّعي أن وجوده ضروري لإدارة المكان.
هنا يجب التمييز بين الإدارة الفعلية والقدرة المنفذة. الأوقاف هي صاحبة الاختصاص الشرعي والقانوني، لكن قدرتها على التنفيذ ليست مطلقة بسبب الاحتلال. وهذا أحد أوجه الصراع اليومي في القدس: ليس فقط من يملك الحق، بل من يملك القوة لتعطيل هذا الحق.
مجلس الأوقاف ودوره في إدارة المسجد الأقصى
إلى جانب الجهاز التنفيذي التابع لدائرة الأوقاف، يوجد مجلس للأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في القدس، يضطلع بدور إسنادي وإشرافي في الملفات الكبرى المرتبطة بالأقصى والمقدسات. وقد اكتسب هذا المجلس أهمية مضاعفة في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع اتساع الاستهداف الإسرائيلي ومحاولات فرض ترتيبات جديدة داخل المسجد ومحيطه.
دور المجلس لا يلغي دور دائرة الأوقاف، بل يعززه سياسيًا ومؤسسيًا. فهو يسهم في تثبيت الموقف الإسلامي من القضايا الخلافية، ويتابع المستجدات، ويصدر المواقف حيال الاقتحامات والإغلاقات والاعتداءات على الحراس والمصلين. لكن مرة أخرى، تبقى المشكلة الأساسية أن الاحتلال يتعامل مع هذه المرجعيات بوصفها عائقًا أمام مشروعه، لا شريكًا في تنظيم المكان.
لماذا يحاول الاحتلال تقليص هذه الإدارة؟
الجواب واضح: لأن بقاء الأوقاف مرجعية حقيقية داخل المسجد الأقصى يعني بقاء الاعتراف العملي بعروبته وإسلاميته، ويعني أن الاحتلال لم ينجح في فرض سيادة كاملة على أقدس مقدسات القدس الإسلامية. لذلك يعمل على استنزاف هذه الإدارة خطوة خطوة، عبر الإبعادات، والاستدعاءات، والاعتقالات، ومنع الترميم، والتحكم بالأبواب، وتوسيع الاقتحامات، وطرح تقسيم زماني ومكاني ولو بشكل تدريجي غير معلن في بعض المراحل.
هذه السياسة لا تستهدف الموظفين فقط، بل تستهدف وعي الناس أيضًا. فحين تُصوَّر شرطة الاحتلال على أنها صاحبة القرار في الأقصى، وحين يُعامل الحراس والموظفون كأنهم مجرد عاملين ثانويين، يجري تزييف حقيقة المكان. الحقيقة أن إدارة الأقصى إسلامية، وأن الاحتلال قوة طارئة تحاول فرض الوقائع بالقوة المسلحة، لا بالحق ولا بالشرعية.
بين الإدارة والسيادة.. أين تقف المعركة اليوم؟
لا يمكن الفصل بين إدارة المسجد الأقصى ومسألة السيادة عليه. من الناحية الشكلية، قد يقول البعض إن الأوقاف لا تزال تدير شؤون المسجد، وهذا صحيح جزئيًا. لكن من الناحية الميدانية، الاحتلال ينازعها هذه الإدارة كل يوم، ويحاول تقليصها وتحويلها إلى دور محدود داخل فضاء يتحكم هو بمفاصله الأمنية. وهذا هو لب الصراع.
لذلك فإن الدفاع عن الأقصى لا يقتصر على منع اقتحام أو رفض إغلاق، بل يشمل أيضًا حماية المرجعية التي تدير المسجد وتحفظ هويته ووظيفته الدينية. وكل اعتداء على الحراس، أو منع للترميم، أو إبعاد للموظفين، أو فرض لقيود الدخول، هو اعتداء مباشر على إدارة المسجد نفسها.
في الوعي الفلسطيني، لا تُقاس إدارة الأقصى بالأختام واللوائح فقط، بل بالثبات في وجه مشروع الاقتلاع. وما دام الاحتلال يسعى إلى تفكيك المرجعية الإسلامية داخل المسجد، فإن تثبيت هذه المرجعية يبقى جزءًا من معركة القدس كلها. والخلاصة العملية التي ينبغي أن تبقى حاضرة: الأقصى يُدار من قبل الأوقاف الإسلامية صاحبة الحق، لكنه يُحاصر يوميًا من احتلال يسعى إلى انتزاع هذا الحق، ولهذا فإن حماية الإدارة هنا ليست شأنًا إداريًا بل واجب دفاع عن المكان والهوية والرواية.