إصداران للباحث علي إبراهيم في معرض إسطنبول للكتاب العربي

  • الجمعة 21, أغسطس 2026 10:29 ص
  • إصداران للباحث علي إبراهيم في معرض إسطنبول للكتاب العربي
تتخذ سياسات الاحتلال في القدس المحتلّة أشكالًا متعددة تتجاوز الاستيطان ومصادرة الأراضي وفرض التغييرات الديموغرافية، لتطال أيضًا الذاكرة والهوية والثقافة والفضاء العام والبيئة.
إصداران للباحث علي إبراهيم في معرض إسطنبول للكتاب العربي يوثقان وجهين لتهويد القدس
موقع مدينة القدس
تتخذ سياسات الاحتلال في القدس المحتلّة أشكالًا متعددة تتجاوز الاستيطان ومصادرة الأراضي وفرض التغييرات الديموغرافية، لتطال أيضًا الذاكرة والهوية والثقافة والفضاء العام والبيئة.
وفي هذا السياق، تبرز أدوات أقل مباشرة في ظاهرها، لكنها تؤدي أدوارًا متشابكة في إعادة تشكيل صورة المدينة ومحيطها، عبر المهرجانات والفعاليات الثقافية والسياحية، وعبر الغابات والحدائق ومشاريع التشجير التي يُعاد توظيفها لخدمة رواية الاحتلال وتثبيت سيطرته على الأرض.
وفي إطار تسليط الضوء على هذه المسارات، وفّرت مؤسسة القدس الدولية، ضمن جناحها في معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي، دراستين للباحث في الشأن المقدسي علي إبراهيم، ترصدان جانبين من سياسات التهويد؛ الأول عبر ما تصفه بـ "التهويد الخفي" الذي يوظف الثقافة والفنون والسياحة والفعاليات الجماهيرية في إعادة إنتاج صورة القدس وهويتها، والثاني عبر "التهويد الأخضر" الذي يستخدم الغابات والحدائق والتشجير، بما فيها الحدائق التوراتية، كأدوات لإعادة تشكيل الأرض والفضاء المقدسي وطمس جوانب من الذاكرة الفلسطينية.
وتكشف الدراستان، كلٌّ من زاويتها، أن مشروع تهويد القدس لا يتحرك عبر أدوات صريحة ومباشرة فحسب، بل يستفيد أيضًا من مساحات تبدو في ظاهرها ثقافية أو سياحية أو بيئية، لتؤدي وظائف مرتبطة بالسيطرة على المكان وإعادة صياغة الرواية التاريخية والجغرافية للمدينة.
وبين المهرجان والحديقة والغابة، ترصد الدراستان آليات متداخلة تستهدف الإنسان والمكان والذاكرة، وتدفع باتجاه قراءة هذه المشاريع ضمن سياقها السياسي والاستيطاني الأوسع.
التهويد عبر المهرجانات: تهويد ناعم يعيد تشكيل هوية المدينة تحت غطاء الثقافة
تتناول الدراسة الأولى جانبًا من سياسات الاحتلال في القدس يقوم على توظيف الثقافة والفنون والسياحة لإعادة تشكيل صورة المدينة وهويتها، إلى جانب أدوات الاستيطان ومصادرة الأراضي وتغيير الواقع الديموغرافي.
وتشير الدراسة التي تحمل عنوان "التهويد الخفي: استهداف القدس وهويتها عبر المهرجانات والحفلات"، إلى نحو عشرة مهرجانات وفعاليات رئيسة في القدس، بينها مهرجان القدس للسينما، ومهرجان الأنوار، ومهرجان الحرف والفنون الدولي و"شيش بيش"، بدعم ومشاركة جهات رسمية إسرائيلية، بينها بلدية الاحتلال ووزارة الثقافة في حكومة الاحتلال وسلطة تطوير القدس.
وتلفت إلى توظيف مواقع تاريخية في هذه الفعاليات، من بينها برك السلطان، التي أعلنت بلدية الاحتلال عام 2022 مشروعًا لتطويرها بنحو 100 مليون شيكل، لتتحول إلى مركز للحفلات والفعاليات الجماهيرية، إلى جانب استخدام أسوار البلدة القديمة وباب العمود ومحيط المسجد الأقصى في مهرجان الأنوار والعروض الضوئية.
كما ترى أن بعض الفعاليات السينمائية والثقافية تسهم في إعادة إنتاج الرواية الإسرائيلية عن القدس والحرب، في وقت تواجه فيه الفعاليات والمؤسسات الثقافية الفلسطينية قيودًا ومنعًا من جانب الاحتلال.
وتخلص الدراسة إلى أن المهرجانات والحفلات تمثل أداة "ناعمة" في مشروع تهويد القدس، لا تستهدف المكان وحسب، وإنما الذاكرة والرواية المرتبطة به، داعية إلى تكثيف الرصد الإعلامي والبحثي لهذا المسار.
التهويد الأخضر: الغابات والحدائق كأدوات للسيطرة على الأرض الفلسطينية
تتناول دراسة "التهويد الأخضر: استخدام الغابات والحدائق في تهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة" أحد الأوجه الأقل تناولًا لسياسات الاحتلال في السيطرة على الأرض الفلسطينية، والمتمثل في توظيف الغابات والتشجير والحدائق العامة والحدائق التوراتية ضمن مشروع يتجاوز أهدافه البيئية المعلنة إلى تغيير معالم الأرض وهويتها، وطمس الذاكرة الفلسطينية، وترسيخ الرواية الإسرائيلية في المكان.
تنطلق الدراسة من مفهوم "التهويد الأخضر"، الذي يشير إلى استخدام البيئة والطبيعة والتخضير كوسائل للسيطرة على الأرض وإعادة تشكيلها.
وتبين أن إنشاء الغابات والحدائق لم يكن مسارًا منفصلًا عن المشروع الاستيطاني، بل تطور على مدى أكثر من قرن بالتوازي مع عمليات شراء الأراضي والاستيلاء عليها وتهجير الفلسطينيين منها. وفي هذا السياق، تتتبّع الدراسة دور الصندوق القومي اليهودي منذ تأسيسه عام 1901، وتحول التشجير إلى إحدى الأدوات التي ساهمت في تثبيت السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية.
وتسلط الدراسة الضوء على القدس بوصفها المجال الذي تطورت فيه سياسة "التهويد الأخضر" إلى نموذج أكثر تعقيدًا. وتركز على الحدائق التوراتية التي أقامها الاحتلال في محيط البلدة القديمة والمسجد الأقصى، والتي يقدمها بوصفها حدائق ومواقع طبيعية وأثرية، فيما حقيقة تؤدي وظائف سياسية واستيطانية مرتبطة بإعادة تشكيل الفضاء المقدسي.
وتبرز الدراسة بصورة خاصة خطورة الحديقة التوراتية المحيطة بالبلدة القديمة، نظرًا إلى قربها من أسوار المدينة والمسجد الأقصى وامتدادها في مناطق ذات أهمية دينية وتاريخية، فضلًا عن ارتباط بعض مشاريعها بالحفريات والمواقع الأثرية. وتضع الدراسة هذه المشاريع ضمن سياق أوسع يستهدف إعادة صياغة محيط الأقصى وربطه بالرواية التوراتية، بما يهدد الهوية العربية والإسلامية للمدينة.
وبالمحصلة، تقدم الدراسة "التهويد الأخضر" كسياسة متكاملة لإعادة تشكيل الأرض الفلسطينية، لا مجرد مشاريع تشجير متفرقة. فالغابة هنا تؤدي وظيفة تتصل بالأرض والذاكرة، والحديقة تؤدي وظيفة تتصل بالجغرافيا والسيطرة، والحديقة التوراتية تؤدي وظيفة إضافية تتمثل في إعادة إنتاج الرواية التاريخية والدينية للمكان.
وتخلص إلى أنّ مواجهة "التهويد الأخضر" تتطلب النظر إلى مشاريع التشجير والحدائق ضمن سياقها السياسي والجغرافي، وتوثيق الأراضي المستهدفة وأسماء المواقع وتاريخها الفلسطيني، ومتابعة المشاريع الجديدة، وعدم التعامل مع الخطاب البيئي بمعزل عن أثره على الملكية والهوية والذاكرة والتواصل الجغرافي الفلسطيني.